رسائل داود أوغلو

رسائل داود أوغلو

28 ابريل 2019
الصورة
+ الخط -
عندما استقال، أو أقيل، من منصبه رئيسا للحكومة التركية عام 2016، قال القيادي في حزب العدالة والتنمية، أحمد داود أوغلو، إنه لن يتخلى عن السياسة، لكنه ينتظر نحو ثلاث سنوات ليعود، ويوجه جملة رسائل في رسالة واحدة. واللافت أنه اختار توقيتا حساسا للحزب، إذ أنه جاء بعد خسارة الحزب البلديات الكبرى في الانتخابات البلدية التي جرت نهاية شهر مارس/ آذار الماضي. وأثار كلام داود أوغلو جدلا واهتماما كبيرين، فالرجل الذي وصف بأنه هنري كيسنجر تركيا، ويعد المنظر الأول للسياسة التركية في عهد حكم "العدالة والتنمية"، وهي السياسة التي كانت وراء صعود نجم الرئيس، رجب طيب أردوغان، في العالمين العربي والإسلامي، صوّب سهام رسائله بشكل مباشر إلى أردوغان، الزعيم الذي ندر أن انتقده أحد من قادة حزبه. انتقد داود أوغلو، في بيانه، تحالف حزب العدالة والتنمية مع حزب الحركة القومية وحمّله مسؤولية تراجع حزبه، وندّد بالقيود التي فرضت على الحريات ووسائل الإعلام، بل انتقد السياسات الاقتصادية للحكومة والنظام الرئاسي. وفجّر حديث داود أوغلو هذا جدلا واسعا في أوساط حزب العدالة والتنمية قبل غيرها، ليعود الرجل إلى الأضواء مجدّدا، ولتنطلق الأسئلة في كل الاتجاهات، هل سيعود داود أوغلو إلى الحزب، أم أنه يستعد لتشكيل حزب جديد، بعد أن زاد الحديث بهذا الخصوص؟ والأهم كيف سيقابل أردوغان رسائل داود أوغلو هذه؟
ثمّة من يرى أن حديث داود أوغلو يدل على أن سياسة الخوف انتهت، وأن آخرين سيرفعون 
أصواتهم عاليا أمام أردوغان في المرحلة المقبلة، ففي حقيقة الأمر، داود أوغلو لم ينتقد نتائج حزب العدالة والتنمية في الانتخابات البلدية، بقدر ما انتقد سياسات الحزب وما وصل إليه، وقدّم ما يشبه مراجعة لتجربة الحزب السياسية، وعزا التراجعات إلى غياب العقل الجمعي عن الحزب، لصالح حكم الفرد عبر بوابة النظام الرئاسي، عندما أشار إلى أن الفصل بين السلطات والمؤسسات ألحق ضررا بالحزب.
بدا حديث داود أوغلو وكأن الرجل يتحدث من داخل "العدالة والتنمية" وليس من خارجه، يريد المراجعة والإصلاح، لا الانشقاق عنه، أو تأسيس حزب جديد. والأهم الثقة بإمكانية تجديد الحزب، وإعادة ضخ الدماء فيه. ولكن كيف؟ يدرك رئيس الحكومة التركية السابق، قبل غيره، أن أردوغان لا يزال يملك كل أوراق القوة بيده، ووحده القادر على الإجابة عن رسائل داود أوغلو، وهندسة موازين القوى في الحزب والدولة. وعليه، ثمّة من يرى أن رسائل داود أوغلو لم تكن سوى إنذار قوي بأنه سيعطي الفرصة للرئيس أردوغان للعمل معا من أجل إعادة الدينامية والقوة لحزب العدالة والتنمية، قبل أن يقدم على الخطوة التالية. ولعل ما يرجح هذا الاعتقاد الأحاديث عن جهود كبيرة، يبذلها داود أوغلو وقادة كبار سابقون في الحزب، مثل الرئيس عبدالله غول وعلي باباجان ونحو خمسين نائبا، لتأسيس حزب جديد، يكون امتدادا لحزب العدالة والتنمية أو استمرارا له، عندما حاول التوفيق بين الإسلام والعلمانية والاقتصاد في مراحله الأولى، وليس حزبا سلطويا، يحكمه فردٌ هو على رأس الحزب والدولة معا. داود أوغلو، ومعه الأتراك، ينتظرون أجوبة أردوغان عن رسائل الرجل، أجوبة ستكون من العيار الثقيل، سواء أكانت بفصل داود أوغلو من الحزب، (إن كان لا يزال منتسباً رسمياً إلى صفوفه) أو الأخذ بنصائحه، لتبدأ بعدها مرحلة جديدة من عهد حزب العدالة والتنمية.