رواندا وحلم الحياة الكريمة

02 ديسمبر 2019
الصورة

مشهد في عاصمة رواندا كيغالي (30/7/2017/فرانس برس)

+ الخط -
تحلّ أحزانٌ مضاعفةٌ على عرب يحاولون التطلع بحثاً عن الرزق، فيزورون رواندا في شرق أفريقيا، خصوصاً الذين فرضت عليهم ملابسات محاولات الربيع العربي والثورات أن يغادروا أوطانهم. وحينما يكون أحدهم مقيماً في الغربة وتأخذ الطائرة طريقها إلى رواندا، فتمرّ على بلده الذي حُرم زيارته والتطلع إليه من غير نافذة الطائرة، فإن آلاماً لا تطاق تصيب الروح بدوار لا يخفف من قسوته سوى الأمل في الغد، ورحمة رب الخلق جميعاً.
يقدّم الإعلام العربي، وخصوصاً وسائل التواصل الاجتماعي، صورة براقة عن رواندا. وزائر هذه الدولة للمرة الأولى يُفاجأ باختلاف كبير بين ما يراه وما نُقِلَ إليه وطالعه أو قرأه. فمن ناحية أولى، يبدو البلد، وخصوصاً العاصمة كيغالي، مغايراً للصورة الدامية التي عمّتها بين عامي 1993 و1994، إذ واجه السكان إبادة جماعية تجاوزت المجازر. وعلى الرغم من هذه المأساة التي أودت بالآلاف، إلا أن التماسك الاجتماعي وتغليب الرغبة في استمرار السلم العام، وبالتالي الحياة، يعمّان الجميع، حتى إنه لا يكاد يذكر في البلاد اسما "الهوتو" و"التوتسي"، أو القبيلتين الكبيرتين اللتين اندلعت بينهما الحرب الأهلية. وجميع الروانديين، بداية من مطار الوصول إلى الأسواق والشوارع، وحتى أقسام الشرطة، يذكرون كلمة رواندا بكثير من الفخر، لإبراز هوية وطنية تتجاوز المحن والخلافات المريعة. ويزيد من بريق الإقدام على زيارة رواندا، أن كثيرين من أهلها يتحدثون الإنجليزية والفرنسية، بالإضافة إلى اللغة المحلية الكينيارواندية.
لكن كل ما سبق، بالإضافة إلى انتشار الشرطة بشكل مكثف، حتى إن الزائر لا يكاد يفتقد 
وجود عنصر منها كل أقل من مائة متر، والأمر نسبي، حتى على الطرق بين مدن الدولة، لا ينفي وجود مشكلاتٍ كبرى في رواندا يصطدم بها الزائرون المحمّلون آمالاً كبرى.
يُمنح زائر رواندا تأشيرة دخول تراوح ما بين شهر إلى ثلاثة أشهر، بشرط أن يؤكد أنه مقبل على زيارة البلاد للاستثمار إلى جوار السياحة، وأن يكون معه مبلغ متوسط على الأقل، أو أن يكون قد حجز في فندق في المدينة التي دخل منها.
وغالبية الداخلين إلى الدولة يفضلون مطار العاصمة، مع سهولة الدخول وتسجيل شركة تجارية في وقت قياسي، مقارنة بمدن عربية، أو عالمثالثية، كثيرة. وتتمتع البلاد بجوٍّ يغلب الاعتدال عليه طوال العام، على الرغم من قربها من خط الاستواء، والبنية التحتية تبدو جيدة، حتى إنها تتحمل تساقط الأمطار التي تتحول إلى سيول، فلا تغرق الشوارع كما يحدث في عواصم عربية، ولا يتوقف المرور أو يغرق أحد من البشر. على الرغم من هذا، لا يُفاجأ زائر العاصمة ومدن رواندا الرئيسية بمقدار الفقر، بل شظف العيش الذي يعاني منه أغلب السكان، فيما يحتفظ نحو الخمس بالمستوى الاجتماعي الأكثر من راقٍ.
