Skip to main content
رحلة إلى حيث يصير الدمُ ماءً
ماجد عبد الهادي
مشهد عام في الجولان السوري (20/4/2019/فرانس برس)
منذ نحو عشرين سنة، وكنت حينها مقيماً في رام الله، دعاني أصدقاء سوريون من أبناء مجدل شمس، إحدى قرى هضبة الجولان المحتلة، إلى زيارتها، فتردّدت قليلاً، قبل أن ألبّي الدعوة، وكلي ظن بأني قد لا أرى هناك غير بعض تفاصيل الصور المتجهمة التي ارتسمت في ذهني عن هذه البقعة الجغرافية، أيام طفولتي، ومطلع شبابي، عندما كنت أشاهدها عبر الجهة السورية من خط الهدنة المزمنة مع إسرائيل.
ماذا في الجولان سوى تلك التلال الكئيبة التي طالما هبّت منها رياح صقيعية، لتلفح وجه طفولتي، وتخترق عظامي، في قرية داعل، قرب مدينة درعا، عندما كنت في الثانية عشرة؟ تساءلت، وأنا أتذكّر صوراً أخرى للمكان، غير مشجعة؛ ففي أيام دراستي الجامعية، اعتدت أن أشارك رحلة سنوية إلى "القنيطرة المحرّرة" والأودية المجاورة للهضبة المحتلة، كان ينظمها الزملاء الجولانيون في جامعة دمشق، يوم عيد الجلاء (الاستقلال) الذي يصادف السابع عشر من إبريل/ نيسان كل عام، وتتحوّل مظاهرة سلمية قبالة قطعة أرضٍ قاحلة، إلا من بعض العشب، ويُسَوِّرها جنودٌ إسرائيليون ببنادقهم وآلياتهم العسكرية، مانعين أبناء القرى العربية الدرزية الأربع الباقية على قيد الحياة من أن يقتربوا، لنراهم بالعين المجردة، أو نسمعهم ويسمعوننا، من دون ميكروفونات.
لكن، بلى كان في الذاكرة أيضاً، ولا يزال، ما يستدعي الحنين؛ صورة الصديق الفنان سميح شقير، على الحد الفاصل، وسط ألوف الطلبة، وصوته يهدر بأغنيةٍ تؤجّج حماسهم، وحماس مئات الشبان والشابات المتجمهرين في الجانب الآخر، فيغني الجميع معه، ويتردّد الصدى على السفوح القريبة، من دون أن يقوى جند الاحتلال على منعه؛ "يا الجولان ويا اللي ما تهون علينا، ردادينك من إيد المحتل انطرينا، ولا بد الشمل يلتم، مرخصين فداك الدم، سامعينك يا ما أطول ليلك وانت تنادي علينا... إلخ".
أغوتني، في ثنايا هذا الحنين، أيضاً وأيضاً، فكرة أن أقف على قمة الهضبة، لأطلّ فعلاً، لا مجازاً، على وادٍ مكاني وزماني، كنت عبرته شخصياً، أيام حلمي، وأبناء جيلي، بأننا سوف نتسلق، يوماً، سفوحها محرّرين، وذاك ربما سلوك مازوشي، لا أدري لماذا يستهويني، وأعذّب به نفسي، كلما قادتني دروب الحياة إلى قريةٍ في الجغرافيا، تطلّ على قرية في التاريخ، فأجدني، حين أعود من قطر، إلى الأردن، في إجازتي السنوية، أذهب إلى تلال بلدة أم قيس، في أقصى شمال البلاد، لأتأمل بحيرة طبرية، تتلألأ تحت شمس الغروب، مثلما كنت، في
 سنوات النصف الثاني من تسعينيات القرن الماضي، أهوى المرور، أحياناً، بين بيسان وطبرية، في طريقي إلى الناصرة، لأحدّق في الأفق شرقاً، محاولاً رؤية بيت أهلي على الجهة المقابلة من منطقة الأغوار الأردنية.
كذلك، وجرياً على طريق الألم ذاته، ما كان للمستوطنات التي صدمتني كثرتُها، بعدما لبّيت الدعوة، وعبرت بي السيارة إلى الجولان، مع ثلةٍ من الأصدقاء، سوى أن تعيد إلى ذاكرتي مشهد البيوت التي تحتفظ بدمار "حرب تشرين التحريرية" في "القنيطرة المحرّرة". هنا، يتثاءب المستوطنون الإسرائيليون في أمن واطمئنان، وهناك كان المواطنون السوريون، سيما أبناء المنطقة النازحين في دمشق، يحتاجون، حتى قبل اندلاع الثورة عام 2011، إلى وسيطٍ متنفذ لدى أجهزة الأمن السياسية والعسكرية، إن أرادوا الحصول على تصريحٍ يخوّلهم زيارة أرض، يباهي نظام الحكم بأنه حرّرها في حرب تشرين (أكتوبر) عام 1973، واقتضت اتفاقيات الهدنة، آنذاك، زرعها بمئاتٍ من جنود قوات الطوارئ الدولية.
