رجوع السياحة السورية إلى صباها

02 سبتمبر 2020
الصورة
قوات روسية في تدمر الأثرية وسط سورية (Getty)
+ الخط -

حينما تسمع وزير السياحة السوري يقول إنّ النشاط السياحي في سورية "كبير جداً وغير مسبوق وأكثر من ممتاز"، وإنّ أعداد القادمين إلى البلاد "مدهشة"، فماذا يمكن أن يقفز على البال، خاصة إن كانت لديك خلفية، أنّ مساهمة هذا القطاع في الناتج المحلي الإجمالي، قبل حرب الأسد على الثورة عام 2011، تعدت 14%، وبلغت عائدات السياحة بسورية عام 2010 أكثر من سبعة مليارات دولار أنفقها أكثر من سبعة ملايين سائح.

ستخمّن، بناء على "ممتاز وغير مسبوق ومدهشة وجداً" أنّ الحد الأدنى للجذب والعائدات السياحية، هو كما كان عليه قبل الحرب، إن لم نقل أكثر، وستتابع مخيلتك بالتخمين، أنّ كل ما يقال عن سورية من حرب ودمار وجوع وتهجير، هي محض حملات ترويجية مضادة، هدفها النيل من سمعة البلاد وصمود القائد الأسد بوجه المؤامرة الكونية، أو بصيغة أدق، انتصاره على تلك المؤامرة وعودة البلاد إلى الازدهار، وإلا كيف بلغ النشاط السياحي مراتب "ممتاز وغير مسبوق ومدهشة وجداً".

وأما إن ذهبت السكرة وجاءت الفكرة، كما يقول السوريون بأمثالهم، فلا بد من السؤال عن أعداد القادمين الـ"مدهشة" خلال العام الماضي، التي "دفشت" السيد الوزير لهذا الموقع من التفاؤل والقول: "هذه هي سورية الحقيقية التي نراها اليوم... ولم تتبق غرفة فارغة في كل المناطق وكل المحافظات".

يقول الوزير إنّ 1.121 مليون إنسان دخلوا إلى سورية العام الفائت، من دون أن يوضّح، هل هم سائحون، أم مقاتلون، أم عابرون، لأنّ الوزير يعرف أكثر من غيره، أو هكذا يفترض، أنه لا يجوز وصف العابر بالسائح، إن لم يقض ليلة على الأقل ويأكل بالمطاعم ويزور المواقع السياحية.

موقف
التحديثات الحية

كما من المغالطة القول إنّ المقاتلين الإيرانيين أو العراقيين واللبنانيين سيّاح، لأنّهم لا يقيمون بالفنادق بل بساحات القتال، حتى وإن أنفقوا أو زاروا المراقد المعروفة كالسيدتين، زينب ورقية، أو المراقد المستحدثة بدرعا جنوبي سورية أو بمدن الجزيرة شمال شرقيها.

وكذا المقاتلون الروس، لأنهم يقيمون بمناطق روسية ضمن أراضٍ سورية، استأجروها لنحو نصف قرن ويرفع فوقها العلم الروسي، إن بطرطوس واللاذقية أو بحميميم، ويأتي طعامهم بالطائرات أو يتم إعداده داخل حصون وأسوار مدنهم الروسية ضمن سورية.

وأما حول "لم تبق غرفة فارغة في المناطق والمحافظات السورية" فهنا التوضيح للقارئ واجب، فمدن شمال غربي سورية؛ إدلب وريفي حلب وحماة، هي ساحات حرب حتى اليوم، ومعظم الغرف فيها، الناجية من القصف، فعلاً ممتلئة وتضم أكثر من أسرة، بعد هدم البيوت وتهجير المؤيدين للثورة من المدن الأخرى.

ومدن شمال شرقي سورية؛ الرقة، الحسكة ودير الزور، فتلك خارجة بالعام عن سيطرة الأسد وتخضع لسيطرة متعددة، فمنها ما يرفرف بسمائها علم مليشيات كردية وأخرى العلمان الأميركي والروسي.

لتبقى مدن وسط سورية والساحل ودمشق، فعن تلك المدن تخرج مؤشرات الفقر والبطالة "84%"، ولم يبق فيها أي شيء يشجع السياح على القدوم، اللهم سوى السوري الذي حوله نظام الأسد الابن إلى فرجة.

وما قيل عن الفنادق واكتظاظها، فمن حق القارئ أن يعرف، أنّ سورية وقبل الحرب، لا يوجد فيها أكثر من عشرة فنادق مصنّفة أربع نجوم وما فوق؛ أربعة منها بالعاصمة دمشق وستة موزعة على ثلاث عشرة محافظة.

قصارى القول: بالأمس، وخلال انتشار وباء كورونا الذي حرم إيطاليا وفرنسا وتركيا من السياح، أعادت إدارة الهجرة والجوازات في سورية، ومن دون خجل، أحجية الأرقام ثانية، لتقول عبر مديرها، اللواء ناجي النمير إنّ سورية استقبلت 431 ألف أجبني منذ بداية العام الحالي، منهم 381 ألف عربي، فيما بلغ عدد المغادرين من سورية 449 ألفاً بين أجنبي وعربي.

فإن لم نقف عند رقم المغادرين وزيادته على القادمين، وما تخلل تصريح سيادة اللواء من خلط ومغالطات حول زيادة نسبة السياحة الدينية وقدوم ومغادرة السوريين، لنسأل عن واقع استمرار الحرب واحتمال موت أي عابر وليس سائحاً، جراء إصابته بفيروس كورونا إن نجا من قذائف الأسد.

وبعد فقد ربع مليون سوري يشتغلون بالقطاع السياحي عملهم وتهدّم 1400 منشأة، من ذا الذي جازف بحياته وترك برج إيفل وماشو بيشو وسور الصين وتاج محل، ليزور قلعة الصمود وبلد التصدي؟!

نهاية القول: لا علاقة بين العنوان وما كتبه الإمام أحمد بن سلمان "رجوع الشيخ إلى صباه في القوة على الباه" وإن قارب قارئ بين القضيتين، فذاك شأنه وما التشابه بين العنوانين إلا محض مصادفة ولا علاقة لعودة السياحة بأي محرضات أو مقويات أو حتى إغراءات، أتى عليها الشيخ الجليل بفصول كتابه الثلاثين.

المساهمون