رفض فكرة المحميات الطبيعية في العالم العربي

20 سبتمبر 2019
الصورة
في إحدى محميات لبنان (جوزيف عيد/ فرانس برس)
بما أنّ هناك ارتباطاً وثيقاً بين الطيور والمحميات الطبيعية، فقد عملت في البداية مديراً لمحميات طبيعية خارج لبنان منذ العام 1986، ثم في لبنان. وعملت خبيراً لشؤون محميات المحيط الحيوي العالمية لدى منظمة "يونسكو" في باريس، كما ساعدت في إعداد عدة ملفات لتسمية محميات في لبنان والخارج.

في بداياتي كنت أتوقع كنتيجة لازدياد الوعي البيئي بين الناس أن تزدهر المحميات خلال فترة تراوح ما بين عشر سنوات وعشرين سنة، بعد إعلانها قانوناً محميات طبيعية. اليوم، بعد مرور نحو 27 سنة على إنشاء أول محمية في لبنان وأكثر من ذلك في بعض الدول العربية، وبعد القيام بعدة أنشطة توعوية وأخرى كشفية وتربوية وسياحية بيئية في المحميات، نجد أنّ هناك نجاحاً في بعضها وفشلاً في البعض الآخر. والأولى بنا هنا أن نتحدث عن أسباب الفشل وطرق معالجته قبل أن نتحدث عن أسباب النجاح وكيفية تعميمه.

الفشل والنجاح وجهان لعملة واحدة، فمعالجة الفشل بعناصر النجاح تؤدي إلى نتيجة واحدة. في الواقع، أستطيع القول إنّه في لبنان وخارجه تتشابه معظم الأسباب التي هي إما تعود إلى سوء الإدارة أو إلى فئة من المجتمع الغارقة بالطمع وإن على حساب التنوع البيولوجي. كلاهما يمنع دخول الأموال التي هي عصب النمو إلى المحمية. وأخطر هذه الفئات هي تلك الغنية التي تدعى الفقر وتلتهم ما لها وما لغيرها، وتضرب بأسس ومبادئ المحمية عرض الحائط، وما ذلك سوى لتضارب مصالحها مع مصالح المحمية. لكنّ جهلها سرعان ما يفضح أمرها، لنجدها تعمد إلى حجج أخرى، وهكذا دواليك. يساعدها في كلّ ذلك ضعف مستوى الوعي العام. فالرأي العام لا يتحرك لردع هذه الفئة التي توهمه أنّها فقيرة وأنّ الإجراءات المتخذة لحماية التنوع البيولوجي في هذه المحميات تقطع رزقها ورزق عيالها.

في البلدان الأوروبية التي نستقي منها الخبرات، دخل التنوع البيولوجي إلى قلوب الناس وعقولهم رويداً رويداً عبر التربية المدرسية والتوعية البيئية، أما في بلادنا فقد كان دخوله مفاجئاً للناس والحكام. الناس لم يستوعبوا معناه وأهمية المحافظة عليه، بينما الحكام رموه وراء ظهورهم ظناً منهم أن لا أهمية له، بل هو زوبعة في فنجان. وكانت النتيجة تقدم مفهوم التنوع البيولوجي وتطور أساليب تقييمه وحمايته في أوروبا وجهات أخرى في العالم، بينما لم تستطع سوى قلة محدودة من البلدان العربية وبضع محميات فيها فقط، من اللحاق بالعلوم والتكنولوجيا التي يجب استخدامها في إدارة المحميات من أجل إدارة ذاتية الاكتفاء.

في الواقع، ما أن يفهم الإنسان في الوطن العربي ما وضع أمامه من معارف وقوانين ومعايير وحلول بيئية حتى توضع أمامه موجة أخرى من المعارف الأحدث. وبدلاً من إجرائه اختباراً على ما سبق طرحه، نراه يمضي وقته في دراسة وتعلم وإدراك ما يطرح عليه من جديد. لا ضير أن نضيف إلى ما ذكرناه أنّه قد لا يكون الهدف من إعلان المحمية الحفاظ على التنوع البيولوجي، بل كغطاء سياسي أو عسكري للسيطرة على منطقة ما، أو مشهد يبين أنّ اللحاق بالدول الأكثر تقدماً قد حصل، أو قد يكون إشارة إلى موضة دارجة يجب تجربتها.

شهدت شخصياً على إنشاء العشرات من المحميات التي أنشئت وبقيت حبراً على ورق، وأخرى كانت تقاريرها من نسج الخيال، بينما قلة منها تطورت وأصبحت مثالاً يحتذى به. هناك للأسف من يجهز على المستوى الوطني خططاً عشرية للمحميات مثلاً للفترة ما بين 2011 و2020 وذلك قبل انتهاء الفترة بعامين، الأمر الذي يدعو للاستغراب.




لذلك، يتوجب علينا زيادة الوعي البيئي المبني على نتائج الأبحاث العلمية وذلك من أجل تسهيل إشراك المجتمعات المحلية باتخاذ القرار، ووضع خطط إدارية علمية وتقنية مقيدة بالقوانين والمراسيم والقرارات، وإعطاء حوافز لأولئك الذين يسعون لجلب المشاريع إلى المحميات، وإشراك أصحاب المصالح بوضع السياسات المستقبلية، ووضع رؤية واضحة لكلّ محمية واللحاق بموكب التطور الغربي عن طريق تفعيل دور لجان القيادة وتزويدهم بالمعلومات، وتقييم النتائج لمعرفة نقاط القوة والضعف، وعدم السماح باتخاذ قرارات غير مدروسة بدقة، وإقامة صداقات مع من يفترض أنهم أعداء المحميات أو الذين يعتقدون أن دورهم مهمش وإقحامهم في عملية وضع الحلول. ولعلّ أهم الوصايا الابتعاد عن توظيف أناس في المحميات بناء على توصيات ذات طابع سياسي، بينما هم يجهلون أصول العمل في المحميات ومبادئها.
 
*اختصاصي في علوم الطيور البرية