رجل يقف ضد إمبراطورية

07 ابريل 2020
+ الخط -
كلما شاهدت فيلماً مثل هذا الفيلم الجريء وجدتني أقول لنفسي متحسراً: "هذا بالضبط ما أريده لا أكثر ولا أقل في بلادنا العربية، لست أحمق لكي أتصور أنني سأعيش في بلد يختفي فيه الشر تماماً، لكنني أريد أن أعيش في بلد حتى لو ارتكب ساسته الشر، يكون من حقي كمواطن مقاومة هذا الشر باستخدام حريتي في التعبير والرفض دون أن يتم بسهولة قتلي في حادث غامض أو الزج بي في السجن، لست أتصور أنني يمكن أن أنهي الشر من الوجود، لكنني لا أريد أن أتعرض للإنهاء بمنتهى البساطة وأنا أسعى لإنهاء الشر من الوجود".

أن تشاهد فيلم (حروب قذرة Dirty Wars) في أي مكان في العالم كوم، وأن تشاهده في دار سينما في قلب نيويورك كوم آخر، فأنت بصدد فيلم لا يحكي قصة خيالية تنتظر إعجابك بطريقة سردها، ولا يقدم هجائيات خطابية عن جرائم المؤسسة العسكرية الأميركية، بل يعرض بالصوت والصورة الجرائم التي ارتكبتها القوات الأميركية باسم مكافحة الإرهاب، وبالأخص جرائم الضربات الجوية التي توجهها الطائرات بدون طيار (الدرونز)، ويلتقي ببعض ضحايا تلك الضربات حول العالم من اليمن إلى أفغانستان إلى الصومال إلى العراق، ويطارد المتسببين فيها في قلب الولايات المتحدة وخارجها، وبرغم كل ذلك لم يتم منعه من العرض في قلب مهرجان نيويورك للأفلام التسجيلية في عام 2013، بل ووصل إلى القائمة النهائية للأفلام المتنافسة على جائزة أوسكار أحسن فيلم وثائقي طويل عام 2014، وحصل أيضاً على الجائزة الكبرى في مهرجان بوسطن للأفلام المستقلة، وجائزة أفضل فيلم وثائقي من مهرجان وارسو الدولي، وجائزة أفضل تصوير في مهرجان ساندانس الشهير الذي نافس فيه أيضا على جائزة أفضل فيلم وثائقي، ونافس بقوة على جائزة أحسن سيناريو لفيلم وثائقي في مهرجان اتحاد كتاب أميركا، كما حصل من مهرجان ليتل روك على جائزة أفضل فيلم وثائقي بالإضافة إلى جائزة خاصة تمنح لمن يظهرون الشجاعة الفائقة في صنع الأفلام وهي جائزة قلما تنطبق على أية أفلام سينمائية بقدر ما تنطبق على هذا الفيلم وعلى صانعيه المخرج ريك راولي والسيناريست ديفيد رايكر الذي شارك في كتابة السيناريو مع جيريمي سكاهيل مؤلف كتاب (حروب قذرة: العالم ميدانا للمعركة) المأخوذ عنه الكتاب، والذي لعب أيضاً بطولة الفيلم، وهي بطولة ليس بالمعنى السينمائي فقط، بل وبالمعنى الإنساني أيضاً، لأنه ليس من السهل أبدا أن تأخذ على عاتقك مهمة البحث عن الحقيقة دون أن تخشى اتهامك بمساندة الإرهاب الذي يهدد بلادك بالفعل، ودون أن تفقد إنسانيتك التي ترفض إيقاع العقاب الجماعي على الأبرياء، ودون أن تيأس من تذكير أبناء وطنك بأن مكافحة الإرهاب بعشوائية وبدون أداء حذر يتميز بالوعي لن تؤدي إلى أي نتيجة سوى المزيد من صناعة الإرهاب.


