رهانات أردنية على تعثر "صفقة القرن"

05 ابريل 2019
الصورة
القدس خط أحمر بالنسبة للشعب الأردني (ليث جنيدي/الأناضول)
+ الخط -

تشكّل خطة الإملاءات الأميركية لتصفية القضية الفلسطينية، المعروفة إعلامياً بـ"صفقة القرن"، التي رسمها مستشار الرئيس الأميركي دونالد ترامب وصهره ومستشاره جاريد كوشنر، كابوساً مخيفاً ينتظر الأردنيين، لما سيكون لها من تداعيات على المملكة، المعنية الأكبر بالملف الفلسطيني بحكم الموقع الجغرافي والتاريخي والعلاقات بين الشعبين.

وعلى الرغم من الضغوط التي تمارسها الولايات المتحدة، وحلفاء عرب مقربون من ترامب وإسرائيل على الأردن، بكافة مكوّناته، إلا أن عمّان تراهن للخروج من مستنقع هذه الصفقة، على إرث تاريخي، يقول إن القرارات المصيرية الكبرى لا يمكن تمريرها من دون توافر الرضى والقبول الشعبي، وإلا ستتحوّل إلى قنابل موقوتة، تنفجر في أي لحظة. ولكن ما هي الأدوات المتوفرة بيد الأردن للرد على أي توجّه لتطبيق الصفقة؟

يقول المحلل السياسي والخبير بالشؤون الإسرائيلية أيمن الحنيطي، إن موقف العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني قوي وواضح، مشيراً إلى ما نقلته مصادر استخبارية إسرائيلية من أن ملك الأردن رفض بشدة "صفقة القرن"، وأنه أبلغ نائب الرئيس الأميركي مايك بنس ووزير الخارجية مايك بومبيو والمستشارين كوشنر وجيسون غرينبلات أنه لن يتعاون أبداً مع هذه الخطة، الأمر الذي يكشف عن موقف الأردن الصلب في مواجهة "صفقة القرن". ويضيف "يملك الأردن أوراقاً قوية إذا تم استغلالها بالشكل الأمثل في الوقت المناسب. هذه الأوراق تمنح الأردن الوقت للتغيير وتجنب المفاجآت"، مشيراً إلى أن أبرز هذه الأوراق الضاغطة بيد الأردن "حق اللاجئين بالعودة" ومخيمات اللاجئين، بالإضافة إلى "قدرة الأردن على حفظ الأمن والاستقرار في المنطقة، فالأردن يعمل بكافة الاتجاهات لحفظ الاستقرار. إن قدرة الأردن على حفظ الأمن لا يمكن تجاهلها، وهو يشكل أداة قوية لمنع تهريب الأسلحة والمخدرات من دولة إلى أخرى".

ويعتبر أنه "إذا استعجلت ادارة ترامب وطرحت صفقة القرن من دون الأخذ بالاعتبار مصالح الأردنيين والفلسطينيين، وهم أصحاب الشأن الأول، ومن دون إشراك روسيا والرباعية الدولية السابقة، فإن الفشل سيكون مصيرها، وعندها ستواجه منطقة الشرق الأوسط خطراً كبيراً، لأن الأميركيين لا يمتلكون بديلاً". ويضيف أن "تفاصيل الصفقة لم تعلن بشكل رسمي، وكل ما هو موجود عبارة عن تسريبات، وأبرزها عن كوشنر، في الصحافة الإسرائيلية والدولية، لكن هناك مؤشرات واضحة على جوانب الصفقة بأبعادها السياسية والأمنية والاقتصادية". وحول الانتخابات الإسرائيلية و"صفقة القرن"، يقول الحنيطي إن "الانتخابات الإسرائيلية لا تحسم إلا في الأوقات الأخيرة، وفي آخر الاستطلاعات هناك تقدم لـ(رئيس الحكومة) بنيامين نتنياهو"، مشيراً إلى أن من المنتظر الإعلان عن "صفقة القرن" بعد نتائج الانتخابات الإسرائيلية، ومن الممكن أن تكون عناصر الصفقة أساساً يتشكل عليه الائتلاف الحاكم المقبل في إسرائيل.


