رحلة "سبايس إكس" الأميركية إنذار لبرنامج الفضاء الروسي

01 يونيو 2020
بعد أقل من 19 ساعة على انطلاقها من فلوريدا، التحمت الكبسولة كرو دراغون التابعة لشركة سبايس إكس، والتي تقل رائدي الفضاء بوب بنكين ودوج هيرلي، بمحطة الفضاء الدولية أمس الأحد، لتصبح أول كبسولة أميركية مأهولة تقوم بهذه المهمة منذ 2011.

وتمثل عملية الإطلاق التي نفذتها السبت شركة صناعة الصواريخ الخاصة سبايس إكس المملوكة للملياردير إيلون ماسك، قفزة جديدة في مجال الصواريخ القابلة، لإعادة الاستخدام الذي اقتحمته الشركة بهدف القيام برحلات أقل كلفة وأكثر تكراراً. وكانت صواريخ "سويوز" الروسية الأكثر أماناً والأقلّ كلفةً، تتفرد في إطلاق الرحلات المأهولة.

وتمثل أيضاً أول سابقة لتطوير شركة تجارية مركبات فضائية تنقل رواد فضاء أميركيين، وامتلاكها، وتشغيلها بالكامل، وليس إدارة الفضاء والطيران الأميركية (ناسا).
إيلون ماسك، قال مازحاً: "إن اداة القفز (الترامبولين) أدت عملها"، وذلك رداً على رئيس وكالة الفضاء الروسية الذي سخر قبل ست سنوات من عجز الولايات المتحدة عن إرسال رحلات فضائية مأهولة.

وفي خضمّ توتر بين البلدين، هددت موسكو خلاله بوقف التعاون الفضائي مع واشنطن، قال ديمتري روغوزين عام 2014 إن رواد الفضاء الأميركيين قد يحتاجون إلى "الترامبولين" للوصول إلى محطة الفضاء الدولية.

وصرّح ماسك في مؤتمر صحافي عقده أمس إلى جانب مدير وكالة ناسا جيم برايدنستاين بعد إقلاع ناجح لصاروخ أنتجته شركته سبايس إكس، قائلاً: "إن أداة القفز (الترامبولين) أدت عملها"، وأضاف رجل الأعمال البالغ 48 عاماً: "إنها طرفة" قبل أن يضحك الرجلان.

وأشعل هذا التلميح مواقع التواصل الاجتماعي الروسية، وانتشرت العديد من "الميمات" والنكات على الإنترنت التي تسخر من روغوزين.

وانتشر اسم رئيس وكالة الفضاء الروسية على تويتر في روسيا. وأجبر ذلك المتحدث باسم رئيس وكالة الفضاء الروسية على الرد.
هستيريا
وقال فلاديمير أوستيمينكو في تغريدة على تويتر: "لا نفهم حقاً الهستيريا التي أحدثها إطلاق ناجح لكبسولة كرو دراغون"، مضيفاً: "لقد حدث ما كان يجب أن يحدث منذ وقت طويل".

ويعتبر خبراء أن هذه نهاية الاحتكار، وأن الروس لم يعودوا الوحيدين في إرسال روّاد فضاء إلى محطة الفضاء الدولية، وهو واقع يُفترض أن يدفع برنامج الفضاء الروسي إلى مزيد من الابتكار.

وعلى مدى تسع سنوات، انطلق جميع روّاد الفضاء نحو محطة الفضاء الدولية من قاعدة بايكونور الفضائية، بعد تلقي تدريبات في روسيا وتعلّم اللغة الروسية.

ورحّبت وكالة الفضاء الروسية "روسكوسموس" بإطلاق صاروخ "سبايس إكس". واعتبر مديرها التنفيذي للرحلات المأهولة سيرغي كرياكاليوف، أن "نجاح هذه المهمة سيجلب لنا فرصاً جديدة".

وكتب فلاديمير أوستيمينكو، المتحدث باسم روسكوسموس في تغريدة: "ليست لدينا نية البقاء غير ناشطين. هذا العام، سنقوم بتجربة صاروخين جديدين، والعام المقبل سنستأنف برنامجنا القمري".

ضربة قاسية
غير أن الضربة كانت قاسية بالنسبة إلى الروس، وفق ما ترى إيزابيل سوربي-فيرجي، الباحثة في المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي، والمتخصصة في السياسات الفضائية، قائلة إن "هذه الرحلات كانت فرصة غير متوقعة بالنسبة إلى موسكو لمواصلة إنتاجها صواريخ سويوز والحفاظ على موقعها في المفاوضات حول محطة الفضاء الدولية".

