رجم الزاني.. ملاحظات على "قراءة ثانية"

28 يونيو 2019
الصورة
تناولت الحلقة الثانية الأسبوع الماضي من برنامج "قراءة ثانية"، في تلفزيون العربي، رجم الزاني المحصن، وهل هو حد ثابت أم عقوبة تعزيرية. ولي عليها عدة ملحوظات، خصوصا ما طرحه الشيخ عصام تليمة:
أولا: القول برجم الزاني المحصّن هو قول الصحابة والتابعين وتابعيهم، لم ينقل لنا عنهم غيره، وهو قول المذاهب الثمانية الحية: (المذاهب الأربعة والمذهب الظاهري من مذاهب السنة، ومذهبي الجعفرية والزيدية من مذاهب الشيعة، ومذهب الإباضية وهو الباقي من مذاهب المحكِّمة الذي رفضوا التحكيم، وخرجوا على خلافة الإمام علي رضي الله عنه)، وقول جموع المجتهدين ممن انقرضت مذاهبهم، كالليث والأوزاعي وأبي ثور والطبري، وقول جميع المفسرين والمحدِّثين والشُّرَّاح، مع خلافات فيما يتحقق به الإحصان.
ولم يخرج، طوال ما يقارب أربعة عشر قرنًا، عن القول إن حد الزاني المحصن هو الرجم، إلا الأزارقة، أتباع نافع بن الأزرق. ولم يكن قولهم هذا نابعا من دعاوى "الرحمة" أو "الإنسانية"، بل لأن منهجهم شديد الظاهرية والحرفية، فقد نقل الشهرستاني عنهم أنهم لا يقولون بجلد قاذف المحصّن، وإنما الحد لقاذف المحصّنة المنصوص عليه في القرآن، وأمور أخرى أكثر تطرّفًا، وهذا يعطينا تصوُّرًا للحرفية الشديدة في تفكيرهم. وقد نُسب هذا القول أيضا للنظَّام من المعتزلة.
ثانيًا: قد تضافر العلماء والمحدثون على ردّ حجة الخوارج، التي توسع في نقلها الإمام الرازي، ثم تعقبها بالرد والتفنيد. وفي هذا الزمن المعاصر، أضاف الشيخ محمد أبو زهرة حججا أخرى، إلا أن جميع هذه الحجج لا تستقيم إلا بشرط واحد، هو اطّراح الأحاديث، والاعتماد على اللغة وحدها في التعامل مع القرآن باعتباره نصًّا لغويًّا بيانيًّا، وهو ما لا يقول به أحدٌ من هؤلاء العلماء.
ثالثًا: قد ثبت حكم الرجم بالسنة، ولم يثبت بالقرآن، وقد روى أكثر من سبعة عشر صحابيًّا أحاديث الرجم، ووصلت إلى حد التواتر المعنوي الذي يُفيد العلم، أو على أقل حال الشهرة التي اتفق جميع الفقهاء أنها يخصّص بها عام القرآن.
رابعًا: التقرير الذي أعده تلفزيون العربي منحاز من البداية، بشَّع الرجم طريقةً لعقاب الزاني 
المحصّن، وبشّع ما فيه من "فضح سره بين الناس"، وهذه الطريقة في تناول الأحكام تعدٍّ على الأحكام الواردة في القرآن نفسه، فالقرآن ذكر الجلد للزاني غير المحصّن، وأمر بأن "يشهده طائفة من المؤمنين"، فهل أراد كاتب التقرير إلغاء عقوبة الجلد أيضا أم إلغاء نص القرآن بشهود الناس لهذه العقوبة؟! ثم قال التقرير إن عقوبة الرجم "لا تزال محل خلاف حتى اليوم" (وتأمل في دلالات "لا تزال" و"حتى")، والحقيقة أن الخلاف لم يطرأ إلا في الخمسين سنة الأخيرة، وخلاف الخوارج كان محصورًا في طائفةٍ قليلة وقد انتهى سريعًا. وهذا الخلاف المعاصر إنما هو بفعل الانهزام أمام ضغط الثقافة الغربية الغالبة التي صارت تحدّد معايير الرحمة والإنسانية. ثم إن التقرير نَفَى، وبكل أريحية، أحاديث الرجم، وبمجرد الهوى حين قال "محمد المبعوث رحمة للعالمين، لا يمكن أن يعذّب الخاطئين بهذه الطريقة". هذا مع أن كلًّا من المتحدِّثَيْن في الحلقة اعترف بوقوع الرجم في عهد النبوة! وجعل التقرير إثبات الرجم "مروياتٍ" وأقوالا لـ"الفقهاء القدماء"، ولرأي "تاريخي" كما وسمه التقرير!
خامسا: وقد أحسن فتحي أبو الورد (أطروحاته للماجستير عن العقوبات في الإسلام) في بيانه أن الشريعة أوسع من العقوبات، وأن العقوبات أوسع من الحدود، وأن المطلوب، قبل إقامة الحدود، إطعام الجائع وتعليم الجاهل وتأمين الخائف وإغناء الفقير. وأزيد على ما قال أن الشرع متشوّفٌ لعدم إقامة الحدود، خصوصا حد الزنى، فقد شدَّد الشرع في إثباته، فجعله بأربعة شهود، وهو أمر شبه مستحيل، إلا إذا كان الزنى على قارعة الطريق! وقد قَعَّدَ الفقهاء قاعدة هي في الأصل حديث نبوي: "ادرأوا الحدود بالشبهات". وهم متفقون على أن الستر أوْلى من الشهادة على الزاني، خصوصا إذا لم يكن من المجاهرين بالمعصية المعلنين بها، بل إنهم جعلوا ستر الزاني على نفسه أوْلى من اعترافه لإقامة الحد عليه، ووجدنا الخلفاء الراشدين يقولون لمرتكب ما يستوجب الحد، أفعلت؟ قل: لا. بل وجدنا الصحابة يدرأون الحد بشبهاتٍ بعيدة وتمحلات، فنجد سيدنا علي يقول لشراحة: ويلَك، لعل رجلًا وقع عليك وأنت نائمة. قالت: لا. قال: لعله استكرهك. قالت: لا. قال: لعل زوجك من عدونا هذا أتاك فأنت تكرهين أن تدلي عليه.. يلقِّنها لعلها تقول نعم.
وكان لعبد الرحمن بن حاطب جارية نوبية صلّت وصامت، لكنها أعجميةٌ لا تفقه، فحبلت، وكانت ثيبًا، فسألها عمر، فقال: حبلتِ؟ قالت: نعم من مرغوش بدرهمين. وإذا هي تستهل (تعلن) بذلك لا تكتُمه. قال عثمان: أراها تستهل به، كأنها لا تعلمه، وليس الحد إلا على من علمه. ودُرئ عنها الحد بذلك. إلى غير ذلك من الآثار والمخارج الفقهية التي وضعها الفقهاء لدرء الحدود. .. وإنما شدّد الإسلام الحدود ليكون هذا التشديد رادعًا نفسيا للمجتمع، ولمن تضعف نفسه وتغلبه شهواته، وليكون هذا التشديد حمىً للمجتمع عن الإعلان بالفاحشة.
سادسا: ملاحظات عديدة على ما طرحه الشيخ عصام تليمة الذي تبنى رأيا يقول إن الرجم ليس حدا:
1. أنه اجتزأ رأي ابن قتيبة في كتابه "تأويل مختلف الحديث" (وليس "تأويل مشكل القرآن" كما أخطأ فيه الشيخ عصام)، فنقل عن ابن قتيبة أنه قال: لو صحّ أن الإحصان هو النكاح لسلم رأي الخوارج وصح. وبهذا يتوهم مشاهد الحلقة أن ابن قتيبة يذهب مع هذا الرأي، بينما الحق على خلاف ذلك، ولو أنه نقل كلام ابن قتيبة كاملا لظهر الأمر، وهذا قول ابن قتيبة: "وذهبوا [يعني الخوارج] إلى أن المحصّنات: ذوات الأزواج. قالوا: وفي هذا دليلٌ على أن المحصّنة حدّها الجلد"، ثم أخذ ابن قتيبة في الرد على هذا القول وتفنيده فقال: "ونحن نقول: إن المحصّنات لو كن في هذا الموضع ذوات الأزواج، لكان ما ذهبوا إليه صحيحًا، ولزمت به هذه الحجة، وليس المحصّنات ها هنا إلا الحرائر. وسمين مُحصنات، وإن كن أبكارًا؛ لأن الإحصان يكون لهن وبهن، ولا يكون بالإماء. فكأنه قال: فعليهن نصف ما على الحرائر من العذاب، يعني: الأبكار. وقد تسمّي العرب البقرة "المثيرة"، وهي لم تثر من الأرض شيئًا".
