رشيد طه.. باسم الآباء المؤسّسين والروك أند رول

15 سبتمبر 2018
الصورة
رشيد طه، 1994 (إريك كتارينا)
+ الخط -

لطالما كانت صورة ألبوم "ديوان" لرشيد طه (صدر في 1998) من أبرز الأيقونات البصرية في مخيّلتي.. "الفيلتر" الأزرق لصورة رشيد وهو يعتمر عمامةً ويلبس سترةً داكنةً وواسعة فوق كنزة صوفية تظهر من تحتها ربطة عنق في ياقة بيضاء، وطبعاً المنديل الأبيض في جيب السترة... لمسةٌ من عالم رشيد الخاص، كأنها تحيّة لملايين المهاجرين الذين تأنّقوا ذات صباح وهم يتركون بلدانهم في أفريقيا متّجهين، على متن بواخر، نحو مناجم ومصانع الشمال.

لم يكن طه وريثاً للآباء المؤسّسين لأغنية المهجر فقط، بل كان أكثر من ذلك؛ هو القادم من خلفية اجتماعية وموسيقية مغايرة، بدأ يشقّ طريقه منذ الثمانينيات، لا يُغني الراي ولا الراب، وُلِد في الجزائر ونشأ في فرنسا، فرنسيٌّ يشبه ولا يُشبه مهاجري الضواحي وأحياء "الـ HLM" الشعبية (أحياء الضواحي الفقيرة)، جزائري.. لكن بطريقته.

تجربته الأولى "روك القصبة" سُرقت منه من طرف فرقته المفضلّة "ذا كلاش"، لكنه عاد واسترجعها بعد سنوات. ماذا أيضاً؟ نعم، ووسط حمّى الراي في فرنسا التسعينيات، سيُفاجئ الجميع باستعادة أغنية جزائرية من طابع الشعبي: "يا الرايح" لدحمان الحرّاشي الذي فجّر موسيقى الشعبي بدءاً من الخمسينيات في مقاهي وكباريهات المغاربة في فرنسا، والذي رحل في حادث سير غرب مدينة الجزائر سنة 1980، أي حين كان طه يعمل في مصنع في مدينة ليون ويحاول أن يشكّل فرقة موسيقية.

■ ■ ■

لكن من أين جاء هذا الشاب الذي يُغنّي بعربية "مكسورة"، ويُحاول مزج الموسيقى الإلكترونية والشعبي والراي ويعتمر عمامة في الصورة التي على غلاف ألبومه؟ لماذا لا يشبه الشاب خالد والشاب مامي؟ في الواقع، كان رشيد طه بمثابة الصرخة التي خرجت من الجزائر في الثمانينيات والتسعينيات، من استوديوهات وهران وعين تيموشنت وتلمسان، إلى أكبر استوديوهات باريس ولندن، لتقول: نحن أيضاً هنا.

ابن بلدة سيق، غربي الجزائر، المولود سنة 1958، والذي هاجر مع والدَيه في سن العاشرة، الصحافي السابق، العامل السابق، العربي وسط البيض، أعجمي اللسان وسط العرب، رشيد وسط كل الأسماء الغربية لنجوم الروك، جاء كجواب من أجيال من المهاجرين، ككسرٍ يمتدّ من عقود عبر الأغنية، سمعه رشيد من أفواه "المدّاحات" مع أمّه في الحمّامات الشعبية، ومع والده الفلّاح تحت شجرة الزيتون، وسمعه في فرنسا مراهقاً وشابّاً.

تبنّى رشيد طه الكسر، ورعاه، وتبعه. بدءاً بأغاني دحمان الحرّاشي وأحمد صابر (لنذكر هنا أغنية "حزينٌ دائماً")، مروراً بـ آكلي يحياتن وأغنية "المنفي" التي تُرجمت من قصيدة أمازيغية من نهاية القرن التاسع عشر، ووصولاً إلى أغنية استعارها من محمد المازوني "اسمعني يا رفيق"؛ حيث يسخر طه، كعادته، من الجري وراء حبّ فاشل، وراء الأوهام في بلد الأوهام، في المنفى، عكس كل السرديات التي لا ينكسر المنفيُّ أو المهاجر فيها سوى أمام الحنين إلى بلده.

لكن كل هذا لم يكن سهلاً.. عاش طه الغربة والعنصرية طفلاً. انتقل بين عدّة مدارس كاثوليكية في فرنسا، وتعرّض إلى العنصرية يومياً، وكان يقول مقتبساً هيراقليط: "الكلاب تنبح على الذين لا تعرفهم". هيراقليط؟ نعم، لأن طه عمل في مؤسّسة صغيرة لبيع الكتب وتوصيلها، وهناك اكتشف نيتشه وستندال، وهكذا دخل كلّ البيوت، وكان الرجل الذي يكسر ملل الناس بوصوله كما قال في أحد حواراته.

كان يقول إنه يحاول أن يبقى دائماً على الخط الصحيح. ولكنه كان يملك خطوطه الخاصة للهروب والانسراب، من وهران إلى سيق إلى باريس وليون، ومن كل هذه الأماكن التي احتكّ واصطدم بها، يستمدّ "دوخته" على المسرح، تماماً مثلما شاهده جيلي في حفلة "1 2 3 Soleil" في باريس سنة 1998.

