رسالة ماكرون للفرنسيين: محاولة لإنقاذ ما تبقى من ولايته

15 يناير 2019
الصورة
رسالة إلى الفرنسيين (لودوفيتش مارتن/فرانس برس)
+ الخط -
يبدو الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، في عجلة من أمره. فأزمة السترات الصفراء التي انفجرت في وجهه ووجه سياساته قبل شهرين، لم تضعفه على الساحة الداخلية فقط، بل وعلى الساحة الخارجية أيضاً، وهو ما جعله يلغي حضوره في منتدى عالمي ومنبر لا يستهان به، وهو منتدى دافوس،ما جعل فرنسا تبدو كبلد في أزمة.

هكذا، لم ينتظر ماكرون يوم الإثنين، فتوجَّه برسالة إلى الفرنسيين يدعو فيها إلى النقاش الوطني الكبير، مساء يوم الأحد، وهي رسالة عنوانها استعادة الوحدة الوطنية، أي ردم الهوة بين الشعب الفرنسي ونُخَبِه السياسية.

صحيفة "لوفيغارو" تطرقت لرسالة ماكرون إلى الفرنسيين في صفحتها الأولى، الإثنين، بعنوان متصالح: "لِنُحوّل الغضب إلى حلول". وكرست لها افتتاحية متصالحة بتوقيع فانسان تريمولي دي فيليي، بعنوان "الحوار المدنيّ"، وكتب: "حين يعود الهدوء، يكون قد حان الوقت لإرساء مسؤوليات هذا الطرف وذاك. وإن ما يجب شطبه، دونما انتظار، هو الحذر العدواني الذي يسيطر على مواطنينا. هذا الغضب الذي يمنع أطفال نفس الأمّة، ليس فقط من سماع بعضهم البعض ولكن أيضاً من فهم بعضهم البعض". وأضاف أن "رسالة ماكرون الطويلة يجب أن تُقرَأ وفق هذه العقلية"، مستدركاً أن "ليس لها نَفَس بعض من خطاباته، ولكن الوقت وقت الأحكام الخطابية"، لأن الميزة الكبيرة لهذه الرسالة: "الرغبة في تجاوز جدلية انتحارية من أجل إرساء العنصر المؤسِّس للديمقراطية: الحوار المدنيّ". واعترف بأنه سيكون مثار نقاش وخصومات، لكن "مَخْرج هذا الحوار الكبير يتعلق بنا جميعا، ويتعلق، قبل كل شيء، بإرادتنا في الفهم قبل إصدار الأحكام".

ولكن "الحذَر موجود، بقوة، بين أغلبية الفرنسيين وبين كل ما يأتي من فوق"، وهو ما شرحه جيروم فوركي، مدير معهد استطلاعات الرأي، "إيفوب". ورأى فوركي أن "الرهان على خفوت السترات الصفراء فاشل"، وأنه "إذا كان الدعم الشعبي للسترات الصفراء قد انخفض، فإنه لا يزال يشكل أغلبية. ولا تزال درجة تصميم النواة الصلبة للسترات الصفراء، ثابتة"، أي أن "هؤلاء المتظاهرين مصممون على الانخراط في كفاح طويل".
وهو ما يسمح له بالتأكيد على أن "الرئيس ماكرون يعرف أنه لا يستطيع قلب الرأي العام لصالحه، في فترة وجيزة، وأنه لا يحظى بالشعبية لدى السترات الصفراء حتى يُقنعهم".
ما الذي يستطيع أن يفعله الحوار الوطني؟ يجيب: يمكن أن تتمخض عنه فضيلة: أن يتحول إلى لحظة تتيح تطهير جزء من الغضب.
ويعترف بأن الحوار لن يشمل الجميع، رغم آمال الرئيس وحكومته، لأن "أشدّ المعارضين لماكرون لن يشاركوا فيه، لأنهم يتصورون أن الأمر يتعلق بمناوَرَة، وبفخّ غليظ. وبالنسبة لآخَرين ستكون ثمة ظاهرة رقابة ذاتية".

ورأت صحيفة "لاكروا" في رسالة الرئيس للفرنسيين: "دعوة لإبداء الثقة". ولكنها، ومثل كل الصحف، لم تمنع نفسها من طرح أسئلة لا أحد يعرف الجواب عنها، كقضية الإصلاح الدستوري، الذي يريد الرئيس إنجازه، والذي طرحته السترات الصفراء، أيضا، في مطالبها، حين طالبت باستفتاءات مواطنية، وبالتخلص من مجلس الشيوخ.

