روائح النفايات والبعوض والذباب تملأ سماء بيروت

12 ابريل 2016
الصورة
النفايات المتكدسة غير قابلة للمعالجة (فرانس برس)
+ الخط -
كافحت أم أحمد طوال أيام لطرد البعوض والبرغش من غرفة أطفالها في منطقة الجاموس بضاحية بيروت الجنوبية، ثم كافحت طوال أيام لاحقة لمنع طفليها من حك موقع لسعات البعوض التي طاولت أجسادهم الصغيرة.

"إنها لعنة النفايات التي حملها البعوض إلى داخل منازلنا"، تقول الزوجة الشابة خلال دهن كتف ابنها الأصغر طه، بالمرهم الذي تراجع مفعوله أمام حجم اللسعات.

استخدمت الأم أدوات التنظيف والمبيدات الحشرية دون أن تفلح في طرد أمواج الحشرات، والتي طارت إلى المنزل من كل الشرفات والنوافذ.

وبعد فشل الحلول "الحديثة" لجأت الأم إلى خدعة تقليدية، لقنتها إياها جارتها لمكافحة البعوض المُحمل بالبكتيريا، والتي أنتجتها النفايات المتكدسة منذ يوليو/ تموز من العام الماضي. إذ ملأت أم أحمد أكياساً بلاستيكية شفافة بالماء وعلقتها على الشرفات والنوافذ، أخبرتها جارتها أن هذه الأكياس ستطرد الحشرات الطائرة، لكن الموجة لم تنكفئ إلا بعد تساقط المطر.

كان لموجة البعوض أن تمر مرور الكرام في لبنان، لولا تزامنها مع انتشار رائحة النفايات المتخمرة، والتي وحدت ضواحي بيروت الشمالية والجنوبية وأثقلت شوارع العاصمة برائحة مُقززة.

ونتجت الرائحة من نقل مئات الشاحنات المستأجرة والتابعة لشركة "سوكلين" الخاصة والمُكلفة بإدارة النفايات الصلبة في محافظتي بيروت وجبل لبنان، نحو نصف مليون طن من النفايات من مواقع تكديسها خلال أشهر الأزمة، إلى مطمر الناعمة الصحي جنوبي بيروت.

وهي عملية أعلنت الحكومة أنها ستستغرق شهرين كاملين من العمل المتواصل، انقضى نصفها تقريباً.



وتشير مصادر شركة "سوكلين" لـ"العربي الجديد" إلى رفع نحو 275 ألف طن من النفايات ونقلها إلى مطمر الناعمة، مع استمرار العملية بوتيرتها الحالية، التزاماً بمهلة الشهرين التي أعلنتها الحكومة.

لكن المشهد العام للطرقات التي تصل بيروت بالناعمة يوحي بأن الحكومة لم تتخذ الإجراءات اللازمة لضمان تنظيم عملية نقل النفايات، وهي الفكرة التي كونها آلاف المواطنين الذين يسكلون هذه الطرقات يومياً.

و​يشير محمد، الموظف الذي يعمل في بيروت، ويقيم في منطقة شويفات، والتي تتوسط الطريق بين الناعمة وبيروت إلى بقايا النفايات التي وقعت من الشاحنات واستقرت على الطريق السريع، ويتحدث عن الرائحة القوية للنفايات التي باتت ترافقه من بيروت إلى شويفات دون توقف: "اعتدنا لسنوات على الرائحة الكريهة التي تصدر من مسلخ بيروت وتغطي جزءاً من المسافة بين بيروت وشويفات، لكننا اليوم نحاول حبس الأنفاس طوال الطريق".

كما يتذمر المواطنون من ازدياد زحمة السير بشكل كبير، نتيجة تنقل عشرات الشاحنات بين بيروت ومطمر الناعمة حتى خلال ساعات الذورة المسائية، والتي تمتد بين الخامسة والثامنة من مساء كل يوم، وأن سائقي الشاحنات لا يُحكمون ربط الأغطية على حمولاتهم من النفايات التي تقع على جوانب الطرقات.

ودفع هذا العشرات من أبناء بلدة الناعمة للاعتصام والمطالبة بمنع مرور الشاحنات المحملة بالنفايات داخل شوارع البلدة، وتوجهها إلى موقع المطمر من الطريق العام حصراً.

ويؤكد المهندس البيئي اللبناني، زياد أبي شاكر، لـ"العربي الجديد"، أن أزمة البكتيريا التي تنتجها النفايات "ليست محصورة بالمدة الزمنية التي تستغرقها عملية نقل النفايات من مواقع التكديس العشوائي إلى مطمر الناعمة فقط، بل تطاول كافة المناطق التي توجد فيها النفايات من أماكن التكديس وصولاً إلى المطمر مروراً بالطرقات والمناطق السكنية المحيطة بكل هذه المناطق".

"يمكن مقارنة عمل الشاحنات التي تنقل النفايات بالنحل الذي يقوم بتلقيح الأزهار ونقل الرحيق من زهرة لأخرى، أما شاحنات النفايات فتنقل البكتيريا التي تحملها النفايات من منطقة لأخرى"، يقول أبي شاكر.

وذلك مع تأكيد مصادر "سوكلين" ذاتها أن "النفايات المتكدسة غير قابلة للمعالجة، أو الفرز لفصل النفايات العضوية ومعالجتها، "كما لم يتم رش مئات آلاف الأطنان من النفايات بأي نوع من المعقمات قبل نقلها بسبب استحالة ذلك".

وفي ظل اقتصار التنبيهات الرسمية على تغريدة "يتيمة"، دعا فيها وزير البيئة محمد المشنوق، إلى "تجنب ابتلاع البعوض أو تنشقه"، نشر أبي شاكر وصفة سهلة يمكن للمواطنين تركيبها في المنزل من خلال "خلط مقدارين متساويين من سائل تنظيف الفم بالماء ورشها في المنزل للوقاية من البكتيريا".

وقد لاقت الخلطة تفاعلاً كبيراً من المواطنين بعكس تغريدة الوزير، والتي تحولت إلى نكتة تداولها الناشطون فحظر الوزير العشرات منهم عن متابعة حسابه على موقع "تويتر".

وبانتظار انتهاء نقل النفايات المتكدسة، يشير أبي شاكر إلى الأزمة الصحية الأكبر التي تنتظر منطقتي الكوستا برافا، وبرج حمود، جنوبي وشمالي بيروت، وهما المنطقتان اللتان أقرت الحكومة إنشاء مطمرين جديدين فيهما، بعد وقف العمل بمطمر الناعمة عند انتهاء عملية نقل النفايات المتكدسة وطمرها فيه.

المساهمون