ولشرح قول ابن قتيبة، ينبغي العلم أن مذهب الجمهور على أن الزواج بالإماء لا ينقل الرجل إلى الإحصان، وكذلك زواج المرأة بالعبد. وبهذا فمعنى قول ابن قتيبة: أن الأبكار الصالحات للإحصان بالزواج أطلقت عليهن الآية أنها من محصِنات أو محصَنات على القراءتين، باعتبار ما هي مهيأة له، كما تسمّى البقرة المعدة لإثارة الأرض المثيرة وإن لم تثر الأرض. وهذا القول لابن قتيبة مناقضٌ لما يفيده قول الشيخ عصام تليمه.
2. نقل الشيخ عصام عن العز أنه توقف في علّة رجم المحصّن، وهنا تدليس واضح، إذ لا ارتباط بين القول بالحكم وفهم علته، والعز بن عبد السلام يقول برجم المحصّن الزاني، حتى لو لم يفهم علته، كما قال: لم أقف على المفسدة المقتضية لرجم الثيب الزاني، وقد قيل فيها ما لا أرتضيه. وقد ذكر بعدها أنه لا يفهم أيضا علّة تحريم ربا الفضل وربا النسيئة، فكونه لم يفهم العلة لا تعني أنه ينكر الحكم.
3. قال الشيخ عصام: إن تعريف الحد عند الأحناف يختلف عن الجمهور. وهذا هو تعريف 
الحدود عند الكاساني في "بدائع الصنائع"، وهو من معتمدات مذهب الأحناف: وفي الشرع: عبارة عن عقوبة مقدرة واجبة حقا لله تعالى عز شأنه. وهو التعريف نفسه بألفاظه الذي ذكره الخطيب الشربيني الشافعي في "مغني المحتاج شرح المنهاج".
4. قال: حديث آية الرجم ذُكِر في البخاري، ردًّا على مناظره، فتحي أبو الورد، حينما ذكر خطبة عمر، مذكِّرا بأن حكم الله هو الرجم. وقال عصام تليمة: الإشكال كان موجودا في عهد عمر لذا قال ما قال. .. والحق أن حديث عمر، في بعض رواياته، لا ذكر لآية الرجم، ونصّه يدل على أنه استشرافٌ من عمر كما ذكر أبو الورد، ومتن الحديث الذي أقصده قول عمر: لقد خشيتُ أن يطول بالناس زمانٌ، حتى يقول قائل: لا نجد الرجم في كتاب الله، فيضلّوا بترك فريضة أنزلها الله، ألا وإن الرجم حقٌّ على من زنى وقد أُحصن، إذا قامت البيّنة، أو كان الحَبَل، أو الاعتراف، ألا وقد رجم رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجمنا بعده.
وقد روي الحديث في مسند أحمد وغيره أن عمر قال: أَلا وإنَّ أناسًا يقولون: ما بالُ الرَّجمِ في كتابِ اللهِ الجلدُ؟.. لكن أعلَّ جمال الدين المزي في "تحفة الأشراف" هذه الرواية وغيرها (حديث 10595، و10599)، ما يوحي أن الإشكال كان موجودا في عهد عمر. ولن أناقش هنا مسألة المنسوخ تلاوة، لكن أذكِّر باستفاضة أحاديث الرجم.
5. نسب عصام تليمة إلى إسماعيل سالم (صاحب كتاب البحث الفقهي) أنه يقول: إن الرجم ليس حدًّا، وقد وجدت عصامًا في بعض مقالاته نسب ذلك إلى رسالة: نفاة الرجم وفقه آية الرجم، لإسماعيل سالم، والحق أن سالم، بعد أن نقل أقوال المفسرين في آية التنصيف، وناقش ما ذهب إليه الشيخ محمد أبو زهرة، قال: وإذا كانت آية التنصيف [فعليهن نصف ما على المحصّنات من العذاب] دليلًا قويا لنفاة الرجم، فإن السؤال الذي يرد على الخاطر: ألم يثبت الرجم في السنة؟ وأجاب: بلى. ثم أثار أسئلة عن مكانة تلك الأحاديث، وهل هي متواترة أم أخبار آحاد، وهل هذه الوقائع قبل آية النور [والزانية والزاني فاجلدوا كل واحد..] أم بعدها.. ثم قال: هذه الأسئلة وأشباهها مما يتصل بعقوبة الرجم يحتاج إلى بحث آخر.. ولعل الله يوفقنا إلى تأليفه، ويمن علينا بتوفيقه. .. فهل يفهم القارئ من هذا أنه يُنكر حد الرجم أو يقول بنسخه؟!
