رحيل نعيمة البزاز.. قصة انتحار بطيء ومعلن

10 اغسطس 2020
الصورة
نعيمة البزاز

في قصة قصيرة بعنوان "المحرمات" كتبتهتا الروائية نعيمة البزاز في 2007، تتساءل الشخصية المغربية المهاجرة إلى هولندا: "هل الاكتئاب "شيء هولندي، شيء أوروبي؟ هل الشعور بالاكتئاب جزء من الاندماج؟" ثم تجيبها الأم "المغاربة لا يكتئبون، الأمر كله في رأسك! لا تفكري في الأمر بعد الآن. تناولي طعامًا طيباً وارتدي ملابس أكثر أنوثة". 

أول أمس، انتحرت الروائية المغربية الهولندية نعيمة البزاز (1974-2020) في أمستردام، صارعت اكتئابها الطويل مراراً وتكراراً وقد غلبها هذه المرّة، ناشرها "ليبوسكي" أعلن خبر رحيلها بعبارة حزينة "الكاتبة التي عانت الاكتئاب، انتحرت". كان صراع الراحلة هذا يجري على الورق، في عباراتها وكلماتها: "أنا برميل ملأتموه بالأحكام المسبقة، فمي كبير وسأقول كل شيء بشكل مباشر".

كتبت أول رواية لها "الطريق شمالاً" (1995)، وكان موضوعها هجرة رجل عاطل عن العمل من المغرب إلى هولندا،

جلبت البزاز على نفسها المتاعب، بل الكثير والقاسي منها مع إصدار روايتها "نساء فينكس" (2010)؛ اسم الحي الذي كانت تسكنه، وقد لقيت روايتها نجاحاً وباعت منها ستين ألف نسخة. بروح ساخرة ولغة لاذعة، سجلت البزاز "أخلاق منطقة فينكس"، وكتبت عن العادات والخيانات والأكاذيب والزيف، وقد تعرّف الجيران في كتابها على أنفسهم، وهاجموا منزلها ساخطين وتعرّضت إلى تهديدات كثيرة بعضها بالقتل ومضايقات لا تنتهي، وهي لم تنكر أنهم شخصيات عملها، بل قالت في مقابلة معها "روايتي سيرة ذاتية جداً، يسهل التعرف على الشخصيات فيها، كتبت الحقيقة، كنت الشخص الذي لديه الشجاعة لتدوين ذلك". 

ولدت البزاز، الأمّ لابنتين، في مكناس بالمغرب، وهاجرت عندما كانت طفلة صغيرة مع أسرتها إلى هولندا، حيث نشأت في أسرة انضمت إلى برنامج "العامل الضيف" وهو برنامج يسمح للمهاجر أن يعمل بشكل مؤقت إلى أن يحل محله أحد آخر، وعادة ما تكون طبيعة هذه الأعمال صعبة وبأجر قليل فالعامل الضيف يشتغل في البناء والتنظيف مثلاً.

بطبيعة الحال، فرض البرنامج نفسه طبيعة حياة أسرية قاسية عاشتها البزاز، وكتبت عنها الراحلة أول رواية لها "الطريق شمالاً" (1995)، وكان موضوعها هجرة رجل عاطل عن العمل من المغرب إلى هولندا، وقيل آنذاك إنها أول روائية هولندية من خلفية "برنامج العامل الضيف"، وظهر بعدها بعام واحد روائيين مثل عبد القادر بن علي وحفيظ بوعزة. 

سجلت البزاز "أخلاق منطقة فينكس"، كتبت عن العادات والخيانات والأكاذيب والزيف، وقد تعرف الجيران في كتابها على أنفسهم، وهاجموا منزلها

في عملها "عشيقة الشيطان" (2002)، بدأت تكال لها الإهانات الشخصية، وأقصيت من أقرب الناس إليها، وأُطلقت عليها أحكام أخلاقية مسيئة بسبب المقاطع الجنسية الصريحة التي تضمنتها الرواية، وتكرست هذه النظرة إليها وتحولت إلى تصرفات وامتهانات وهجوم عليها بعد روايتها الثالثة "المنبوذة" (2006)، وهي عن امرأة مهاجرة تقرّر الخروج من بيئتها المحافظة والعيش في بيئة أوروبية أكثر تحرّراً، ومع هذه الرواية بدأت التهديدات تزداد عنفاً ووصلت إلى القتل، وأطلق مجموعة من المهاجرين دعوات على الإنترنت تطالب ذويها بحبسها، وبكل من يراها بأن يبصق عليها وكانت الحجة أن "البزاز تسخر منا نحن المغاربة"، وردت عليهم "من السيئ جدًا ألا تكتب شيئًا بدافع الخوف".

مع نهاية عام 2006، بدأت صحة البزاز النفسية تتردى، كانت تكافح يوماً بيوم لكي تستمر وفعلت ذلك وهي تكتبت روايتها "متلازمة السعادة" (2008)، و"المزيد من النساء (2012)، و"في خدمة الشيطان (2013)، وكلها روايات رصدت فيها مجتمع الجيل الثاني من المهاجرين المغاربة في هولندا، وكشفت عن طبقات الفقر والعنف الممارس داخلها والصراع بين ثقافتين داخل كل إنسان في هذا المجتمع، وكيف يتحول هذا الصراع إلى عنف وكراهية ويتفاقم ويفاقم حياة من هم فيه ويزيدها بؤساً.