رد وإيضاحات.. "قراءة ثانية" وحدّ الرجم

19 يوليو 2019
الصورة
نشرت صحيفة (وموقع) العربي الجديد مقالاً في 27 يونيو/ حزيران الماضي، عنوانه "رجم الزاني.. ملاحظات على قراءة ثانية" لكاتبه أحمد النسناس، الذي تجمعني به معرفة سابقة عن طريق مكتب شيخنا الدكتور يوسف القرضاوي الذي كنت مديراً لمكتبه، وسكرتيراً علمياً خاصاً به من قبل. وهو حالياً يعمل في مكتب القرضاوي، في الجانب العلمي وخصوصاً اللغوي، كما عرّف بنفسه في المقال. وأوضح هنا أن الرأي الذي قلته في برنامج "قراءة ثانية"، في تلفزيون العربي، عن رجم الزاني المحصّن، وأنه تعزير، هو رأي هؤلاء العلماء: عبد الوهاب خلاف، ومحمد أبو زهرة، ومحمود شلتوت، ومصطفى الزرقا، وعبد المتعال الصعيدي، ويوسف القرضاوي، وغيرهم. وقد تعمدت ذكر هذه الأسماء، لأمر وجيه ومهم في مقالي، فقد صب كاتب المقال النسناس، جام غضبه عليّ تحديداً، متخذاً من شخصي نموذجاً للرد، ولم ينبس ببنت شفة على أي من الأسماء المذكورة، إلا اسم محمد أبو زهرة. ولم يذكر اسم القرضاوي الذي قال بهذا الرأي، وكتب وفصّل فيه، نوعاً ما، أكثر من سابقيه، فلا أدري لماذا كان رد النسناس فقط على شخصي، عصام تليمة، ولم يذكر في مقاله أسماء هؤلاء الأعلام، هل ليوهم القارئ بأني منفرد برأيي؟ ألا يعتبر الكاتب ذلك تدليساً على القارئ، كما رمانا به زوراً في مقاله؟
والمقال للأسف مملوء بمغالطات علمية واجتزاء. والأكثر أسفاً امتلاء المقال بروح ونفس لا يليقان بنقاش في أمر ديني، يجب أن تعلو فيه قيمة حسن الظن، لا التعالي والتعالم، واتهام المخالفين له في الرأي، باتهاماتٍ جلّها يتعلق بأعمال القلوب. أما الردود العلمية على ما ورد في مقاله، فلا تكفي لها المساحة المتاحة في "العربي الجديد"، وكنت قرّرت بعد الحلقة عن رجم الزاني في تلفزيون العربي أن أنشر سلسلة عن الموضوع، فقد كنت بدأت منذ سنوات كتابة كتاب عن الموضوع. وقد أصبح الوقت الآن مناسباً لأن أنشر هذه الأفكار بتفاصيلها على هيئة مقالات، وهي لا تغني عن الكتاب.
تناول كاتب المقال تلفزيون العربي وإعداد برنامج "قراءة ثانية" وشخصي، وكان النصيب الأكبر من مقاله لشخصي، ولذا أترك ما يخصّ تلفزيون العربي وفريقه، فهو أمر فني، أعتقد جازماً أنه لا يفقهه، ولا يعرف طبيعته. وأهم ملاحظاتي على مقاله كالتالي:
اتسم صاحب المقال كما ذكرت بالتعالي والحط من شأن مخالفيه، سواء ذكر أسماءهم أو لم 
يذكر، فبدأ بعصام تليمة، مروراً بالقرضاوي وأبي زهرة، وانتهاءً بعوام الناس من مشاهدي تلفزيون العربي وبقية الفضائيات ووسائل الإعلام، فكل هؤلاء دونه علماً ودون فهماً، ودونه إخلاصاً وحباً للإسلام! بدأ بشخصي، على الرغم من بعض عباراتٍ قدم بها كلامه، ليشعر القارئ بأنه يكنّ لنا جميعاً كل تقدير واحترام، وهو ما ينفيه مقاله تماماً، وأمر نيته موكلٌ إلى ربه، لكن فعله خالف قوله بشكلٍ بيّن وواضح، فلغة التعالي والاحتقار والحط من شأن مخالفيه فجّة وواضحة، فكل مخالفيه جهلة، وكل مخالفيه وقعوا تحت ضغط الغرب، فقالوا: الرجم ليس حدّاً، كلنا نقع تحت ضغط الغرب، أو ضغط الجهل، أو ضغط عدم العلم بالفتوى، والوحيد الفاهم المتقن العالم هو أحمد النسناس، فهو الوحيد القادر على التسلق بين فروع العلم، والقفز من شجرة إلى أخرى، ليقطف من كل شجرة أطيب ما فيها، وليس لنا إلا أن نصفّق له، قائلين: برافو يا النسناس.
عصام تليمة خريج كلية دعوة، وهي كلية حسب تعريفه، "تعطي ثقافة إسلامية عامة وصورة شاملة للعلوم الإسلامية، وتؤهل خرّيجها للخطابة لا للتصدر للإفتاء"، ففي أيّ كلية تخرج أحمد النسناس، وما عمله؟ إنه مدقق لغوي، فهل خرّيج الأزهر الذي يدرس مذهباً فقهياً يتعمق في دراسته، ثم يدرس الفقه المقارن في الكلية غير مؤهل، بينما مدقق لغوي هو المؤهل للردّ، وبيان أخطائنا، وادعاء امتلاكه الحق فقط؟
وقد أراد أن يبرّر لمزه في دراستي، بأني قلت عن الشيخ متولي الشعراوي ليس متخصصاً في الفقه، وهذا ليس انتقاصاً لعلمه، فقد ذكرت ما برع فيه عالمنا الجليل، فالفقه قد يكون اختصاصاً بالدراسة، أو عناية بالتعلم والاهتمام، واشتغالاً به. وهو ما قام به أكثر من عالم كبير، منهم العلّامة الفيلسوف الفقيه الدكتور محمد يوسف موسى، فقد ظل سنواتٍ طوالاً يدرّس مادّة الفلسفة التي نال فيها درجة الدكتوراه من السوربون، ثم تعمّق في الفقه وتخصص فيه، وصار رئيساً لقسم الشريعة في كلية الحقوق.
وكتلميذ محمد يوسف موسى، وهو القرضاوي مثلاً، لم يكن تخصصه الفقه، ولكنه اشتغل بالفقه، واهتم به، وهو ما نصحني به عند عملي معه سنة 1998، ووجد عندي اهتماماً به، وكتابة 
فيه، وقد كان القرضاوي يستقبل أسئلة الناس كل يوم أربعاء من الساعة الحادية عشرة إلى الثانية عشرة. وبقية الأسبوع يجيب عصام تليمة، وكانت لي لقاءاتي في موقع إسلام أون لاين، وكلها فتاوى، أو استشارات دعوية. ولي برنامج "يستفتونك"، عملت فيه أكثر من ألف حلقة، وكان الأخ النسناس نفسه أحد متابعيه، كما أخبرني في مناقشات بيننا، وأحياناً يتواصل للنقاش في بعض الفتاوى. فلا أدري هل يُبدي لي في الخفاء شيئاً، بينما يبدي في العلن شيئاً آخر؟ وماذا يسمي هذه الفعلة لو فعلها غيره؟
ومن دلالات تعاليه أنه يشرح لي الفرق بين (ال) العهد وغيرها في اللغة، ونسي أني أزهري، وقد درست هذا كله بتفاصيله، قبل أن أبلغ الحلم، بينما درسه الأخ النسناس في المرحلة الجامعية، في مذكرات مختصرة، بينما درست اللغة العربية في كتب تراثها المهمة، بداية من "قطر الندى" لابن هشام، وانتهاءً في الثانوية الأزهرية بشرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك، وهي كتب مراجع في اللغة، أي إن الأخ جاء ليبيع الماء في حارّة السقائين.

جهل بالمشاركات الإعلامية
وقد أبدى أحمد النسناس في مقالته ملاحظات عدة. عند تأملها لمن له تعامل مع الإعلام، سيكتشف سريعاً أن السبب فيها جهله بطبيعة العمل الإعلامي، والمشاركات الإعلامية، فقد اتهمني بالاجتزاء، عند نقلي عبارات للإمام ابن قتيبة والعز بن عبد السلام، ومنشأ خطئه ووقوعه هنا كما ذكرت: الجهل بطبيعة المشاركات الإعلامية. وللأسف هي آفة يقع فيها كثيرون من إخواننا المشايخ الطيبين، فهو يظن أنك خطيب في مسجد، جاء الحاضرون ليستمعوا لمحاضرتك، فتحولها إلى عدة دروس، وتطيل كما تشاء، فيما مساحة الإعلام مختلفة، فالساعة التلفزيونية غير الساعة الحقيقية، الساعة ستون دقيقة، بينما ساعة التلفزيون خمسون، هذا أبسط فرق يدلّ على أن من لم يدخل ساحة الإعلام المرئي أو المسموع يجهل طبيعتها. ولذا ستجد كثيرين ممن لا خبرة لهم بها يدخل محضراً أوراقاً وكتباً، ودفاتر، ظانّاً أن المساحة متاحة يقول ما يشاء، بينما الوقت ضيق، وهو مشاركة بينك وبين ضيف آخر، فعليك أن تعرف طبيعة الحوار، أن تذكر أهم الردود وأقواها، فما بالك لو كانت مشاركتك في عشر دقائق مثلاً، في موضوع تعلق عليه.