■ ■ ■

في نهاية التسعينيات، كانت لدى الشاب خالد فكرة كبيرة. طلب من منتجه الفرنسي، باسكال لو نيغر، أن يُساعده على تقديم حفل مماثل لحفل أوبرالي نظّمته شركته لفرقة بافاروتي "The Three Tenors". كان متأكّداً أنه سينجح، باتباع الوصفة نفسها، لكن لحفل راي.

كانت أمام خالد مجموعة من الأسماء: الشاب مامي، رفيقه في العالمية، و"طفلٌ" من أبناء المهاجرين رعياه معاً يُسمّى فضيل، ويُلقب بـ "بالأمير الصغير للراي"، كان سيبلغ العشرين في تلك السنة (1998)، وفي رصيده، ألبوم ناجح، وعشرات الافتتاحيات لحفلات خالد ومامي وآخرين. هو أيضاً جاء من أب يعمل في مصنع سيارات، وسمع جدّته تردّد أغاني الرّاي في بيتهم.

لكن الشركة لم تتمكّن من ضمّ الشاب مامي، بسبب عقده مع شركة منافسة. سقط مشروع خالد في الماء، كما يقول الفرنسيّون، وبدا الأمر صعباً فعلاً. هنالك عشرات النجوم في الراي، عشرات الأصوات الجيّدة والمهمّشة وغير المحظوظة، لكن الشركات والصحافة والرجل الذي يبيع التذاكر... الجميع كان يبحث عن اسم "يبيع"، اسم معروف، شخص ناجح ومعتاد على الكواليس المشحونة والحفلات الكبيرة وضغط العمل "المحترف"... وهنا جاء اسم رشيد طه. اكتشف جيلي تلك الحفلة الخارقة.

■ ■ ■

حقّق الحفل نجاحاً كبيراً، رغم غياب مامي الذي كان أحد الجالسين في المدرّجات. الحفل الذي نُظّم في ملعب بيرسي شمال باريس حضره قرابة 25 ألف متفرّج، بينما بقي عشرة آلاف منهم في الخارج يتفرّجون على شاشات ضخمة. كان ذلك أقرب إلى "كأس عالم" أخرى تشهدها فرنسا بعد ثلاثة أشهر من نهاية المونديال الذي فازت فيه.

وعلى المسرح، كان رشيد لوناً آخر لا يحتاج أن يُبرّر تعويضه مامي، بنظّاراته وشعره الطويل وصدره الضامر الذي يلتصق بالميكروفون وهو يصرخ: "يا الداخل في وسط بيبان والثامن فيه الجدعان/ وقالوا لي كاشي دخان؟ وأنا في وسطهم دهشان".

سيواصل طه مسيرته، ويتقدّم عكس فضيل ومامي، وسيرافق بصوته ولحيته، التي صارت بيضاء، الشبابَ قبل سنوات من الانتفاضات العربية في 2011، سيغنّي في القاهرة وعمّان وتونس: "حاسبوهم، نحّوهم، القتّالين، الحقّارين"، ويُظهر أنه لم يهتم يوماً بالشرق أو الجنوب كـ "مستشرق"، فهو أيضاً يأتي من هناك، من جنوب المتوسّط.

بقبّعته الضخمة، بسيجارته وجسده الهزيل الذي كنت أنتظر دائماً أن يستهلك نفسه في غفلة منّا - لكن ليس بهذه السرعة - سيبقى رشيد المغنّي الذي رعى الكسر الذي يوحّدنا جميعاً، سيبقى الوجه الغاضب على الصحافة الغربية التي تحب "العربي النظيف" وتساهم في التحريض على إخوته.

سيبقى أيضاً الصوت المكسور المُكهرب الذي يتنقّل بين الوهراني وفريد الأطرش وإديث بياف، العاشق للجمال والمنحاز دائماً... حتى ضد نفسه، ضدّ صورة الذكر العربي الذي لا ينكسر، وسيبقى صوته يذكّرنا بأنه لم يخجل من خيبته، سيبقى السيد حمامة (monsieur pigeon) الذي يُكلّم نفسه في أغنية "اسمعني يا رفيق"، وهو يقول: "دع عنك حب هذه الفتاة يا رفيق، هل تسمعني؟".


بطاقة إقامة موسيقية
في 1981، وقبل أن تعتلي فرقة الروك البريطانية "ذا كلاش" خشبة "مسرح الموغادور" في باريس لتُقدّم حفلاً، دخل شاب بملامح مغاربية حاملاً نسخة لتسجيلات موسيقيّة أنجزها مع فرقته "بطاقة إقامة"، ليعرضها عليها. لم يتلقّ رشيد طه ردّاً، لكنه سيُفاجَئ باستيلاء الفرقة على أغنيته "Rock the Casbah" التي ستتحوّل إلى أيقونة في الروك. بعد ربع قرن، سيُسجّل نسخته الخاصّة مع أحد عازفي الفرقة السابقين. وفي 2008، سيُصدر كتاباً بالعنوان ذاته يروي فيه تجربة نصف قرن من الترحال والغربة والموسيقى.


المساهمون