ومع التعمق في زيارة القرى، تزداد الصورة قتامة، خصوصاً مع الفقر الشديد وعدم وجود المرافق الرئيسية من كهرباء ومياه. وفي جميع مناطق الدولة العمالة متوافرة، وهي تعاني - في الوقت نفسه - من البطالة الشديدة، وهي أقرب إلى انعدام الخبرة المهنية تقريباً، فلا تملك 
إلا القدرة على البيع أو حمل الأثقال عن المشترين. حتى إن نساءً كثيرات يقفن في الأسواق ليبعن سلعاً زراعية، وهنّ يحملن أبناءهن الصغار على ظهورهم بقطعة قماش محكمة، بالإضافة إلى عمل بعضهن المتزايد في مجالاتٍ بالغة الإرهاق، مثل أعمال البناء والمعمار.
يودي هذا الفقر المدقع بآمال كثيرين من المتطلعين إلى فرصة عمل في البلاد، والواقعين تحت تأثير وسائل التواصل والإعلام، وحتى الراغبين في افتتاح مشروعاتٍ تجاريةٍ تأخذ بمجامعهم مفاجأة فقر أهل البلاد، وبالتالي عدم أهليتهم أو قدرتهم على شراء سلع أقرب إلى الأساسية منها للرفاهية أو ما شابه. فكثيرون من شباب رواندا العاملين، متوسط دخلهم بين دولار ودولارين يومياً، ويصل الأمر إلى نحو ستة دولارات يومياً لأطباء ومهندسين. أما البنية التحتية للدولة في مجالات عصرية، كالاتصالات، فهي طموحة، لكنها لا تناسب التوسع المأمول منها، ومع تيسير الحكومة إنشاء شركاتٍ للاستثمار وتوظيف العمالة المحلية المتوافرة، فإنها لا تقدّم ضمانات للحفاظ على رأس المال المستخدم.
إننا أمام دولة ناشئة بمعنى الكلمة، فيها طبيعة ساحرة من تلال ووديان خضراء، حتى إن اسم رواندا يعني مدينة الألف تل. ومع وجود آلاف الفدادين من أراضٍ زراعية بالغة الخصوبة لا تحتاج إلى سماد أو كيماويات لتثمر، خصوصاً مع الأمطار شبه المتواصلة على مدار العام، إلا أن مناخ الحرية والعدالة والأمن للترحيب بالمستثمرين لا يكاد يكون كافياً أو واعداً في ظل 
وجود قرابة 12 مليون من أهالي رواندا لا يكاد معظمهم يجد أساسيات الحياة. ومع ازدياد قدرة الإعلام ووسائل التواصل على اجتذاب المئات، تشهد رواندا يومياً زائرين متطلعين إلى حياة مستقرة، فيما لا يكاد الواقع يقارب آمالهم، بل نظرتهم.
ويبقى السؤال: لماذا لا ينظر حكام عرب، خصوصاً من الطغاة، إلى واقع بلد يحاول الازدهار، على الرغم من فقر كثيرين من أهله، مثل رواندا؟ ولماذا لا يفهم حاكم، ولو كان متغلباً، مثل عبد الفتاح السيسي، أن روح العدل وروح الأمان تكفيان لمحاولة تجاوز الواقع والماضي المرير؟ ولماذا لا يستوعب أن بلداً عربياً كبيراً مكانةً ومكاناً، مثل مصر، كان أولى به أن يكون نقطة جذبٍ لمستثمرين أو حالمين بالعيش الآمن من عربٍ وخلافهم، بدلاً من تردّد مصريين كثيرين من أهل المهجر على رواندا، حالمين بفرصة استقرار ترحمهم من تغير المناخات السياسة وانعدام فرص العمل؟
وعند عودة هؤلاء المصريين إلى المهجر مجدداً، مارّين ببلدهم، تؤكد نفوسهم أن تجاوز الأزمة المصرية الحالية غير بعيد على الأقدار، لكن مع غياب الظالم الأكبر إلى الأبد.