رفاعة الطهطاوي.. الشاب الأزهري في باريس

10 مارس 2018
الصورة
برج إيفل سنة 1889

يمتلك كتاب "تخليص الإبريز في تلخيص باريز"، للشيخ رفاعة رافع الطهطاوي، خاصية الكتاب الذي لا يتوقف عن الادهاش، ليس لأن صاحبه أزهري سيرافق بعثة علمية كإمام إلى باريس، ولا لثقافة الرجل التقليدية، ولكن لكونه كتابا وثيقة، وقطعة من حياة لا تزال تنبض حتى الآن بالحياة، وتضج بالمشاهد، اختصرت ما يتحلى به الشاب رفاعة، المنفتح على العالم من مواهب وقدرات وصلابة، ستؤهله للمراحل المقبلة والمشاريع العلمية والمعرفية التي سيتبناها ويدافع عنها، ويكرس لها حياته، أولها، وأكبرها، مشروع الترجمة الذي تبناه، حتى الرمق الأخير من حياته، رغم تبدلات حكام مصر وأهوائهم، ودعمهم تارة له، ونفضهم أيديهم منه أحايين أخرى.

وبصرف النظر عن الريادة والظروف التاريخية التي عاشتها مصر، والطهطاوي بينها، ما بين مولده في سنة 1801، ورحيله 1873، والأحداث الجسام التي ميزت ذلك القرن الحاسم، القرن التاسع عشر، فإن سنة 1826، تعتبر حاسمة في حياة الطهطاوي، وهو شاب، 24 عاما، عندما سيتوجه برفقة بعثة علمية أرسلها محمد علي، باني نهضة مصر، إلى باريس، لتعلم العلوم. وخلال الأربع سنوات، أي إلى سنة 1831، ستجري مياه كثيرة تحت جسر رفاعة، كما جرت مياه السين في باريس.


مشاهداته في مارسيليا

تبدأ الدهشة الأولى بداية الرحلة بحرا من الإسكندرية، والوصول إلى مارسيليا، وتبدأ معها المفارقات بين المجال الأصلي، مصر، والعالم الجديد، فرنسا.

يكتب "ركبنا العربات المزينة المجملة التي تستمر عندهم آناء الليل وأطراف النهار تقرقع، وسرنا بها إلى بيت في المدينة، لكنه في حواشيها، من القصور المصنوعة خارج المدينة بحدائقه وأدواتها، فمكثنا منتظرين التوجه إلى مدينة (باريس)، ومدة مكثنا في هذا البيت كنا نخرج بعض ساعات للتسلي في البلد، وندخل بعض القهاوي.

والقهاوي عندهم ليست مجمعًا للحرافيش، بل هي مجمع لأرباب الحشمة؛ إذ هي مزينة بالأمور العظيمة النفيسة التي لا تليق إلا بالغنى التام، وأثمان ما فيها غالية جدًا، فلا يدخلها إلا أهل الثروة، وأما الفقراء فإنهم يدخلون بعض قهاوي فقيرة أو الخمارات والمحاشيش، ومع ذلك هذه المحال أيضًا مجملة تجملاً نسبيًا. وقد أسلفت أن مدينة إسكندرية (ص 40) تشبه في حالها مرسيليا.

وأذكر هنا أن الفرق بينهما اتساع السكك والطرق اتساعًا مفرطًا لمرور جملة عربات معًا في طريق واحد، والآن صارت الإسكندرية بالهمة الخديوية بنحو ذلك، ثم إن سائر القاعات والأروقة أو المنادر العظيمة يوضع في حيطانها الجوانية مرآة عظيمة كبيرة، حتى إنه ربما كانت سائر جوانب القاعة كلها من زجاج المرآة؛ ليظهر لها رونق عظيم. فأول مرة خرجنا إلى البلدة مررنا بالدكاكين العظيمة الوضع المزججة بهذه المرائي، والمشحونة بالنساء الجميلات، وكان هذا الوقت وقت الظهيرة.

