ردّاً على دلال البزري عن "الرجال الشبعانة عيونُهم جمالاً"

16 ديسمبر 2019
الصورة

لبنانيات يتظاهرن ببيروت ضد التحرش والعنف المنزلي (7/12/2019/فرانس برس)

+ الخط -
أوردت الكاتبة دلال البزري، في مقالها "إنّها ثورة نساء لبنان.. ورجاله أيضاً"، في "العربي الجديد" (28/11/2019)، التالي: ".. ثم إنهن، بنزولهن إلى التظاهر، لم يكن في بالهن لحظة واحدة أنهن يمكن أن يتعرّضن للتحرّش الجنسي، فعين الرجل اللبناني "شبْعانة جمال"، بالقول الشعبي. وما تعرفه شوارع معظم مدن العالم العربي، من المواظبة على التحرّش بالنساء الخارجات من بيوتهن، ليس عهداً عند الرجال اللبنانيين". وفي إشارتها هذه، احتفت الزميلة بالمرأة اللبنانيّة، وبتصدّرها المشهد الثوري، وحضورها الواسع والفاعل في ساحات التظاهر في الانتفاضة الراهنة في بلدها. وجاءت، بشيء من التحليل التاريخي، على بعض أسباب هذه القوّة النسائية، رابطة إيّاها مرّة بشخصيّة المرأة اللبنانيّة المتميّزة وكفاحها الطويل والمرير في الحياة، ومرّة ثانية بالحرب التي لم تتوقّف في هذا البلد الصغير منذ نصف قرن، ما أدّى إلى نقصان عدد الرجال نسبة إلى عدد النساء، إضافة إلى ظروف الهجرة بغية العمل وكسب القوت، واقتحام المرأة ميادين الحياة تبعاً لهذه الظروف كلّها، وتارة ثالثة بالمؤازرة العالميّة من صعود النساء إلى قممٍ غير مسبوقة في التاريخ.
وللموضوعية في نقاش العبارات أعلاه، سبب هذا المقال، عدت إلى أكثر من تقرير عن التحرّش الجنسي، في لبنان تحديداً، ففي تقرير مصوّر لقناة الجزيرة تمّ عرضه في 9/2/2013 تقول معدّة التقرير المذيعة إلسي أبي عاصي: قانون لبناني لا يعترف بظاهرة التحرّش، وقانون اجتماعيّ ينظر بقسوة إلى الضحيّة، وبينهما امرأة تحاول جاهدة أن تكسرَ الصمت. وتوردُ المذيعة شهادة لفتاة قالت إنّها تعرّضت لأربع حالات تحرّشٍ خلال دقائق قليلة من مرورها في أحد الشوارع، كما تورد رأياً لسيدة ثانية تقول إنّ المرأة تسكت عن التحرّش من باب احترام نفسها. وفي موضع آخر، يذكر التقرير نشاط جمعيّات نسائيّة لابتداع شخصيّةٍ كرتونيةٍ تمثّل فتاة اسمها سلوى، تمرّ بمواقف مختلفة، تتعرّض فيها للتحرّش في يومياتها. وتورد تعليقاً للناشطة النسويّة، فرح سلقة، إن "أهمّ شيء وراء استحداث هذه الشخصية هو رسالتنا بأنّه يكفي صمتاً وعلينا التحرّك ضدّ هذه الظاهرة". ويمرّ في التقرير التلفزيوني أيضاً
مشهدٌ من صالة رياضيّة، تتدرّب فيها النساء على يد المدرّب جو جيمس على فنون الدفاع عن النفس. ويقول جو: إنّ النساء اللواتي يطلبن تعلّم الدفاع عن النفس غالباً ما يكنَّ قد مررن بتجارب سيئة، وتعرّضن لاعتداءات من هذا القبيل.
ونشرت صحيفة القدس العربي في 15/8/2013 أن جمعية تأسست في لبنان لمحاربة ظاهرة التحرّش الجنسي، اسمها "قل لا للعنف"، وأطلقت حملة "شفت تحرّش"، وجّهت من خلالها إلى النساء اللبنانيات الرسالة التالية: (لا تجعلن أحداً ينتقص من حقوقكنّ، أو أن يحول دون التمتّع بحياة آمنة وعيشة كريمة، تابعنَ النضال والكفاح والثورة من أجل أن نحيا جميعاً نساءً ورجالاً في مجتمع خالٍ من العنف أو الإقصاء أو التهميش. اخرجنَ إلى كل الشوارع والساحات. افرحنَ وابتهجنَ مع عائلاتكنّ، ولا تخفنَ من المتحرّشين، وواجهن المتحرّشين بجرمهم، كُنّ أنتنّ الرادع، وبلّغن القوى الأمنية لمساعدتكن، اكسرن جدار الصمت ولا تخفن. إن جمعية "قل لا للعنف" تطالب الدولة اللبنانية بتجريم التحرش الجنسي، وأيضاً تجريم ومعاقبة العنف ضد المرأة. كما توجه الجمعية رسالة إلى معالي وزير الداخلية مروان شربل قائلة: كونوا عوناً لنا، وابذلوا قصارى جهدكم من أجل تحقيق الأمن، ومنع الجرائم، وخصوصاً جرائم العنف ضد النساء والفتيات ومكافحة جريمة التحرش الجنسي".