الفقه ليس القصّ واللصق للنصوص
ولقد نظرت في معظم مقال النسناس، وللأسف حشد نصوصاً، وهو ما يسهل على أي أحد لديه جهاز كمبيوتر، وإنترنت، فيجمع نصوصاً لا يُحسن الجمع بينها، ولا ترتيبها، من "غوغل"، أو الموسوعة الشاملة، ولذا ليته كتب اسم كاتب المقال: الشيخ غوغل، أو المكتبة الشاملة، فراح يجمع الأخ الكريم، ظناً منه أن البحث هو الكتابة على محرّك البحث غوغل بكلمة "الرجم"، ثم يجمع من هنا وهناك، من دون نظر إلى ما يجمع. الفقه أخي أحمد النسناس ملكة فقهية، وليس نصوصاً يستدل بها من دون إدراك لمراميها، ولا مقاصدها.
الأمر الغريب في كلامه دخوله في النيات، وحكمه عليّ وعلى من يرى رأيي بأننا نسعى، 
برأينا الفقهي، إلى المستحيل، وأننا نؤلف ديناً جديداً غير الإسلام، ديناً يوافق هوى الحضارة الغربية! وهو يعلم يقيناً أن القرضاوي من القائلين بنفي الرجم كحد، واعتباره تعزيراً، فهل القرضاوي، وبقية أصحاب هذا الرأي، ممن يسعون إلى تأليف دين جديد يوافق هوى الحضارة الغربية؟ وإذا كان هذا رأيه في أصحاب هذا الرأي، فكيف سمح لنفسه بالبقاء في العمل مع من كانت هذه نيته، وهذه وجهته. فما الفرق هنا بين أن يقول عصام تليمة إن الرجم تعزير وبين أن يسبقه بهذا القول القرضاوي؟ هل النظر إلى صاحب القول أم إلى القول نفسه؟!
ثم دخل في نيتي، فقال عن كلامي في الحلقة: محاولة الإبهار.. يعني أن هدفي إبهار المشاهد، وهذا دخول في النوايا لا يليق، ثم راح يتعالى عليّ مرة ثالثة ورابعة، فكتب في مقاله: والحق: أن الشيخ عصام لو أتعب نفسه قليلاً لعلم أن من المفسرين من قال في الفاحشة هنا هي معصية الرسول والنشوز. وهو مسكين لا يعلم أني أبحث في الموضوع منذ 12 عاماً. والحقيقة أنه يعلم أني، خلال هذه المدة، أبحث في الموضوع. ومن أين أتى بثبات وجرأة يجعلانه يصدر جملته بكلمة: (والحق)، وهي كلمة في البحث العلمي لها دلالة شديدة جداً، لا بد قبل أن يقولها أن يكون قد تيقن من أني لم أبحث في هذه المسألة، ولم أقرأ ما قاله، وهو كلام عار تماماً عن الصحة. إلا لو كان يملك جهاز مراقبة ورصد وإحصاء يراقبني من خلاله، فيعلم ما قرأت وما لم أقرأ، ولا يملك ذلك، ويعلمه إلا الله سبحانه وتعالى: "تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك إنك أنت علام الغيوب" (المائدة: 116). ولو كان لديه هذا الجهاز نرجو أن يمدنا بنسخة منه، لنعلم أيضاً نواياه هو الآخر في ما كتب!!