وعادة نساء هذه البلاد: كشف الوجه والرأس، والنحر، وما تحته، والقفا، وما تحته، واليدين إلى قرب المنكبين. والعادة أيضًا أن البيع والشراء بالأصالة للنساء، وأما الأشغال فهي للرجال، فكان لنا بالدكاكين والقهاوي ونحوها فرجة عليها، وعلى ما يعمرها".

يتحول الفتى الأزهري المندهش إلى عين لاقطة، وكاميرا تصور كل ما تقع عليه عيناه. دون أن يغيب عن وعيه إقامة المفارقات بين مصر والبلد الجديد، بين النظام والفوضى، بين الجمال وامتهان البشر و"تنمية" البشاعة وتربيتها.

يكتب "كان أول ما وقع عليه بصرنا من التحف قهوة عظيمة، دخلناها، فرأيناها عجيبة الشكل والترتيب، والقهوجية امرأة جالسة على صفة عظيمة، وقدامها دواة وريش وقائمة، وفي قاعة بعيدة عن الناس محل لعمل القهوة، وبين محل جلوس الناس ومحل القهوة صبيان القهوة، ومحل الجلوس للناس مرصوص بالكراسي المكسوة بالمشجرات وبالطاولات المصنوعة من الخشب الكابلي الجيد، وكل طاولة مفروشة بحجر من الرخام الأسود أو المنقوشة، وفي هذه القهوة يباع سائر أنواع الشراب والفطورات، فإذا طلب الإنسان شيئًا طلبه الصبيان من القهوجية، وهي تأمر بإحضاره له، وتكتبه في دفترها، وتقطع به ورقة صغيرة فيها الثمن، وتبعثها مع الصبي للطالب، حين يريد الدفع، والعادة أن الإنسان إذا شرب القهوة أحضر له معها السكر، ليخلطه فيها ويذيبه، ويشربه، ففعلنا ذلك كعادتهم. وفنجان القهوة عندهم كبير نحو أربعة فناجين من فناجين مصر.

وبالجملة فهو قدح لا فنجان، وبهذه القهوة أوراق الوقائع اليومية لأجل المطالعة فيها، وحين دخولي بهذه القهوة ومكثي بها ظننت أنها قصبة عظيمة نافذة؛ لما أن بها كثيرًا من الناس، فإذا بدا جماعة داخلها أو خارجها ظهرت صورهم في كل جوانب الزجاج، ظهر تعددهم مشيًا وقعودًا قيامًا، فيظن أن هذه القهوة طريق، وما عرفت أنها قهوة مسدودة إلا بسبب أني رأيت عدة صورنا في المرآة، فعرفت أن هذا كله بسبب خاصية الزجاج".

في الخروج من مرسيليا إلى دخول باريس وفي المسافة بينهما، تشتغل حواس الوافد الجديد، طرق ووسائل النقل تبهره، النظافة والظرافة يستهويانه، وجمال النساء الفرنسيات يأخذ بلبه، يقول "اعلم أن عادة المسافرين من مرسيليا إلى باريس بالعربات أن يستأجروا العربة أو موضعًا فيها، فأما أن يأكلوا على كيسهم أو يدفعوا قدرًا معلومًا للعربة والقوت مدة الطريق.

ثم إن السفر يكون ليلا ونهارًا إلا وقت الأكل ونحوه، وكل البلاد التي في الطريق فيها مواضع1 معدة للطعام والشراب، مشتملة على سائر أنواع المطعومات والمشروبات في غاية النظافة والظرافة. وفيها محال للنوم مفروشة بالفرش العظيم، وبالجملة فهي مستكملة الآلات والأدوات".