تقدم لنا المشاهد الأولى من الفيلم جريمي سكاهيل داخل العاصمة الأفغانية كابول وهو يستعد لخوض مغامرة خطيرة قد تكلفه حياته إذا وقع في قبضة قوات طالبان التي تمتلك السيطرة على الطرق ليلاً، وتتركها للقوات الحكومية نهاراً، وهي مغامرة الذهاب إلى قرية أفغانية تعرضت لضربة جوية من طائرة بدون طيار أدت إلى قتل عشرات الضحايا خلال حفل زفاف تعامل معه الأميركان على أنه تجمع لحركة طالبان الحليفة لتنظيم القاعدة، لترينا الكاميرا لوعة أهالي القتلى على فقدان أبنائهم الذين لم تكن لديهم أي صلة بطالبان، لدرجة أن واحداً من القتلى كان ضابط شرطة تلقى تدريبه على أيدي القوات الأميركية، وحصل على شهادات تقدير بسبب تفوقه، ووسط صراخ أبيه وأمه وهما يريان الكاميرا صور ابنهما مع الضباط الأميركان خلال تدريبه وعمله، يكتشف المشاهد الأميركي أن ضحايا الضربة الجوية التي تعامل معهم المسئولون الأميركان ببرود شديد بوصفهم "أضرار جانبية"، تحول أقاربهم وأحبابهم إلى أعداء لأميركا لا يمانعون إطلاقا من الثأر منها، ولا يمكن أن يبذلوا أي استعداد لمقاومة حركة طالبان التي كانوا قبل تلك الضربة أعداء لها.

يكشف الفيلم أن القيادة العسكرية الأميركية في أفغانستان بعد أن تسربت أخبار مجزرة حفل الزفاف إلى الصحف، وأثارت ضجة في الرأي العام الأفغاني، ظنت أن الأمر يمكن أن يمر بسلام لو زار مسئول عسكري القرية وحاول ترضية سكانها، وهو الخيط الذي يلتقطه جيريمي سكاهيل عندما يقوم بالتركيز على صورة هذا المسئول العسكري، ويبدأ في البحث عنه طيلة الفيلم لعله يساعد في تقديمه هو وقادته إلى العدالة، ليتلقى سكاهيل تهديدا جاءه من مسئول عسكري يطالبه بالتوقف عما يفعله، لكنه قام بتصعيد الأمر وظهر في عدد من وسائل الإعلام الأميركية، للحديث عن التهديد الذي تلقاه، ليثير حديثه ضجة إعلامية كفلت له أن يكمل فيلمه حتى النهاية.

بدأ جيريمي سكاهيل العمل على الفيلم في أوائل عام 2010، عندما سافر إلى افغانستان مع صديقه المخرج ريك رولي الذي كان يعمل معه في بغداد قبل ذلك، والتي كان سكاهيل قد أنجز فيها في 2008 كتابه الأول المهم عن منظمة بلاك ووتر التي كان رجالها يعملون كقتلة بالأجر لحساب الجيش الأميركي، وقد حاز الكتاب مرتبة متقدمة في قائمة نيويورك تايمز للأعلى مبيعاً، وقد أثار الكتاب ضجة يستحقها، لأنه كشف فضيحة استعانة الحكومة الأميركية بمرتزقة بلاك ووتر لأول مرة داخل أميركا عقب اعصار كاترينا، وهو ما أدى إلى فتح تحقيقات في الكونجرس ووزارة الأمن الداخلي الأميركي.

عند سفر الإثنين إلى أفغانستان، كان ريك رولي يريد عمل فيلم عن أفغانستان، بينما كان سكاهيل يبحث عن مادة لتقرير حول تأثيرات سياسة أوباما الخارجية على الأرض، لكن اكتشافهما لواقعة قصف حفل الزفاف، هو الذي قادهما إلى فكرة الفيلم ليبدءا العمل فيه على الفور. يذهب الفيلم من أفغانستان إلى اليمن لكي يقدم بشكل موثق وبتصاعد مدهش كيف قامت الولايات المتحدة ولأول مرة بتوجيه الضربات الجوية الخاطفة لقتل مواطن أميركي ضاربة عرض الحائط بكل المحاذير القانونية التي تمنع قتل مواطن أميركي دون محاكمة، والمدهش أن المواطن الذي تبنى الفيلم قضيته بتعاطف شديد لم يكن سوى المواطن الأميركي من أصل يمني أنور العولقي الذي تم اعتباره واحداً من أخطر المطلوبين على قوائم الإرهابيين في السنوات الأخيرة.

