رمضان مختلف .. عيد مختلف

28 مايو 2020
الصورة
كل عام وأنتم بخير. يجدر بي أن أعترف، وسط كل أجواء التبرّم من البقاء في البيت طوال أيام شهر رمضان المبارك وأيام العيد، أن الشهر المنصرم كان أحد أجمل شهور رمضان في حياتي. هدوء وسكينة ووقت كاف لكل شيء أحبه بلا مبالغات، ولا بهرجة ولا مجاملات مرهقة، وعيده أيضا كان أحد أجمل أعيادي وللأسباب نفسها. 
قبل شهور قليلة، وعندما بدأت بوادر أزمة كورونا تقترب من يومياتنا، وتغيرها بشكل غير مسبوق، كنا ننتظر شهر رمضان باعتباره الحد الأقصى للاحتمال. لا أحد طبيا ولا رسميا قال ذلك، لكننا أقنعنا أنفسنا بالموعد المضروب مع الفيروس، وربطناه نفسيا ببدايات الشهر الفضيل، فلا يمكن أن تبقى مساجدنا مغلقة من دون التراويح أو صلوات القيام مثلا، حتى بعد أن غابت صلوات الجمع وغيرها، فلرمضان هيمنة في الوجدان، جعلتنا نصدّق أمنياتنا ونركن إليها نفسيا بانتظار الفرج.
لكن الواقع بدّد الأمنيات، فجاء رمضان، ومر علينا كما سبقه من أيام متعايشة مع الفيروس واحتياطاته المشدّدة، إذ بقينا في البيوت لا نخرج منها إلا لحاجات اضطرارية، وبلا تراويح أو قيام في المساجد. كانت الأيام الأولى منه ثقيلة بالنسبة لي، لكنني سرعان ما وجدتُني في تجربة جميلة؛ تفرّغ كامل لما أحب من كل شيء تقريبا، واسترسالٌ في عباداتي كما أشتهيها في هذا الشهر بلا حساب للوقت، ولا مرور للساعات، ولا حسابات أخرى تتعلق بالآخرين ومواعيدهم ومظهري العام بينهم مثلا. صيام كامل وصلاة مستغرقة وقرآن شعرت كأنني أقرأ كثيرا من آياته أول مرة.
الأجمل أنني، وكثيرين غيري، تخلصت من عبء المجاملات التي لا معنى حقيقيا لها، وكانت تلتهم الأوقات الرمضانية كلها في المساء، فلا زيارات هذا العام في مساءات رمضان، ولا تجمعات عائلية، ولا ولائم كالتي نسميها في الكويت الغبقات، ولا حفلات "قرقيعان" مبالغا فيها كالتي سادت في السنوات الأخيرة، وحولت الفرحة الطفولية الرمضانية من مناسبةٍ بسيطةٍ للصغار إلى فعالية مرهقة ماديا واجتماعيا لمعظم الأسر. لا موائد استعراضية يومية ضخمة، ولا مشتريات تفيض عن الحاجة والثلاجة، فينتهي معظمها في سلال القمامة من سوء التدبير والمبالغة في التبذير، ولا جولات تسوّق لا تنتهي استعدادا للعيد. وبالتالي، لا حيرة في انتقاء ملابس العيد ومتطلباتنا الكثيرة جدا فيها، والتي اكتشفنا الآن أنها غير مهمة، ولا نحتاجها فعلا.
اقتصاد في الماديات والاستهلاك وفيوض من المشاعر والأحاسيس. أصبح لعبارة "كل عام وأنت بخير وصحة وسلامة" معنى جديد حقيقي، نؤكد فيه على كلمات خير وصحة وسلامة بما تعنيه حقا.. فهي الفرح الحقيقي الذي ينبغي أن نحتفي به في نهاية الشهر الفضيل، ليكون العيد.
هكذا مضى إذن الشهر المنصرم، المختلف جدا في ما عشناه من رمضانات سابقة؛ شهر صيام خفيف لطيف، وأيام عيد جميلة وهادئة، مع فرح بشيء ما لا نستطيع تحديده. لعله النجاة حتى الآن من الوباء، ولعله الاستعداد لكل مفاجآته المقبلة، مهما بدت صعبة، أو غير محتملة في الظروف العادية، فاحتمالات القسوة والوجع يمكن تقبلها بشكل أفضل وأسهل، إن جاءت بشكل جماعي نتشاركها مع الآخرين. وربما كان هذا بالضبط السبب الذي يجعلنا نقبل احتمالات انتشار فيروس كورونا، بما فيها احتمال الموت لنا أو لمن نحب، فالحياة كلها مجرد تجربة مستمرة.. والتجارب لا نتائج مضمونة لها، لكننا نستمر فيها على سبيل الأمل.