جمال الفرنسيات

الجمال هنا، في المكان الجديد، متاح ومتوفر، يجرح العين، في كل الأنحاء، في الطبيعة والطرق والعمران "ثم سرنا منها ليلاً إلى (باريس)، فدخلناها صبيحة اليوم السابع من خروجنا من مرسيليا، وقد مررنا بقرى كثيرة، وأغلبها مشتمل على البيع والشراء والخفر، عظيمة الأبنية مزينة بالأشجار، وبالجملة فالقرى مسلسلة متصلة ببعضها2 غالبًا، خصوصًا (ص 44) مع جد السير، حتى إن الإنسان لا يظن إلا أنه في بلدة واحدة، والمسافرون غالبًا في ظل الأشجار المرصوصة بوجه مرتب مطرد في سائر الطرق، وندر تخلفه في بعض المحال. ثم إن الظاهر في هذه القرى والبلاد الصغيرة أن جمال النساء وصفاء أبدانهن أعظم من ذلك في مدينة (باريس)، غير أن نساء الأرياف أقل تزينًا من نساء (باريس) كما هي العادة المطردة في سائر بلاد العمران".


النقاء والوساخة

بين القاهرة وباريس بون شاسع، وبين تدبير المكان وتدبيره هنا، مسافة حضارية لا تخفى، وأول ما أثار الفتى الأزهري: الاتساع والشساعة، بدل التكدس والضيق والقبح "في المدينة عدة فسحات عظيمة تسمى المواضع، يعني الميادين، كفسحة "الرملية"23 بالقاهرة، في مجرد الاتساع، لا في الوساخة، وعدها خمسة وسبعون ميدانًا، ولهذه المدينة أبواب خارجية برانية كباب النصر بالقاهرة، وهي ثمانية وخمسون بابًا وبهذه المدينة أربع قنايات من صنف المسماة عيونًا، وثلاثة دواليب لجري المياه بالنواعير، إلا أنها عظيمة، وستة وثمانون صهريجًا، ومائة وأربع عشرة حنفية على الطرق".


في بعض طباع الباريسيين

وفي باريس، ستتوطد علاقته بالحياة اليومية، سيألف هذا النمط النظامي البديع "ومن طباعهم المهارة والخفة، فإن صاحب المقام قد نجده يجري في السكة كالصغير، ومن طباعهم أيضًا الطيش والتلون، فينتقل الإنسان منهم عن الفرح إلى الحزن وبالعكس، ومن الجد إلى الهزل وبالعكس، حتى إن الإنسان قد يرتكب في يوم واحد جملة أمور متضادة، وهذا كله في الأمور الغير المهمة، وأما في الأمور المهمة، فآراؤهم في السياسات لا تتغير، كل واحد يدوم على مذهبه ورأيه، ويؤيده مدة عمره، ومع كثرة ميلهم إلى أوطانهم يحبون الأسفار، فقد يمكثون السنين العديدة والمدة المديدة، طوافين بين المشرق والمغرب، حتى إنهم قد يلقون أنفسهم في المهالك، لمصلحة تعود على أوطانهم يحبون السفر، (...) ومن طباعهم الغالبة: وفاء الوعد، وعدم الغدر، وقلة الخيانة، ومن كلام بعض الحكماء: المواعيد شباك الكرام، يصطادون بها محامد الأخبار، وقال آخر: كفر النعمة من لؤم الطبيعة ورداء الديانة، وقال آخر: الشكر وكاء النعمة، والوفاء به صلاح العقبى، وقيل: وعد الكريم ألزم من دين الغريم، وقال بعضهم الخيانات تؤذي الأمانات.

ومن طباعهم الغالبة: الصدق، ويعتنون كثيرًا بالمروءة الإنسانية، قال بعضهم في مدحها: المروءة اسم جامع للمحاسن كلها.

ورغم أن الباريسيين على هذا المستوى من الطباع الجيدة، فإن الشيخ رفاعة لم ينفلت من تأثير مصر التي يصفها في بيت شعري له بأنها "ليست دار كفر"، وهكذا نجده برغم من تعداد كل المحاسن، لا يلبث أن يطلق حكمه القاطع، يقول "وبالجملة فهذه المدينة، كباقي مدن فرانسا وبلاد الإفرنج العظيمة، مشحونة بكثير من الفواحش والبدع والاختلالات، وإن كانت مدينة (باريس) من أحكم سائر بلاد الدنيا وديار العلوم البرانية، وأثينة الفرنساوية، وقد قابلتها فيما تقدم نوع مقابلة بأثينة — أي: مدينة حكماء اليونان — ثم رأيت بعض أهل الأدب من الفرنساوية قال ما معناه: إن الباريزيين أشبه الناس بأهل أثينة، أو هم أثينيو هذا الزمان، فإن عقولهم رومانية، وطابعهم يونانية".