يقدم الفيلم قراءة مهمة في رحلة تحول أنور العولقي من واعظ بشوش يمتلك شعبية لا بأس بها، إلى إرهابي هارب في جبال اليمن، كاشفا أن أهم أسباب تحول العولقي إلى التطرف كان تشدد قطاعات واسعة من المجتمع الأميركي في التعامل مع المسلمين والعرب بعد أحداث 11 سبتمبر التي كان العولقي رافضاً قوياً لها، لكن لهجته إزاءها تغيرت، بعد أن تزايدت المضايقات التي يلقاها العرب والمسلمون ليس فقط من المواطنين المتشددين، بل من أجهزة الدولة الأميركية، لينتهي به المطاف هارباً خارج أميركا ثم قتيلاً بفعل طائراتها المسيّرة عن بعد، ليس هو فقط بل وابنه الصغير الذي راح ضحية غارة جوية طائشة أطاحت بمجموعة من الأطفال الأبرياء، الذين يعرض الفيلم صورهم المفزعة مقدما لقاءات محزنة مع من بقي حياً من أسرهم، دون أن يخشى صناعه من محاكمتهم بالتعاطف مع إرهابيين أو تقديمهم صوراً يمكن أن تؤدي إلى التحريض على ضباط الجيش الأميركي الذين يقامون الإرهاب.


أخطر ما قدمه فيلم (حروب قذرة) خلال رحلته لتغطية الحرب الأميركية على الإرهاب في مناطق متفرقة حول العالم، كان ما عرضه كاتبه جيريمي سكاهيل عند سفره إلى الصومال، حيث التقى هناك بواحد من قادة الميليشيات المسلحة في الصومال والذي يعمل لحساب القوات الأميركية، ويقوم بمقاتلة التنظيمات الإسلامية المتطرفة لحسابها مقابل الحصول على أموال أميركية، معترفاً بكل صراحة بأنه يقوم بقتل الأسرى بعد الإمساك بهم دون أن يتعرضوا لأي محاكمة أو تحقيق، ودون أن يتم علاجهم لو كانوا جرحى، وعندما يسأله جيريمي أمام الكاميرا ثانية عما قاله، ليتأكد هل يعي ما يقوله أم لا، يظهر الرجل عدم مبالاته ويكرر اعترافه بجرائم الحرب التي ارتكبها، مؤكداً أن الأميركان يعرفون ما يفعله، ومع ذلك يدفعون له، لأنهم مهتمون بالنتيجة التي يحققها لهم، وليس بالفظائع التي يقوم بها للوصول إلى تلك النتيجة.

حين سألت صحيفة (الجارديان) البريطانية جيريمي سكاهيل عن رده على رأي بعض النقاد فيه، أنه نسي مهمته الإعلامية وتخلى عن موضوعيته المهنية وتحول إلى (صحفي تقدمي) أو (ناشط سياسي) وهل يسعده ذلك أم يغضبه؟، رد قائلاً أنه لا يرفض أو يقبل أوصافاً كهذه لأن لديه مشكلة شخصية معها، فهو لا يرى نفسه إلا صحفياً مستقلاً مهمته تقتضي نقل روايات أشخاص حقيقيين لا يجدون من يوصل صوتهم إلى العالم، مضيفاً أن إطلاق وصف الموضوعيين على بعض الصحفيين يكون غالباً لأنهم يقبلون النسخة الرسمية من الأحداث وينقلونها إلى الناس، أما الصحفيون الذين يرفضون رواية الدولة الرسمية ويتهمونها بالكذب ويفتشون عما بها من أخطاء وتزييف، يتم تلطيخهم من قبل وسائل الإعلام الرسمية بالقول إنهم تحولوا إلى نشطاء، فيُحرمون من تاج "الموضوعية" الذي يتم إلباسه فقط لمن يتبنون الروايات الرسمية للأحداث.