سحر الطبيعة كان هو الآخر مفاجأة صادمة، واستدعت مقارناتٍ، يصعب سردها جميعاً، في مقالةٍ واحدة، وإن كان أشدها إيلاماً قد داهمني، بعد أن مررت بين مستوطناتٍ غافيةٍ على أكتاف حدائق غناء، ووصلت إلى أعلى قمة في الجولان، لأطلّ، عبر منظار متطوّر، توفره سلطات الاحتلال للسياح والزائرين، فأرى الأراضي السورية الممتدة من حيث كنا نغني في مطلع شبابنا الحالم "يا الجولان وياللي ما تهون علينا" إلى أطراف العاصمة دمشق، تقع كلها تحت مرمى البصر، فما بالك بمرمى المدافع؟!
أمام فائض الأسى، في دلالات المشهد، قال مضيفنا، ابن قرية مجدل شمس، ساخراً بمرارة: "لو اكتفى الجيش السوري باستخدام الحجارة سلاحاً، حين كان يربض على هذه القمم، في حرب حزيران (يونيو) عام 1967 لاستطاع صدَّ الجيش الإسرائيلي، ومنعه من احتلالها"، ثم استدرك جاداً: لكن حافظ الأسد، وزير الدفاع السوري، آنذاك، أعلن سقوط الجولان، بينما كان القتال محتدماً، وربما كان هذا هو ثمن وصوله، بعد ثلاث سنوات، إلى رئاسة البلاد، وبقائه متربعاً عليها، عقوداً طويلة، مستخدماً أعلى نبرات الجمل الثورية ضد إسرائيل، مع أشد أنواع الإجراءات العقابية ضد كل من يقترب من الحدود، ليهدّد أمنها.
سأتذكر، في تلك اللحظة الحزينة، من ذلك الحاضر الذي مضى الآن واندثر، قصصاً مأساوية من الماضي الذي سبق، ولن يمحوه مرور الزمن، عن فدائيين فلسطينيين، كانت منظماتهم تكلفهم، في سبعينيات القرن الماضي وثمانينياته، بالتسلل عبر خط الهدنة بين سورية وإسرائيل، لتنفيذ عملياتٍ عسكريةٍ ضد قوات الاحتلال، فيقعون، غالباً، في قبضة أجهزة أمن الأسد، ويختفون إلى الأبد، كما سأتذكّر أن قرار الكنيست ضم هضبة الجولان، في عهد حكومة مناحيم بيغن، عام 1981، قد ووجه بهبةٍ شعبيةٍ عارمةٍ لأبناء القرى العربية الدرزية الأربع، في حين اكتفى نظام الحكم في دمشق، كما عهدُه دائماً، بالتنديد، ثم سرعان ما دفع بدباباته ومدافعه إلى مدينة حماة، بعد أشهر قليلة، كي يشنّ حرباً مدمرة على معارضيه، انتهت بمذبحةٍ قتل فيها نحو ثلاثين ألف شخص، بينما جرح واعتقل وشرّد ألوفاً آخرين.
وإذ مرّت الآن عقود أربعة تقريباً، على اتجاه الجيش السوري شمالاً، عندما نادى عليه 
الجنوب، سيعود العار ليكرّر نفسه بصورة أشد قبحاً؛ عام 2019، يقرّر الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، الاعتراف بالسيادة الإسرائيلية على الهضبة السورية، فيستأنف بشار الأسد سيرة أبيه، في تدبيج عبارات استنكار القرار المتناقض مع الشرعة الدولية، وفي سفك دم شعبه للسنة التاسعة على التوالي، تاركاً أبناء الجولان، بين براثن عدوٍّ، لا يكتفي بمصادرة أرضهم، بل يمنع عنهم رحمة سمائها.
ولمنع رحمة السماء هنا قصة تروى: على مائدة الغداء، في مزرعة تفاحٍ تشبه الجنة، حكى لنا مضيفنا كلاماً عجيباً عن إجبار إسرائيل أهالي الجولان على أن يدفعوا لها ثمن المطر الذي يهطل على أرضهم. وأمام دهشتنا من الخبر العصي على التصديق، قال موضحاً إن سلطات الاحتلال انتهجت سياسة تقتيرٍ شديدة اللؤم في تزويد فلاحي الهضبة السورية بالمياه اللازمة لري مزارعهم، وهو ما اضطرّهم إلى إنشاء خزّاناتٍ يجمعون فيها مياه الأمطار شتاءً، من أجل استخدامها في الصيف، لكنهم صُدِموا، عند نهاية الموسم، بتلقيهم فواتير من مصلحة المياه الإسرائيلية تدعوهم إلى تسديد ثمن كل متر مكعب، تجمّع لديهم. وعندما استفسروا عن سبب ذلك، جاء الرد حجةً شيطانية، مفادها أنهم حجزوا كمياتٍ من الأمطار، واستولوا عليها، عندما كانت في طريقها إلى مخزون المياه الجوفية الإسرائيلية.
تُرى: من قال إن إسرائيل كان ينقصها اعتراف أميركا بسيادتها على أرض الجولان، ومن ذا الذي لا يرى كيف يصير الدم المسفوك في الغوطة، وحمص، وإدلب، ودرعا، ماءً زلالاً، تشربه دولة الاحتلال العنصري، هنيئاً مريئاً، في مجدل شمس، وبقعاتا، ومسعدة، وعين قنيا؟!