أما "لوموند"، فرأت في رسالة الرئيس للفرنسيين، محاولة من أجل إعادة بث الروح في ما تبقى من ولايته الرئاسية، أي "استعادة ذهنية المسيرة الكبيرة لحملته الانتخابية". وأشارت الصحيفة إلى أن رسالة ماكرون لم تَخْل من انفتاح على اليمين، حين تحدّث عن إرساء نظام حصص لاستقبال المهاجرين، وهو ما أغاظ بعض النواب من أغلبيته، الذين "فوجئوا" بهذا الإعلان/السؤال الرئاسي "في موضوع الهجرة، ما أن نلبي التزاماتنا بخصوص اللجوء، هل تأملون في تثبيت أهداف سنوية يحددها البرلمان؟"، علماً أن الرئيس لم يتحدث، عن الموضوع، مع أغلبيته، كما أن السترات الصفراء لم تتحدث عنه.

وفضّل موقع "ميديا بارت" الإخباري التركيز على ما تعبر عنه "التظلمات والشكاوى"، التي رُفِعت من البلديات إلى وزارة الداخلية، ورأت أن "في حوزة ماكرون جزءا من الأجوبة على الأسئلة التي طرحَتها رسالتُه"، واستعرضت كثيرا من هذه الرسائل التي تذهب في غير اتجاه رئيس الجمهورية، خاصة في مجال العدالة الضريبية، حيث أغلبية ساحقة ترفض الهدايا التي منحها ماكرون للأثرياء، من خلال إعفائهم من أداء بعض الضرائب.

موقع "أتلانتيكو" الإخباري رأى في الحوار الوطني الكبير: "معادلة مستحيلة"، ما دام أن الرئيس في رسالته، يؤكد أن "ثمة خيارات اقتصادية واجتماعية، لا يمكن مناقشتها"، إضافة إلى تأكيد مصادر حكومية أن "السلطة لن تشذ قيد أنملة عن سياستها الاقتصادية والاجتماعية، التي تم تثبيتها في بداية حكم ماكرون"، وهو ما أكدته الرسالة بشكل لا غبار عليه: "لم أنْسَ أني انتُخِبت على برنامج وعلى توجهات كبرى، سأظل وفيّاً لها".
وفي مقال آخَر في الموقع ذاته، كتب: "رسالة ماكرون للفرنسيين تنضاف إلى المفارقات العديدة لأزمة السترات الصفراء". ونقرأ فيه بأن الرسالة تأتي بعد إعلان اليمين المتطرف عن مرشحيه للانتخابات الأوروبية، التي تريد أن ترى فيها مارين لوبان: "وزير الداخلية وهو يبكي، والناطق الرسمي وهو يبحث عن كلماته في التلفزيون، وماكرون وأيضا ميركل ويونكر يفهمون أن كل شيء قد انتهى، وأن الشعب قد عاد". كما أن زعيم حزب فوكييز "الجمهوريون" اليميني فضّل، هو الآخر، إرسال رسالة إلى الفرنسيين، ينسف فيها رسالة ماكرون، ويتهمه فيها بأنه "يضع الزيت على النار، في حين أن قوى التطرف (اليمين واليسار) تدفع البلاد نحو الفوضى"، كما يعترف فوكييز بغضب الفرنسي "العادل" حين يتعلق الأمر بالظلم الضريبي وغضب الأقاليم.

وقد استقبلت صفحات كثيرة في "فيسبوك"، تابعة لمختلف اتجاهات "السترات الصفراء" رسالة الفرنسيين بكثير من الانتقاد، منها أن هذا الرئيس، الذي يطالبون برحيله، "لا يعرف الاستماع والإنصات"، كما أن "الحوار الوطني سيكون مؤطرا بصفة خانقة"، ورأى كثيرون أنهم لن يقرأوا الرسالة، وأنه مضيعة للوقت. وآخرون أصبح كل ما يَصدُر عن الرئيس يثير كراهيتهم ونفورهم. البعض انتظر، في نوع من السخرية، رسالة استقالة للرئيس، والبعض الآخر أصبح لا يرى في الإعلانات الرئاسية إلا كلاما فارغا وذرّا للرماد في العيون، ومهازل.

وحتى من يحاول تجنب خطابات يمكن أن توصف بالعدمية والسلبية، يناقشون مواقف الرئيس منذ توليه السلطة، حيث يرون أنه أجهز على كثير من المصالح العمومية، كإصلاح سكك الحديد، كما أنه يرفض إعادة ضريبة التضامن على الدخل، ويعيب عليه بعضهم عدم تفوهه ولو بكلمة عن التهرب الضريبي.
ولا تَغيب عن كثيرين من الحراك فكرةُ رغبة الرئيس، من وراء هذا الحوار الطويل، في ربح الوقت من أجل إخماد الاحتجاجات، التي شلّت عمل الحكومة في غير ما مجال. وهو ما يدفع كثيرين من الحراك للتفكير في إنشاء تكتلات وأحزاب قوائم انتخابية، لأن "السترات الصفراء تريد أن تنتظم حتى تدوم"، كما يقول جيروم فوركي وكثيرون غيره.

المساهمون