6. وضع الشيخ عصام تليمة قاعدة، لا أدري أين أجدها في كتب الفقه: أن كل عقوبة وردت في القرآن هي حدّية، وكل عقوبة وردت في السنة هي تعزيرية، وضرب لذلك مثلا بأنه ورد في السنة حادثة "اغتصاب" لم يُقِم فيها النبي حد الرجم، ليثبت أن الرجم حكم تعزيري، واستشهد بحديث ذكره بمعناه، وسأذكره بألفاظه: خرجت امرأة إلى الصلاة، فلقيها رجل فتجلَّلها بثيابه، فقضى حاجته منها، وذهب وانتهى إليها رجل، فقالت له: إن الرجل فعل بي كذا وكذا. فذهب الرجل في طلبه، فانتهى إليها قومٌ من الأنصار، فوقفوا عليها، فقالت لهم: إن رجلًا فعل بي كذا وكذا، فذهبوا في طلبه، فجاءوا بالرجل الذي ذهب في طلب الرجل الذي وقع عليها، فذهبوا به إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: هو هذا. فلما أمر النبي صلى الله عليه وسلم برجمه قال الذي وقع عليها: يا رسول الله، أنا والله هو، فقال للمرأة: "اذهبي فقد غفر الله لك"، وقال للرجل قولا حسنا، فقيل: يا نبي الله، ألا ترجُمه، فقال: "لقد تاب توبة لو تابها أهل المدينة لقبل منهم".
وهذا الحديث ضعفه شعيب الأرناؤوط كما قال الشيخ عصام، وحسّنه الشيخ محمد ماصر الدين الألباني "بمتابع"، يعني بمصطلح أهل الحديث حسَّنَه لغيره! (الحديث 900 من السلسلة الصحيحة). ولي عدة استدراكاتٍ على ما قال عصام، منها:
- أن النبي لم يرجم الرجل في ظاهر الحديث، وإنما عفا عن العقاب، وغاية ما يحتج به هنا 
هو قول بعض الفقهاء، كابن القيم: أن للحاكم العفو عن الحد إذا علم توبة صاحبه، أي أن الرجم عقوبة ثابتة، إلا أن يطمئن القاضي إلى صدق توبة الزاني المحصّن، فيجوز له حينئذ ألا يوقع عليه الرجم. وهذا قيد لتوقيع العقوبة، وليس نفيا للرجم، ولا هو إثبات أنها عقوبة تعزيرية، كما أراد أن يستدل بذلك.
- ثم إن الحديث رُوِيَ بطرق أخرى أثبتت الرجم، ففي رواية الترمذي: فقال لها اذهبي، فقد غفر الله لك. وقال للرجل قولا حسنا، وقال للرجل الذي وقع عليها ارجموه. وقال: لقد تاب توبة لو تابها أهل المدينة لقبل منهم. وفي المُسند أيضا وفي سنن ابن ماجه: استكرهت امرأةٌ على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدرأ عنها الحد، وأقامه على الذي أصابها، ولم يذكر أنه جعل لها مهرًا.
- ثم قال ليحاول التهوين من أحاديث الرجم إن رواتها 19 صحابيا من بين 120 ألفا.. أي أنه يحاول التهوين من أحاديث متواترة، بينما يستدل لرأيه بالحديث الضعيف الذي لم يصحّحه من صحّحه إلا بوجود متابع في مقابل اطراحه للحديث المتواتر، وهذا مذهبٌ جديدٌ وغريبٌ في إثبات الأحكام ونفيها. ثم اختار من بين روايات الحديث الضعيف روايةً وحيدة، ليس فيها ذكر العقوبة، ثم اعتمد عليها، وهذه الرواية حتى لو ثبتت فلا تنفي الحد، ولا تجعله تعزيرا بحال.