لا وجه للمقارنة

وأما مصر فإنها سليمة من مكاره شرد «باريس»، كما إنها خالية أيضًا عن الأمور المحتاج إليها في وقت الحر، مثل الاستعانة على نظرية الزمن، فإن أهل «باريس» مثلا سهل عندهم رش ميدان متسع من الأرض وقت الحر، فإنهم يصنعون دنا عظيمًا ذا عجلات، ويمشون العجلة بالخيل، ولهذا الدن عدة بزابيز، مصنوعة بالهندسة تدفع الماء بقوة عظيمة، وعزم سريع، فلا تزال العجلات ماشية، والبزابيز مفتوحة حتى ترش قطعة عظيمة في نحو ربع ساعة، لا يمكن رشحها بجملة رجال في أبلغ من ساعة. ولهم غير ذلك من الحيل، فمصرنا الأولى بهذا لغلبة حرها. ثم من غرائب نهر «السين» أنه يوجد فيه مراكب عظيمة، فيها أعظم حمامات «باريس» المشيدة البناء وفي كل حمام منها أبلغ من مائة خلوة، وسيأتي ذكرها.


مستعربون

لا يقتصر افتتان رفاعة رافع الطهطاوي بالفرنسيين على المأكل والملبس والعمران والجمال المشاع والحدائق، وحسن التدبير، بل يمتد إلى حديثه عن قدرتهم على إتقان اللغات الأخرى، بما فيها العربية، كما هو حال "البارون سلوستري داداس"، الذي يعتبر أحد أهم المستعربين والكاتبين بلغة الضاد والمحققين في متونها وناقلي أمهات كتبها إلى اللغة الفرنسية.

يقول "ومع ما يتراءى إن الأعاجم لا تفهم لغة العرب إذا لم تحسن التكلم بها كالعرب، فهذا لا أصل له، ومما يدلك على ذلك أني اجتمعت في «باريس» بفاضل من فضلاء الفرنساوية شهير في بلاد الإفرنج بمعرفة اللغات المشرقية، خصوصًا اللغة العربية والفارسية يسمى «البارون سلوستري داساس» وهو من أكابر «باريس» وأحد أعضاء جملة جمعيات من علماء فرنسا وغيرها، وقد انتشرت تراجمه في «باريس» وشاع فضله في اللغة العربية، حتى إنه لخص شرحًا للمقامات الحريرية، وسماه مختار الشروح، وقد تعلم اللغة العربية على ما قيل بقوة فهمه، وذكاء عقله، وغزارة علمه، لا بواسطة معلم إلا في مبدأ أمره، ولم يحضر مثل الشيخ خالد فضلاً عن حضور المغني مع أنه يمكنه قراءة المغني، كيف وقد درس البياضوي عدة مرات، غير إنه حين يقرأ ينطق كالعجم ولا يمكنه أن يتكلم بالعربية إلا إذا كان بيده الكتاب، فإذا أراد شرح عبارة أغرب في الألفاظ التي يتعذر عليه تصحيح نطقها، ولنذكر لك خطبته في شرحه لمقامات الحريري لتعرف نفسه في التأليف، وقلم عبارته، فإنه بليغ، وإن كان به يسير من الركاكة، وسبب ذلك أنه تمكن من قواعد الألسن الإفرنجية؛ فلذلك مالت إليها عبارته في العربية".


