ركن المصمّم: مع حسان يوسف

25 فبراير 2019
الصورة
(حسان يوسف)

تقف هذه الزاوية، مع مصمّم غرافيك في أسئلة سريعة حول خصوصيات صنعته ومساهماته في الثقافة البصرية العامّة للإنسان العربي. "لم تعد الهوية التصميمية العربية تعكس ثقافتنا وهوية مجتمعاتنا إلّا قليلاً. لكنّي متفائل بصحوة فنية"، يقول المصمّم اللبناني.


■ كيف بدأت حكايتك مع التصميم الغرافيكي، أو كيف أصبحت مصمِّماً؟
الأقلام، الحبر، الورق والأخشاب... أشياءُ تعلّقتُ بها منذ صغري. أحببت الرسم والحرف والتصوير الفوتوغرافي، ووجدت أن هذه المهارات تقودني إلى أن أُصبح مصمِّم غرافيك. كنتُ أرى كلَّ شيءٍ عبارةً عن خطوط وألوان تُشكّل كلَّ شيءٍ من حولنا. أردت أن أُصبح مهندس ديكور، لكنني اتّجهت إلى التصميم الطباعي. شعرتُ بأنني سأكون في عالم أوسع؛ فكل ما نراه حولنا وراءه مصمِّم.


■ هل تعتقد أن هناك لغة أو هوية تصميمية عربية خاصة، تعكس ثقافات وهوية المجتمعات العربية اليوم؟
بالنسبة إلى المجتمعات العربية، فإن الحرف العربي والزخارف هما أكثر ما يمكن أن يُميّز هويتنا في الشكل والمضمون. قديماً، كانت مهنة الخطّاط قيّمة جدّاً، كان الخطّاط أساسياً في المطابع وفي كل جريدة ومجلّة وشركة إعلانات. كنا نعتمده كمصمّمين في جميع أعمالنا، وكانت كافّة التصاميم المستخدَمة مستوحاةً من التراث والرسوم... من شخصيات لبنانية تُصوّر العامل والفلّاح والأستاذ والعائلة. أمّا اليوم، بعد أن دخلنا العالم الرقمي وبات الجميع يتكلّم لغات مختلفة، أصبح الخطّاطون يُعَدّون على الأصابع، ومنهم من دخل عالم التكنولوجيا، ولم تعد الهوية التصميمية العربية تعكس ثقافتنا وهوية مجتمعاتنا إلّا قليلاً. لكنّي متفائل بصحوة فنية.


■ هل يمكن تشبيه التصميم بالعمارة، بمعنى أننا نسكن اليوم في فضاء يصنعه المصمّمون؟
الفراغ هو نقطة البداية لكل مصمّم. لا يمكننا أن نتحرّك إذا لم يكن هناك فراغ يحيط بنا، فهنا تكمن مهارة المصمّم: أن يخلق لك فضاءً جميلاً تسكنه؛ فمصمّمو الغرافيك والأزياء والعمارة، جميعهم يصنعون من الفراغ فضاءً يسكنه جسدك وفكرك ونظرك وحتى أحاسيسك.


■ كيف تنظر إلى التصميم الغرافيكي، وهل تعتبره فنّاً أم صنعة، ولماذا؟
التصميم الغرافيكي هو فنّ في جزءٍ منه. إنه الجانب الجمالي والنفسي لبيع منتَج أو إيصال فكرة، والفن هو جزء من التطوُّر العام للبشرية في إطار الحياة الاجتماعية والحضارة الإنسانية، والمصمِّم هو ذاك الشخص الذي يحسن اختيار وتوزيع الأشكال والخطوط والصور على مساحته البيضاء، مستغلّاً الفراغ بشكل جيّد ببساطة وتناغم. التصميم الغرافيكي صنعة أيضاً، فتنفيذ التصميم يجب أن يتمّ بحرفية وإبداع لتصل الرسالة بوضوح.


■ما هي أبرز التحدّيات التي تواجه عملك كمصمّم؟
هناك تحدّيات عدّة؛ أبرزها عدم إلمام العميل بأهمية المصمّم ورأيه وفكره، حيث يتدخّل بعضهم في التصميم ويفرض رأيه على المصمّم، على عكس البعض الآخر ممّن يترك لك زمام الأمور. ثمّة تحدٍّ آخر يتمثّل في توعية الجيل الجديد من المصمّمين بأهمية التصميم كعمل هادف وإعلامي، وإجادة جمع الكلمة والصورة واللون في مساحة واحدة وضمن نقطة ارتكاز تجذب نظر المشاهد، فالتصميم الغرافيكي وسيلةٌ بصرية تخاطب العقل البشري وتقنعه بفكرة ما عن طريق العين. كي لا نصبح أمام فوضى بصرية من تصميمات لا يتبنّاها الفن إطلاقاً.
وأيضاً، يواجهنا تحدٍّ آخر في المطابع؛ حيث يتعامل بعضها مع التصميم كعمل تجاري يجب عليها إنجازه في الوقت المحدّد دون الالتفات إلى معايير المراحل الفنية التي يمر بها، والصورة النهائية التي يخرج عليها للعميل.