وفي تقرير نشره موقع فرانس 24 الإلكتروني عن ظاهرة التحرّش بالنساء، تقول المحامية والناشطة في منظّمة "أبعاد" دانيال حويك: "حسب استطلاع قامت به منظمتنا، فإن 33% من النساء تعرّضن لاعتداءات جنسية. وفي 49% من الحالات يرتكبُ هذا الفعلَ أحدُ أفراد 
الأسرة. وثلاث عشرة امرأة من ضحايا التحرّش فقط يقدّمن شكاوى كلّ شهر بسبب عبء العار". ونشر موقع "أخبار الآن" الإلكتروني تقريراً في 16/8/2017 عن ظاهرة التحرّش في لبنان، ويرد فيه: (.. وفي السنوات القليلة الماضية، اقترحت هيئات مختلفة مشاريع قوانين تجرّم التحرّش الجنسي في الأماكن العامة وفي أماكن العمل، وآخر هذه المقترحات هي الآن بانتظار تصويت مجلس النواب. كان الهدف من الحملة تحريك الرأي العام، من أجل الضغط على مجلس النواب للتصويت على هذا القانون. وقد لاقت هذه الحملة تفاعلا مع مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي، وبدأوا بمشاركة مضامين تدعو إلى عدم السكوت عن التحرش الجنسي، باستخدام هاشتاغ: #Mesh_Basita #مش_بسيطة، وسط مطالبات باحترام المرأة كإنسان).
يمكن ببساطة إيراد عشرات التقارير عن ظاهرة التحرّش في لبنان، وهذا ليس محلّاً للفخر بالطّبع، ولا يبعث على السعادة أن تكون الظاهرة دارجةً في هذا البلد المعتبر الأكثر انفتاحاً في العالم العربي، لكنّه يدل على أنّ الرجل اللبناني ليس أفضل حالاً من أخيه في بقيّة البلدان العربية من هذه الناحية. علاوة على ذلك، في مقاربة الكاتبة دلال البزري هذا الأمر شيء من العنصريّة والشوفينيّة المبطّنة تجاه الرجال غير اللبنانيين، بقدر ما فيها من تجاهل أو غضّ طرفٍ عن تحرّش اللبنانيين منهم، ويمكن أن نستظهر منها عنصريّة غير واعية ضدّ النساء من غير اللبنانيات اللواتي لم يستطع جمالهنّ المتواضع أن يشبع أعين الرجال في بلادهنّ!.
يبدو أنّ الزميلة دلال لم تتابع مشاركة النساء في المرحلة السلميّة من الثورة السورية طوال عام 
2011 وبداية عام 2012، ولم تشاهد حالة السموّ الأخلاقي التي تمتّع بها الثوار السلميون في تلك المرحلة. يبدو أنها لم تطّلع على مشاركات فدوى سليمان مع عبد الباسط الساروت، رحمهما الله، في حمص، ولم تعرف مشاركات نساء داريا ودرعا ودير الزور، ولم تسمع بنشاطات رزان زيتونه وسميره الخليل في الغوطة الشرقية! ويبدو أنّ الأستاذة دلال لم تشاهد صبايا الجزائر يتظاهرن كتفاً إلى كتف مع الرجال في الشوارع والساحات، ولم تسمع بالكنداكة السودانيّة وأغاني النوبة وهتافات صبايا الخرطوم وأم درمان. وقبل هؤلاء جميعهنّ لم ترَ النساءَ الفلسطينيّات على امتداد ساحات الأرض المحتلّة والوطن العربي، يافعات وصبايا وطاعنات في السنّ حتى، يعتصمنَ ويُضربنَ عن الطعام، يقُدنَ المظاهرات مثل الشباب وأزيَد، من دون أن يخشين التعرّض لنظرات الرجال الجائعة عيونهم للجمال!
كلّنا فخر ولا شكّ بثورة اللبنانيّات واللبنانيين على نظام الفساد والمحاصصة الطائفيّة المقيتة. ونحن نرى في هذه الثورة، كما في ثورة شابّات وشباب السودان والعراق وإيران والجزائر، كسراً للقيد الرابط على أيدينا، وتحطيماً للصخرة الجاثمة على صدورنا في هذا الشرق المثقل بالاستبداد. ولكنّنا في هذا السياق لا نقلّلُ من مشكلاتنا الاجتماعيّة، ولا نطمرها في خبايا الحماسة والانفعال، بل نضع الأصبع على الجرح لنعالجه، متذكّرين أنّ الثورات السلميّة في بداياتها تُظهر أجمل وأرقى ما في الإنسان. فلا تبخسي "الرجال الرجال" حقوقهم، سيدتي الكريمة.