دهشة الغريب

تشتغل العين اللاقطة لرفاعة الطهطاوي مثل آلة تصوير، ويحاول أن يفكك العالم الجديد الذي سبح فيه الآن، يقول في نص ممتع "وبالجملة فآداب سفرتهم وترتيباتها عظيمة جدًا، وابتداء المائدة عندهم (الشوربة) اختتامها الحلويات والفواكه، والغالب في الشراب عندهم النبيذ على الأكل بدل الماء. وفي الغالب، خصوصًا لأكابر الناس، أن يشرب من النبيذ قدرًا لا يحصل به سكر أصلاً؛ فإن السكر عندهم من العيوب والرذائل، وبعد تمام الطعام ربما شربوا شيئًا يسيرا من العرقي، ثم إنهم مع شربهم من هذه الخمور لا يتغزلون بها كثيرًا في أشعارهم، وليس لهم أسماء كثيرة تدل على الخمرة كما عند العرب أصلاً، فهم يتلذذون بالذات والصفات، ولا يتخيلون في ذلك معاني ولا تشبيهات ولا مبالغات، نعم عندهم كتب مخصوصة متعلقة بالسكارى، وهي هزليات في مدح الخمرة، لا تدخل في الأدبيات الصحيحة في شيء أصلاً.

ويكثر في "باريس" شرب الشاي عقب الطعام؛ لأنهم يقولون إنه هاضم للطعام، ومنهم من يشرب القهوة مع السكر، وفي عوائد أغلب الناس أن يفتتوا الخبز في القهوة المخلوطة باللبن، ويتعاطوها في الصباح — وإذا أردت بعض شيء يتعلق بالمأكل والمشرب فراجع فصل المآكل والمشارب في ترجمتنا كتاب: "قلائد المفاخر".

ثم إن الغالب أن ما يقطعه أهل هذه المدينة من المآكل والمشارب كل سنة يكون هذا تقريبه، فمن الخبز ما تزيد قيمته على خمسة وثلاثين مليونًا من الفرنكات، وتأكل من اللحوم نحو واحد وثمانين ألف ثور، وأربعمائة وثلاثين ثورًا، ومن البقر نحو ثلاثة عشرة ألف بقرة، ومن الضأن أربعمائة وسبعين ألف كبش، ومن الخنازير الوحشية والأهلية نحو مائة ألف خنزير، ومن السمن بنحو عشرة ملايين من الفرنكات، ومن البيض بنحو خمسة آلاف فرنك.

ومن غرائب الأشياء أن فيها التحيل على عدم عفونة الأشياء التي من شأنها العفونة؛ فمن ذلك ادخار اللبن بكيفية خاصة خمس سنين من غير تغير، وادخار اللحم طريًا عشر سنوات، وادخار الفواكه لوجودها في غير أوانها، ومع كثرة تفننهم في الأطعمة والفطورات ونحوها، فطعامهم على الإطلاق عديم اللذة، ولا حلاوة صادقة في فواكه هذه المدينة إلا في الخوخ.

وأما خماراتها فإنها لا تحصى؛ فما من حارة إلا وهي مشحونة بهذه الخمارات، ولا يجتمع فيها إلا أراذل الناس وحرافيشهم مع نسائهم، ويكثرون الصياح وهم خارجون منها بقولهم ما معناه: الشراب، الشراب! ومع ذلك فلا يقع منهم في سكرهم أضرار أصلاً. وقد اتفق لي ذات يوم وأنا مار في طريق في "باريس" أن سكران صاح قائلاً: يا تركي، يا تركي، وقبض بثيابي، وكنت قريبًا من دكان يباع فيه السكر ونحوه، فدخلت معه، وأجلسته على كرسي. وقلت لرب الحانوت على سبيل المزح: هل تريد أن تعطيني بثمن هذا الرجل سُكْرًا أو نُقَلاً؟ فقال صاحب الحانوت: ليس هنا مثل بلادكم، يجوز التصرف في النوع الإنساني؟ فما كان جوابي له إلا أنني قلت: إن هذا الشخص السكران ليس في هذا الحال من قبيل الآدميين، وهذا كله والرجل جالس على الكرسي، ولا يشعر بشيء، ثم تركته بهذا المحل وذهبت".