رسول محمد رسول: عن الفيروس والأيديولوجيات والتنوير

05 يوليو 2020
الصورة
رسول محمد رسول

يشتغل الباحث والكاتب العراقي رسول محمد رسول (الكوفة، 1959) ضمن دائرة الفلسفة الألمانية التي تجعله يلتقي بمشاغل عربية كبرى، مثل تأسيس الحداثة والفكر التنويري والإصلاح وقضايا التأويل والاستشراق. وضمن هذه السياقات، نقرأ أعماله الأخيرة، ومنها "التديّن والتنوير" (2020) و"هيا إلى التنوير" (2019)، وكلاهما صدر بنسخ إلكترونية متاحة للتحميل مجاناً، طرحها المؤلف على صفحته على فيسبوك.

حول المنطقة البحثية التي تحرّك ضمنها أخيراً، يقول رسول في حديثه إلى "العربي الجديد": "تأتي هذه الأعمال انطلاقاً من شعور بأنه لا خيار لنا سوى التنوير حلاً وطريقاً للخلاص من الأيديولوجيات القميئة التي تقتلنا، فبعد أن تخلّصنا من حكم الأيديولوجيا البعثية، سقطنا في فخ أيديولوجيات إسلامويّة متطرّفة لا أسهل عندها من قتل الإنسان بدم بارد حتى صار التديُّن بضاعة للخراب والتدمير باسم الدين".

يضيف: "في كتابي الجديد "التديُّن والتنوير" توقفت عند الإشكالية الرئيسة، أي التديُّن، ومنه التديُّن المؤدلج؛ فالدين في حدّ ذاته يحتفي بالإنسان ويعده اختيار الله الموفق في الدنيا أو الأرض، أما "التديُّن" فهو جوهر الإشكال بالنسبة إلى الإنسان، خصوصاً عندما تجرّ التأويلات التدينيّة الضارة "الدين" من أذنيه وتفسِّره كما تشاء لتحاكم به الناس وترميهم إلى الهلاك".

هنا يوضّح رسول مفهومه لـ"التنوير" بكونه يعني "أن يكون الإنسان إنساناً، أما الأيديولوجيات التديّنية المتأسلمة فتريد الإنسان مُجرّد كائن بشري غريزيّ حتى تتحكّم بقواه الغرائزية لكي يستجيب إلى غزواتها وبرامجها، وما أقوله هنا عشناه فعلياً في العراق بعد سنة 2003. وكنتُ قد دعوتُ إلى إعادة اكتشاف الإنسان في كتابي "هيا إلى الإنسان" سنة 2018، حيث أجد أن الإنسان مغيّب".

سألناه إن كان خيار نشر أعماله إلكترونياً متعلّقاً بتوقّف الأنشطة الثقافية مع الجائحة العالمية، أو أنه كان يعتزم ذلك حتى في سياق مغاير. يجيب الباحث العراقي قائلاً: "بدأت بنشر أعمال قبل ظهور فيروس كورونا، أشعر بأن يكون الكتاب بين يدي القارئ بسرعة أفضل من انتظار النسخة الورقية، ولو كان الكتاب قد صدر مع ظهور كورونا، لكان بيد القارئ بلا ملامسة. إلكترونياً، يجد القارئ نفسه مع الكتاب بحرية أكثر وبلا خوف من أي فيروس أو أيّة سلطة سياسية أو أيديولوجية قامعة أو أية أزمة اقتصادية".

وحول تفاعله مع الواقع الذي فرضته كورونا على العالم، يشير إلى أن العراق مرّ بتجربة أقلّ ضرراً مقارنة بدول أخرى اجتاحها هذا الفيروس على مستوى الإصابات والوفايات. وعن نسقه اليومي مع الظروف الطارئة التي نجمت عن انتشار الفيروس، يقول: "التزمتُ، شأن غيري من الناس العقلاء، البقاءَ داخل البيت، أتابع أخبار الفيروس، وأبحث عمّا احتاط به من شرّه، أقرأ وأكتب بلا تردّد".

هذه التجربة يبدو أن لها انعكاسات في رفع نسق الكتابة والنشر لدى الباحث العراقي، حيث يشير إلى أن عدداً من الأعمال باتت جاهزة للنشر، منها ما يسمّيه "موسوعته" التي تحمل عنوان "همس الكلام" حيث تضمّ أربعة عشر جزءاً نجد فيها أرشيفه الكتابي من منتصف عام 1986 إلى سنة 2019. ويشير رسول إلى أنه ينتظر صدور كتابين هما: "حوارات فلسفية بين النهرين" و"مقالات في التأويل".

بشكل عام، يشعر الباحث العراقي بأنه راضٍ عمّا أصدره حتى الآن، حيث يقول: "في النفس أمنيات أخرى، لكنني أعتبر أنني أنجزت مفاصل مشروعي الفلسفي والفكري والنقدي والجمالي". سألناه: لو بدأت مسيرتك من جديد، أي مسار كنت ستختار؟ يجيب: "أكون متخصّصاً بالأنثروبولوجيا، أو علم الإناسة، وهو ما يحتاجه العالم بقوة، في ظل متغيراته الجذرية أحياناً، وهو خصوصاً ما يحتاجه العراق".

وحول قراءاته اليوم، يقول رسول: "أنا في الستين من عمري، أقرأ كتاب الحياة؛ فكم مضى من سنينها وكم بقي؟ وانتهيت في الأسبوع الماضي من قراءة كتاب "الجذور اللاهوتية للحداثة" لمايكل ألين جيلسبي، وكنت قبله قد قرأت كتاب "حدادون وخيميائيون" لمرسيا إلياد، وقد صدر عن "دار الرافدين"، كم أحببت هذا الكتاب، وأستعد لقراءة كتاب "موت الناقد" لرونان ماكدونالد".


بطاقة
باحث وكاتب عراقي من مواليد الكوفة عام 1959، درس في بغداد، وحصل على الدكتوراه في الفلسفة الألمانية من جامعتها سنة 1997. أصدر أكثر من ثلاثين كتاباً؛ من بينها: "العقلنة.. السبيل المرجأ" (1992)، و"العقلنة.. السبيل المرجأ" (1993)، و"الغرب والإسلام" (2000)، و"الحضور والتمركز: قراءة في العقل الميتافيزيائي الحديث" (2000)، و"الغرب والإسلام: استدراج التعالي الغربي" (2001)، و"ما الفيلسوف؟ إنسان التنوير ومفكر صباح الغد" (2016)، و"كانط في ذاته؛ دروب الفيلسوف في تعمير مفاهيمه" (2017)، و"هيا إلى الإنسان" (2018). كما صدرت له روايتان: "يحدث في بغداد" (2014)، و"أنثى غجرية" (2017).