7. قال الشيخ عصام، في محاولته إنكار تواتر أحاديث الرجم: 19 صحابيا من 120 ألف صحابي، وهذا كلام لا يقوله أحد يدَّعي العلم، فمعلوم للكافة أن عدد رواة الأحاديث من الصحابة لا يزيد على ألف وثمانمائة صحابي على وجه التقريب، كما ذكر ابن الأثير، سبعة منهم لكل واحد أكثر من ألف حديث، وأحد عشر صحابيًّا لكل منهم أكثر من مائتي حديث، وواحد وعشرون صحابيًّا لكل واحد منهم أكثر من مائة حديث، وأما أصحاب العشرات فكثيرون يقربون من المائة، وأما من له عشرة أحاديث أو أقل من ذلك فهم فوق المائة، وهناك نحو ثلاثمائة صحابي روى كل واحدٍ منهم عن الرسول صلى الله عليه وسلم حديثًا واحدًا. وأسد الغابة أوسع كتابٍ في ذكر الصحابة لم يذكر من الصحابة غير سبعة آلاف وخمسمائة وأربعة وخمسين صحابيًّا. والحديث الذي يمثّل به علماء الحديث على التواتر هو: "من كذب علي متعمدا" ذكر البزار أنه رواه أربعون من الصحابة، وذكر غيره أنه رواه اثنان وستون نفسًا. فما قاله الشيخ عصام هنا هو أقرب إلى محاولة إبهار الجمهور لا أكثر ولا أقل، وكذلك كلامه الذي لا صلة له بالموضوع، كعقوبة ناكح البهيمة (للعلم، معتمدات المذاهب الأربعة أن عقوبته تعزيرية) واللائط، وكلامه عن التفرقة بين الفرض والواجب عند الأحناف.
8. وقد فعل الأمر نفسه (محاولة الإبهار)ـ وهو يرد على قول الشيخ متولي الشعراوي في قوله تعالى: {فعليهن نصف ما على المحصّنات من العذاب} بأن العذاب إيلام حي، أما الرجم فإزهاق حياة، فقال الأخ عصام خرّيج كلية الدعوة (وهي كلية تعطي ثقافة إسلامية عامة، وصورة شاملة للعلوم الإسلامية تؤهل خريجها للخطابة لا للتصدر للإفتاء): الشيخ الشعراوي غير متخصّص في الفقه، وسأرد عليه باللغة والبلاغة. ثم قال: إن لفظ العذاب الوارد في العقوبة كله بمعنى الرجم (يقصد آيات سورة النور مع أن الشيخ يتحدّث في آية سورة النساء)، وربنا يقول في الملاعنة: {وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ} ثم قال: وأقرب مذكور هنا هو الرجم. ولا أدري ما دخل (أقرب مذكور) هنا، إنما يذكر أقرب مذكور في الضمير الغائب، فنعيده إلى أقرب مذكور، إلا أن تأتي قرينة تصرفه إلى الأبعد، لكن الجمهور يعجب بمثل هذه المصلحات، ولو كانت في غير سياقاتها.
ولو قال إن "أل" في كلمة العذاب "للعهد الذِّكْري"، لربما كان لكلامه بعض الوجاهة. أي العذاب الذي ذكرناه في قوله تعالى: {وليشهد عذابهما طائفة}. والحق أن العذاب للعهد الذهني، أي العذاب الذي تعرفونه لمثلها، وهو الرجم، كما يقول طالب للطلاب في بداية حصة الرياضة، جاء الأستاذ فسيعلم الطلاب أنه أستاذ الرياضة للعهد الذهني.
ولا أدري من الذي قال إن اللفظ إذا تكرّر في السياق نفسه يلزم أن يكون له المدلول نفسه! وهذا يرده قول الله تعالى: {الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم} فالناس الأولى غير الناس الثانية. والرد على الشيخ الشعراوي رحمه الله تعالى أبسط من هذا، وهو أن الرجم إيلامٌ ينتهي بالموت، والعذاب قد ينتهي بالموت والإهلاك كما قال الله تعالى: {وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا}.
9. قال الأستاذ عصام: لم تصح حادثة واحدة تدلّ على رجم الخلفاء الراشدين، والحق أن 
البخاري روى حديثين يدلان على وقوع الرجم في عهد الخلفاء بعد زمن النبي: حديث عمر الذي ذكرناه، وفيه: ألا وقد رجم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورجمنا بعده. وللشيخ عصام تحفّظ عليه، بسبب موقفه من نسخ التلاوة. ولكن روى البخاري حديثًا آخر عن الرجم في خلافة علي: وهو قول الشعبي، عن علي رضي الله عنه، حين رجم المرأة يوم الجمعة، وقال: قد رجمتها بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. ذكره البخاري في باب "رجم المحصّن"، وذكر بعده حديث ابن أبي أوفى الذي يتعلل به القائلون بالنسخ: عن الشيباني: سألت عبد الله بن أبي أوفى: هل رجم رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: نعم، قلت: قبل سورة النور أم بعد؟ قال: لا أدري. ليدلّ على أن الرجم غير منسوخ، وقد فصل ابن حجر الأدلة على وقوع الرجم، بعد نزول آية النور "فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة".
9. قرأت، وأنا أحضر لمقالي للشيخ عصام في مقال له قديم على موقع "مصر العربية" بعنوان "تاريخية الرأي الفقهي النافي للرجم حدا": ولقد عنيت وبحثت في أقوال القدامى، عمن يكون مال إلى نفس الرأي، بتعزيرية الرجم، فلم أجد في كتب المذاهب، إلا أني وجدت ابن القيم يشير إلى قول طائفةٍ بأن الرجم سياسة في قضية رجم اليهوديين، وإن عقب عليه بأنه قول قبيح.
والحق أن ابن القيم في "زاد المعاد" لا يتحدث عن رجم الزاني المحصّن المسلم، وإنما عن هل تقام الحدود على غير المسلمين من أهل الذمة، وكلامه جاء تحت عنوان: "فصل في حكمه صلى الله عليه وسلم على أهل الكتاب في الحدود بحكم الإسلام"، وانتصر ابن القيم لإقامة الحدود على أهل الكتاب، وأورد حديث رجم النبي لليهوديين، ثم نقل آراء من خالف ذلك، وكيف تأولوا الحديث، وكان من بين تأويلات الحديث قول طائفة: طائفة: رجمهما سياسة. قال ابن القيم: وهذا من أقبح الأقوال، بل رجمهما بحكم الله الذي لا حكم سواه. .. وسنحسن الظن ونقول: إن الأخ عصاما لم يفهم كلام ابن القيم على وجهه!
10. بقيت نقطة، وهي استشهاد الشيخ عصام بقول الله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا} وفسر الفاحشة هنا بالزنى، وقال الرجم لا يضاعف. والحق أن الشيخ عصام لو أتعب نفسه قليلا لعلم أن من المفسّرين من قال في الفاحشة هنا هي معصية الرسول والنشوز، لأن الآية جاءت في سياق تخيير أمهات المؤمنين، بعد أن سألن رسول الله زيادة النفقة، فاخترن الله ورسوله، ثم على القول بالزنى، فالمضاعفة في الآخرة لا في الدنيا، فالله قال: {يُضاعف} بالمبني للمفعول، ولم يقل فضاعفوا لهن العذاب، وآيات الحدود يأتي الأمر فيها للمؤمنين صريحا (فاجلدوا كل واحد منها – فاقطعوا أيديهما – فاجلدوهم) ثم إن الله ختم الآية بقوله: {وكان ذلك على الله يسيرا}. والآية جاء في مقابلها: {ومن يقنت منكن لله وتعمل صالحا نؤتها أجرها مرتين، وأعتدنا لها رزقا كريما} ف (من يأت منكن بفاحشة) في مقابل (ومن يقنت منكن لله وتعمل صالحا) و(يُضاعَف لها العذاب ضعفين) في مقابل (نؤتها أجرها مرتين).
بقيت نقطة أن مكان هذه الموضوعات العلمية الدقيقة قاعات الدرس، لا شاشات الفضائيات، ولا مواقع النت، فتناول موضوع مثل "رجم الزاني المحصّن"، وتحديد "حكم الله فيه"، هو موضوعٌ علمي تتداخل فيه علوم: التفسير والحديث والفقه وأصوله والبلاغة واللغة... إلخ، يبين بواسطتها المجتهد المالك لآلة الاجتهاد حكم الله للناس كما فهمه. وليس هذا موضوعا مُشاعا تتحكّم فيه آراء الإعلاميين أو المشاهدين أو غير المتخصّصين، فهؤلاء ولو أجمعوا على شيء فإنهم لا يتأهلون لتغيير ما استقر عليه الفقه، وجرى عليه أهل العلم.
في الختام: القول إن الرجم ليس حدا يحتاج إلى أدلةٍ قاطعة قوية، وهو أمر متعذّر، بل يستحيل القول به، لأنه يحتاج أحاديث تفوق في الصحة الأحاديث المتفق عليها، وإجماعا ينقض إجماع الصحابة، ومذاهب علماء تعلو على المذاهب الثمانية، وهذا في حكم المستحيل.. هذا لو أننا لم نؤلف دينا جديدا غير الإسلام، دينا يوافق هوى الحضارة الغربية!
أسأل الله أن يلهمنا رشدنا، وأن يرزقنا جميعًا الإخلاص له وحده، وأن يجنّبنا تقحم حمى الاجتهاد، ونحن لا نحمل أدواته.
5E6785AF-6A4A-469D-9D3D-477F97812F0F
أحمد النسناس