واستفادت وكالة الفضاء الروسية "روسكوسموس" من الأمر مالياً أيضاً، إذ فرضت على وكالة الفضاء الأميركية "ناسا" دفع رسم يبلغ ثمانين مليون دولار عن كل رائد تريد إرساله إلى محطة الفضاء الدولية.

وأشار الخبير في أكاديمية تسيولكوفسكي الفضائية في موسكو أندريه إيونين، إلى أنه إذا أصبحت شركة "سبايس إكس" هي التي تقلّ الروّاد الأميركيين إلى الفضاء، "يمكن أن تتخطى الخسارة السنوية مئتي مليون دولار، وهو مبلغ كبير بالنسبة إلى روسكوسموس وميزانيتها التي تناهز ملياري دولار".

وأكد المتحدث باسم روسكوسموس، الأحد، أن الولايات المتحدة لا تزال تحتاج إلى روسيا. وقال: "من المهم فعلاً أن يكون هناك خياران على الأقل للوصول إلى المحطة. لأن أحداً لا يعرف ما قد يحدث...".

وفيما قال مؤسس شركة "سبايس إكس" إيلون ماسك، إنه سيجعل سعر المقعد على متن مركبة فضائية ستين مليون دولار، أعلن مدير روسكوسموس ديمتري روغوزيت، أنه يسعى إلى خفض سعر المقعد في رحلة إلى الفضاء بنسبة 30%.

وأوضح أندريه إيونين أن شركة "سبايس إكس توفّر عبر استخدام محركات منخفضة الكلفة وعبر تصنيع جميع قطعها تقريباً. أما في روسيا، فيحتاج ذلك إلى تغيير كل عملية الإنتاج".

مقايضة
وهناك احتمال آخر. فقد تحدث رئيس ناسا، جيم برايدنستاين، عن نوع من المقايضة: مقابل كل روسي يحلّق على متن صاروخ أميركي، أميركي يحلّق على متن صاروخ روسي.

وفيما يتجاوز هذه المسائل، اعتبر إيونين أن وصول مركبة سبايس إكس إلى محطة الفضاء الدولية ينبغي أن يكون "منبهاً" لقطاع الفضاء الروسي الذي يعاني من "وضع أسوأ مما يعترف به القادة".

وإذا كانت موسكو تطلق غالبية المركبات الفضائية منذ عشر سنوات، فهي لم تعد تفعل ذلك اليوم، مقابل الصواريخ الصينية وصواريخ سبايس إكس.

وقال إيونين: "عندما كنّا نخسر سوق عمليات الإطلاق، كانت روسكوسموس تقول إن كل شيء على ما يرام، لأننا الوحيدون الذين نقلّ أناساً إلى المحطة. اليوم سقطت هذه الورقة".

ولا يزال القطاع ضعيفاً بسبب الفساد، وتشهد على ذلك فضائح بناء قاعدة فوستوشني الفضائية الجديدة في الشرق الأقصى الروسي.

وجراء نقص الموارد وغياب الإرادة السياسية الحقيقية، ليس هناك ابتكار. ويركز البرنامج الروسي على تحسين "التقنيات السوفياتية"، وفق إيونين.

غير أن تصاعد نفوذ شركات خاصة على غرار سبايس إكس التي تطمح إلى بلوغ كوكب المريخ، يعد قفزة تكنولوجية يصعب اللحاق بها.

الهدف المريخ؟
وفيما يُقال بشكل منتظم إن خدمات محطة الفضاء الدولية شارفت على الانتهاء، اعتبرت إيزابيل سوربي-فيرجي أن رحلة دولية إلى المريخ "ستكون فرصة بالنسبة إلى روسيا لاستعادة مكانتها"، بفضل قاذفاتها الثقيلة وتجربتها الطويلة.

وأضافت أن "تكاليف رحلة مأهولة من هذا القبيل باهظة، وليس ثمة طرف يتخذ قراراً سياسياً"، مشيرةً إلى أنه ينبغي أيضاً إشراك بكين التي باتت ثاني قوة في مجال الفضاء من حيث القاذفات.

وختمت الباحثة بأن "الكونغرس الأميركي لا يزال يرفض أي تعاون مع الصين في مجال الفضاء".

(رويترز، فرانس برس)

تعليق: