رهانات حفتر.. القذافي الجديد

11 ابريل 2019
الصورة
+ الخط -
ماذا يريد الجنرال خليفة حفتر؟ إلى أين يريد أن يصل، ومن يدعمه؟ وما هي اللعبة التي يحاول أن يلعبها، وهل هو مقتنع فعلا بأنه قادر على السيطرة على طرابلس، وبسط سلطته على مجمل الأراضي الليبية؟ كلها أسئلة وتساؤلات تقفز إلى الواجهة مع هذا التطور المفاجئ عشية استعدادات المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة، غسان سلامة، لعقد مؤتمر وطني، يضع حدا للاقتتال والتسيب المليشياوي، ويرسي مداميك وفاق وطني، وقيام سلطة جديدة في ليبيا بعد ثماني سنوات على اندلاع الثورة في 17 فبراير/ شباط 2011 التي أطاحت حكم معمر القذافي.
عسكريا، ليس النصر على الأبواب، كما يحاول حفتر أن يوهم الأخصام والحلفاء على حد سواء، على الرغم من أنه تمكّن من تحويل تشكيلاته العسكرية إلى جيش منظم ومتماسك. أخصامه كثر ومليشيات العاصمة لن تستسلم بسهولة، وخصوصا قوات مصراتة، والمواجهة إذا حصلت ستكون عنيفة ومكلفة جدا بخسائرها البشرية وبمضاعفاتها السياسية.
انطلقت المفاوضات المضنية بتشجيع الأمم المتحدة ودعمها في 2016 بين جنرال بنغازي ورئيس حكومة الوفاق في طرابلس المعترف بها دوليا، فايز السراج، ولكن هذه الحكومة لا تملك الوسائل الكافية لفرض سيطرتها على الأرض. لم تحرز المفاوضات تقدما فعليا، على الرغم من الجهود التي بذلها المبعوث الأول للأمم المتحدة اللبناني، طارق متري، الذي نجح في وضع أسس إطلاق الحوار بين مختلف الأطراف، ولكنه اضطر إلى مغادرة مهمته، محمّلا النخب الليبية قسطا كبيرا من المسؤولية عن انتكاس الوضع إلى مزيد من التفكك والفوضى. وها هو المبعوث الأممي الحالي، غسان سلامة، يصر ويجهد منذ أشهر في عقد المؤتمر 
الوطني في غدامس، قبل أن يزور الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريس، طرابلس في الأسبوع الماضي، ويؤكد على الحل السياسي للأزمة، ويعلن عن اتفاق بين الطرفين على ضمان الأمن وإعادة تنظيم القوات المسلحة، يقوم على تعيين حفتر قائدا أوحد للجيش الوطني الليبي. ولكن القرار يبقى يخضع للسلطة السياسية، وكان مفترضا أن يصادق مؤتمر غدامس على هذه التسوية، غير أن هذا الحل الذي يُخضع في النهاية الجنرال لسلطة السراج في طرابلس، لم يلق تجاوبا في بنغازي. وفي نهاية مارس/ آذار الماضي، زار حفتر السعودية، بعد أن كان قد حصل على دعم مصر والإمارات، وكذلك فرنسا وروسيا، قبل أن يبدأ زحفه العسكري الذي أراده عرضا للقوة باتجاه العاصمة، للقول للأمم المتحدة والمجتمع الدولي إنه يعود إليه وحده القرار العسكري والسياسي، وبخلاف هذا، لن يعقد مؤتمر غدامس.