ماذا لو عاملناه بالمثل؟
ولو أردت مثله الدخول في النوايا، لقلت: إنك خفت تناقش أو ترد على القرضاوي، بينما تجرّأت في الرد على عصام تليمة، على الرغم من أن القرضاوي نشر منذ عامين رأيه في الرجم في صحيفة الشرق القطرية، وأنت تعلم رأيه، بل إن هذه المادة تحديداً لم أعلم بنشرها إلا من الأخ أحمد النسناس، ووصلت إلي منه، وقد نشره قبل ذلك أيضاً في مذكراته منذ خمسة عشر عاماً، ومع ذلك لم تكتب للرد عليه. وبالمناسبة، معظم الأفكار التي وردت في حلقة "قراءة ثانية" في تلفزيون العربي كتبها القرضاوي قبل عامين، وغالب الظن أن يكون الأخ النسناس أحد من شاركوا في المراجعة، فلا أدري يسأل عن مصادري ويتعجب لكلامي، وهو يعلم أصله ومصدره، ويعلم من شيخي فيه، بل كنت أحياناً أطلب موادّ من مكتبة الشيخ، فيساعد مع فضلاء غيره بتصويرها لي، وأحياناً يشهد نقاشات بيننا والشيخ في الرجم، ثم ترى ما كتبه وكأنه جاء من مدرسة أخرى، أو يجهل هذه المدرسة التي تقول بنفي الرجم!
راح أحمد النسناس يأخذ من كلامي، تارة من الحلقة، وتارة من مقالات خارجها، على الرغم 
من أنه صدّر مقاله في العنوان: بأنه رد على برنامج قراءة ثانية فقط، ولو تعاملت معه بمنهجه نفسه، وهو منهج "ولا تقربوا الصلاة"، وحاكمته بالمنهج نفسه الذي طبقه معي، فمثلاً جعل عنوان مقاله "رجم الزاني"، فهل يرى هنا الرجم عقوبة للزناة جميعاً؟ سواء كان الزاني محصناً أو غير محصن؟ وهذا ادّعاء لم يقل به أحد، ومن المستحيل أن يجد قائلاً به، وهو خرق للإجماع في الإسلام، ولو رحت أكمل مقالي كله على هذا العنوان غير الدقيق من النسناس، لنسجت عليه مقالات، ولكني أعلم أنه نقص دقّةٍ منه في العنوان.
وتساءل عن قاعدة "ما ثبت في القرآن فهو عقوبة، وما انفردت به السنة فهو تعزير"، أين يجدها في كتب الفقه، وأدلّه على موضعها بكل سهولة، إن من صك هذه القاعدة، بعد طول تأمل منه، هو شيخنا يوسف القرضاوي، وقد اختصّني بذكرها في معرض نقاشاتي معه عن الرجم، ونقاشه لما أكتبه فيه، وكيف أحل الإشكالات المهمة فيه، وكنت قد انتهيت من معظمها، وقلت له: بقي لي أن أفرّق بين التعزير والحد، فذكر لي هذه القاعدة، ثم طبقتها على الحدود والتعازير، فوجدتها صحيحة بالاستقراء، وهو ما لا يتسع له المقام هنا، فيمكنه كذلك أن يمشي بضعة مترات لن تزيد عن خمسة من مكتبه إلى القرضاوي، ليسأله عنها، ثم هل يمتلك الشجاعة ليعلن بعد ذلك نتيجة سؤاله معه ونقاشه؟ وقد سبق وناقشه من قبل، ولم يكتب أنه ناقش.

احتقار العامة
أما احتقار أحمد النسناس في مقاله عامة الناس، فقد برز في ذهابه إلى أن مثل هذه الموضوعات لا تناقش وتطرح للعامّة، وهذا أمر عجيب جداً، يعني لا يحق لنا أن نشرح للعوام ولا أن نناقشهم في شأن الرجم، فليس للعامّة النقاش في الرجم، لكن العامّة لهم أن يُرجموا فقط، يقيم عليهم النسناس ومن على رأيه حدّ الرجم، ولكن ليس لهم أن يسألوا: لماذا ترجم؟ وهل هو حد أم لا؟ فليس للعامّة إلا أن تحفر لنفسها حفراً تنزل فيها، ليقام عليها حدّ الرجم، وليس لبقية العامّة النقاش في الرجم، ليس لهم إلا أن يُمسك كل منهم بحجرٍ ليرجم، فالعامّة هنا يطبّق عليها الرجم، وتشارك في تطبيق الرجم، ائتماراً بأمر السيد النسناس، ولكن ليس لها أن تناقش لماذا تُرجم، ولا لماذا تقوم هي برجم من زنى، هذا هو شأن العامّة والناس في تفكير النسناس وأمثاله. لم أناقش أموراً ذكرها صاحب المقال في مقاله، إما لأنه لم يفهمها على وجهها الصحيح، أو أنه ظن منها غير ما قصدت، أو لأن المقام هنا لا يتسع للتفصيل فيها، فالإيجاز لن يفي بالغرض. وهناك تفاصيل أخرى، القارئ في غنى عن ذكرها.