من جهته، يقول القيادي البارز في الحركة الإسلامية المعارضة، زكي بني إرشيد، لـ"العربي الجديد"، إنه حتى هذه اللحظة يتميز الموقف الرسمي الذي أعلنه العاهل الأردني الملك عبدالله الثاني باقترابه من الموقف الشعبي، والمتقدّم على مواقف معظم الأنظمة العربية الأخرى، والمتمثل بأن الأردن قادر على مواجهة الضغوط الخارجية، وعدم الاستجابة للمطالب الإسرائيلية المتعلقة بالقدس، واستحقاقات ما يُسمى بـ"صفقة القرن"، ويتعلق بالفصل الأخير من محاولات تصفية القضية الفلسطينية، والملفات ذات العلاقة، وهي القدس المحتلة والدولة الفلسطينية، واللاجئين، والحدود، وتأثير نتائج هذا المشروع على الدولة الأردنية ومستقبلها. ويضيف أن "القدس خط أحمر، والشعب الأردني مع القيادة، ومجلس النواب الأردني طالب بإلغاء اتفاقية الغاز المستورد من إسرائيل، ومصطلح العدو الصهيوني عاد للتداول في وسائل الإعلام الأردني والفعاليات الشعبية الداعمة للموقف الرسمي". ويتابع "في نفس الاتجاه، فإن ما جرى في المستشفى الميداني الأردني في غزة، من زيارة رئيس المكتب السياسي لحركة حماس إسماعيل هنية، وتبادل الهدايا والكلمات، جاء في وقته المناسب. وتحمل الزيارة دلالة واضحة ورسائل متنوعة، تعزز القناعة بأن ثمة جديدا في الموقف الأردني لا بد أن يُقرأ بعناية واهتمام، ليس مع من في غزة فقط وإنما في ما هو أبعد من ذلك". ويتساءل بني إرشيد "هل يكفي هذا الأداء لتعزيز الموقف وتطويره ليكون قادراً على مقابلة التحديات، لا سيما أن الموقف الأردني جاء متزامناً مع الانتخابات الإسرائيلية المبكرة ومغايراً لبرنامج اليمين الأميركي المتصهين ولتوجّهات الرئيس الأميركي دونالد ترامب الذي نقل السفارة إلى القدس واعترف بضم الجولان إلى الكيان الصهيوني المتطرف؟"، لافتاً إلى أن "هذه المقاربة الأردنية تقابلها حملة تحريض إعلامية مضادة ومكثفة من قبل الإعلام الإسرائيلي، ما يعني أن هذا الخطاب الجديد سيرتب على الأردن إعداداً خاصاً، يصل إلى ضرورة إعادة تأهيل الدولة الأردنية، لمواجهة ما ينتظرها من مخاطر، وأزمات داخلية وتهديدات خارجية".

ويقول "بعد مائة عام على نشوء الدولة الأردنية، وفي مرحلة الفك والتركيب وإعادة تشكيل المنطقة والإقليم، وبعد أن تضع الانتخابات الإسرائيلية أوزارها، خصوصاً إذا فاز نتنياهو وأعاد تشكيل حكومة اليمين المتطرف، فإن البريد الجيوسياسي سيكون حافلاً بالرسائل والأثقال، ما يعني ضرورة الاستعداد لمواجهة تلك المرحلة باحتراف واقتدار، بعد أن أصبح الواجب الوطني يفرض القول إن الممر الوحيد للصمود والبقاء في مقابلة خطر المشروع الصهيوني، يكمن في توظيف كل أوراق القوة التي يملكها صناع القرار في الدولة الأردنية". ويتساءل بني إرشيد "ماذا يملك الآخرون، وما الذي يملكه الأردن؟"، مضيفاً "الأصل أن نفترض حصول أسوأ ما لدى الأعداء والخصوم، وعدم التفصيل في ذلك مقصود، ولا يستهان به. أما نحن فنملك الكثير، ابتداءً من امتلاك الإرادة وبناء الإجماع الوطني على الجوامع المشتركة، والمباشرة بإصلاح سياسي جاد من شأنه أن يجعل الشعب وممثليه الحقيقيين وقواه السياسية شريكاً في صنع القرار وتحمل المسؤولية". ويضيف "بالتوازي أيضاً فإن إعادة التموضع الأردني في علاقاته الخارجية وتحالفاته الدولية، تمنح الأردن القدرة على العبور من خلال الثقوب المتزايدة في منظومة العلاقات الإقليمية والدولية، فضلاً عما تحققه هندسة إعادة بناء تلك العلاقات من مصالح اقتصادية وسياسية معتبرة للدولة والشعب".

ويوضح بني إرشيد أن "مستويات المواجهة والإعداد تستوجب التذكير بأن الأوراق التي يمتلكها الأردن لا تتوافر لأي دولة أخرى، ومنها تعزيز دور القوات المسلحة الأردنية، وهي موضع احترام وعنوان الإجماع الوطني، وإعادة الاعتبار للعقيدة القتالية، والثقافة الوطنية، وإعادة التسليح والتوزيع، لحماية الأردن من خطر العدو الصهيوني، الذي نجح في اختراق بعض الجدران الرسمية وبناء تحالفات مضللة لحرف البوصلة نحو نظرية العدو البديل"، مضيفاً "نحن قادرون على التمييز والتفريق بين العدو والصديق، والمنافس والخصم. ومن أجل تقديم مصداقية للخطاب وموثوقية للموقف، ينبغي محاصرة النفوذ الإسرائيلي، والتضييق على منافذه ومسارات حركته، وعدم السماح أو التساهل فيما يُعرف بالتطبيع أو التخابر مع العدو". ويؤكد أن "الجعبة الأردنية فيها الكثير، ومن أهم ذلك رد الاعتبار لقوى المقاومة الفلسطينية. وإذا كانت الظروف الراهنة لا تسمح بإجراءات دبلوماسية إزاء السفارة الإسرائيلية، فعلى الأقل يجب إعادة فتح مكاتب لحركات المقاومة الفلسطينية، التي تشكل رأس الحربة في مواجهة الغطرسة الصهيونية ولجم الغرور الذي طاول القدس والمقدسات وتجاوز فلسطين مروراً بضم الجولان".

المساهمون