أحرج هذا الاستعراض للقوة عواصم أوروبية معنية، وفي مقدمها باريس التي سارعت إلى أخذ مسافة من الجنرال المغامر والمتعطش للسلطة، وكذلك فعلت روسيا الغارقة في الأزمة السورية والمتورطة في أزمة الحكم في فنزويلا، والولايات المتحدة التي أنذرت حفتر بوقف هجومه على الفور. حتى مصر التي كانت قد أبدت استعدادها للمغامرة في تأمين غطاء جوي له، تنصلت، في اللحظة الأخيرة، معلنة عدم مواقفتها على ما يقوم به حفتر. وتاريخ الرجل لا يشفع له، ويدفع معارضيه ومؤيديه على السواء إلى عدم الثقة به، وبجموحه نحو السلطة، ونتيجة ارتباطاته الخارجية السابقة التي تحيط بها أكثر من علامة استفهام، بدءا من علاقته المزدوجة بالديكتاتور السابق معمر القذافي ودوره في الحرب على تشاد، ناهيك عن صلته الوثيقة بالمخابرات المركزية الأميركية. كما ذهب بعضهم إلى أبعد من ذلك في شكوكه، فنسب إليه تبادلا للمنافع مع إسرائيل! في المقابل، يحظى السراج المعترف به من الأمم المتحدة بدعم إيطاليا المعنية بشكل مباشر بالوضع الليبي، كونها كانت المستعمر في ما مضى، ولمضاعفاته على الأمن والاستقرار على حدودها ومياهها الإقليمية، وما يمكن أن تسببه الأزمة من موجة نزوح وتدفق مهاجرين إلى أراضيها.
يثير قلق المراقبين خطر تحول ليبيا إلى مسرح للصراعات والحروب المباشرة أو بالوكالة بين دول إقليمية عربية - نفطية أو إسلامية، فيما يتركز هم بعض الدول الأوروبية المعنية، على تثبيت نفوذها الاقتصادي وتعزيزه، مثل التنافس بين شركة توتال الفرنسية وإيني الإيطالية، في ظل إحجام أميركا عن لعب دور مباشر، والاكتفاء بالمراقبة عن بُعد، في مقابل عدم قدرة روسيا اليوم على الانخراط المباشر في الأزمة، وهو أمرٌ كانت تتمناه، بهدف أن تعيد الاعتبار لما اعتبرته، في حينه، خدعة حاكتها الدول الأوروبية ضدها (فرنسا وإنكلترا وأميركا) لإخراجها من ليبيا، آخر موطئ قدم لها في المنطقة، عندما اتخذت قرار التدخل الجوي خارج الأمم المتحدة ومجلس الأمن لدعم الثورة ضد القذافي.
وقد تنبهت إيطاليا، الدولة المعنية مباشرة بالحريق الليبي، تنبهت، أخيرا، إلى ضرورة أن تأخذ 
زمام المبادرة، من أجل استغلال موقعها، وتوظيف علاقاتها الجيدة مع الولايات المتحدة وروسيا وحتى الصين، لتنظيم موتمر دولي واسع، يستنبط حلا شاملا للأزمة، تحت راية الأمم المتحدة، وربما يكون، بحسب مصادر مقربة من الحكومة الإيطالية، عبر إرسال قوات فصل وحفظ سلام، قبل أن يصل الحريق إلى باب الدار! ويصبح عندها مادة سجال داخلية ملتهبة من المعارضة الإيطالية ضد أحزاب الائتلاف الحكومي الذي يضم تحالف حزب أقصى اليمين العنصري (الرابطة) وحزب ديماغوجي شعبوي بامتياز (حركة خمس نجوم)، وخصوصا أن انتخابات البرلمان الأوروبي على الأبواب في شهر مايو/أيار المقبل، إذ إن التحالف الحكومي كان قد ربح الانتخابات قبل سنة على أساس خطاب انعزالي تعبوي عنصري ضد الأجانب والمهاجرين الذين يتدفقون بمعظمهم من ليبيا إلى شواطئ جنوب إيطاليا، وتمنعهم الحكومة الحالية من النزول، وتتركهم على ظهر الباخرة محاصرين في عرض البحر أياما وأياما، ما أدى إلى أزمات مع أكثر من دولة أوروبية، وتحديدا حكومتي فرنسا وإسبانيا.
هل تتبخر أحلام جنرال بنغازي الطامح إلى الجلوس على كرسي القذافي، والحكم بقبضة من حديد، مستغلا تعطش الليبيين إلى السلام والأمن، وقرفهم من المليشيات، أم أن السحر ينقلب على الساحر، لأن حسابه لم يتطابق مع حسابات القوى الإقليمية والدولية ومناوراتها؟