■ المسؤولية الاجتماعية للمصمِّم، كيف تراها؟
كمصمّم، أشعر بمسؤوليتي الاجتماعية نحو البيئة التي أعيش فيها، بأن تخدم الأفكار التصميمية التي أُنتجُها المجتمعَ في سُبل عدّة: الثقافية والبيئية الترشيدية والتربوية. لذلك، يجب أن يجذب التصميمُ انتباه الجمهور. إذا لم يحدث ذلك، فلن تكون الرسالة متّصلةً ولن تؤدّي إلى تحقيق هدفها في التواصل. يجب أن يبرز كلٌّ من المفهوم والشكل، بأن يجعل تصميمُك المجتمعَ يريد المنتج أو الخدمة أو المعلومات.


■ كيف تُعلّق على غياب ظاهرة المصمِّم الملتزم بقضايا مجتمعه واكتساح ظاهرة المصمِّم التجاري أو ذلك الساعي إلى العمل لصالح الشركات والمؤسّسات الفنية الكبرى؟
أن يجنح المصمِّم نحو التصميم التجاري، فهناك عدّة أسباب لذلك؛ منها التدهور الاقتصادي الذي نعيشه، فالتصميم الملتزم يتطلّب تضحية، فمن أجل خلق فكرة هادفة ستحتاج لقضاءِ وقت أطول في البحث والمطالعة والتأمُّل. وبعض المصمّمين لا يملكون ذلك الوقت، فهُم في صراعٍ مع الوضع المعيشي، لذلك يتّجهون إلى التصميم التجاري من أجل الكسب المادي، أو وظيفة ثابتة في شركة أو مؤسّسة فنية، لضمان التأمين الصحي وراتب في آخر كل شهر. لكن بعضهم يُؤْثرون جودة التصميم أوّلاً، وآخرون لا يكترثون سوى لكثرة الإنتاج.


■ ماذا أبقت برامج التصميم الإلكترونية للعمل اليدوي، مقارنةً بالسبعينيات والثمانينيات مثلاً؟
قديماً، كنّا على احتكاك مباشر مع الورق والحبر. كان هناك رابطٌ روحي بينك وبين التصميم، فأقلام "الروترينغ" وورق المليمتر (ورق من نوع الكوشيه مطبوع عليه شبكة خطوط باللون الأزرق بتباعد 1 مليمتر يُستخدَم للرسم والتصميم) والشفرة و"الرابر"، كانت من أهمّ الأدوات التي تلازمنا في حقيبتنا. اليوم، أصبح هناك الشاشة التي تشكّل حاجزاً بينك وبين تصميمك، حتى ولو استلمت منه نسخة بعد الطبع، فثمّة شيء مفقود. لا أُنكر ما تميّزت به برامج التصميم من سرعة وإتاحة المجال لتنفيذ أفكار كان من الصعب تنفيذها يدوياً. بنظري، برامج التصميم الإلكترونية أحدثت ثورة تقدُّمية في عالم التصميم. لكنني ما زلت أبدأ بالتصميم الأوّلي على الورق، وبعد إرساء الفكرة أنتقل للتنفيذ على الكمبيوتر.


■ كيف تُقيّم تعليم التصميم الغرافيكي في الجامعات العربية؟ نلحظ غياب معاهد خاصّة بالتصميم وحتى نقصاً في كليات التصميم، ما السبب في رأيك؟
في أوائل التسعينيات، كان يأتي إلى مكتبي طلّاب من الجامعات للتدريب العملي، فلاحظت أنه عندما يرافق الطالب تصميمَه في مراحل الإنتاج خطوةً بخطوةً، فإنه يكتشف الفرق بين التعليم الأكاديمي والعملي. الجامعات والمعاهد الخاصّة تفتقر إلى التجهيزات التي تُتيح للطالب أن يطبّق عملياً مراحل التصميم إلى النهاية.


■ ما هو آخر تصميم قمت به؟
ثمّة عدّة أعمال منها: وثائقي لـ "جمعية نبراس"، و"فيديو أنيميشن" للبرنامج التوجيهي المهني لـ"وكالة أونروا"، ونشرة بناء السلام التابعة لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، ونشرة لبلدية الغبيري، ومجموعة كتب وشعارات.


■ هل هناك تصاميم قمت بها وتندم عليها؟
لا أندم على عمل صمّمتُه، فإن لم يكن جيّداً فهو إضاءة للتطوُّر الذاتي.


■ يوصف المصمّمون بأنهم أصحاب شخصيات "صعبة" و"زئبقية" أي يصعب التعامل معها.. هل توافق على هذا وما هو تفسيرك، وما هي نصيحتك أخيراً لمن يتعامل مع مصمّم؟
حين تعمل على إيجاد فكرة غير عادية، تحتاج إلى صفاء الذهن والهدوء النفسي، وهذا أمر طبيعي لكل من يعمل في المجال الإبداعي. لذلك، يشعر الآخرون بأننا ذات شخصية صعبة، وأنصح المتعاملين مع المصمّمين بفسح المجال أمامهم ومنحهم الإمكانات لإيجاد أفكار إبداعية جديدة.


بطاقة
مصمّم غرافيك لبناني من مواليد 1966، بدأ العمل سنة 1982 بالرسم والتصميم يدوياً (الصورة). عمل مصمماً ومديراً فنياً في عدّة مجلّاتٍ وصحفٍ ودور نشر لبنانية منذ نهاية الثمانينيات مثل جريدة "الديار" و"دار سناء"، ومجلّتَي "لبنان العقاري" و"الشباب"، قبل أن يعمل في مؤسّسات في قطر التي سافر إليها في 2007. عاد إلى بلده في 2013؛ حيث صمّم شعاراتٍ وكتباً وأنجز أعمال فيديو وأفلاماً وثائقية لمؤسّسات مختلفة.

دلالات