جيريمي سكاهيل البالغ من العمر 39 عاماً وقت العرض الأول لفيلمه في 2013، درس التاريخ في جامعة ويسكونسن، وقضى سنة يعمل في ملجأ للمشردين في العاصمة الأميركية واشنطن، ينظف الحمامات ويمسح الأرضيات ويصطحب المسنين إلى الأطباء، ثم تغيرت حياته عندما استمع إلى برامج القناة الشهيرة (الديمقراطية الآن)، والتي تقدم رؤية مختلفة للأحداث عن التي تسود في برامج الإعلام الذي يطلق عليه الليبرالي، ليبدأ في مطاردة مذيعة القناة الشهيرة إيمي جودمان طالبا منها أن تمنحه فرصة العمل معها، حتى حصل على تلك الفرصة التي غيرت حياته، لينتقل بعد ذلك للعمل في التلفزيون في برنامج وثائقي من تقديم وانتاج المخرج الوثائقي الأشهر مايكل مور الذي يصفه جيريمي بأنه "السيد"، ثم انتقل سكاهيل بعد ذلك للعمل في مجلة "ذي نيشن" كمراسل حربي، وهو العمل الذي غير حياته وظل مستمراً فيه لسنوات، لكنه بعد أن أنجز فيلمه الأخير أعلن حرصه على التوقف عن العودة إلى ساحة المعارك ثانية، لأنه شعر أنه مستنزف، ويحتاج إلى فترة هدنة يرتاح فيها من عناء حمله لكل الآلام التي شاهدها خلال رحلة السنوات الأربع التي قضاها في صنع فيلمه المرير.

عندما يواجه مراسل الجارديان جيريمي سكاهيل بنقد كتبه ناقد بارز بصحيفة بوسطن جلوب يتهمه بالنرجسية والغرور لأن الفيلم بأكمله يتمحور حوله فقط، رد بذكاء وهدوء قائلاً إن نقدا مثل هذا لا يزعجه، بقدر ما تزعجه حقيقة أن المشاهد الغربي لن يشاهد باهتمام فيلماً عن نتائج الحرب الأميركية القذرة في البلاد العربية، إلا إذا كان بطله غربياً، وهو النقد الذي وجهه له ناشط أميركي من أصل يمني خلال عرض الفيلم في واشنطن، وقد أثر فيه ذلك النقد وجعله يفكر في كيفية تجاوز هذه المشكلة في المستقبل، ثم يؤكد سكاهيل أنه خلال صناعته للفيلم اختار أن يتم حكاية الفيلم من وجهة نظر مواطن غربي لعل ذلك يساعد على وصول الفيلم إلى الطبقة العاملة التي ينتمي إليها، فيشاهده والداه الذين يعملان كممرضين، وعمه الذي يعمل كمقاول بناء ولم يهتم أبدا بالسياسة، لكي يوصل إليهم وإلى غيرهم تعقيد وتركيب ما يحدث منذ ما بعد 11 سبتمبر باسم الحرب على الإرهاب وباسم حماية أميركا من أعدائها.

أما عن تمحور بناء الفيلم حول رحلته الشخصية لمطاردة الحروب القذرة في مناطق متفرقة من العالم، يقول سكاهيل إن ذلك لم يكن مخططا له منذ البداية، لكنه وشركائه فوجئوا بعد فترة من صناعة الفيلم أن لديهم 4 ساعات من المواد الخام المفزعة التي يمكن أن تفقد المشاهد قدرته على التواصل مع الفيلم بسبب بشاعة ما بها من حقائق، وهنا لجأوا إلى كاتب السيناريو ديفيد رايكر الذي ساعدهما على وضع الشكل النهائي للفيلم الذي جاء مشوقاً في طريقة عرضه، ولكن على طريقة أفلام الرعب التي تجعل شعر رأسك يقف، لكنك ترفض التوقف عن المشاهدة لمعرفة إلى أين ستنتهي رحلة مطاردة المتسببين في جرائم كهذه؟

أعلم أنك قبل مشاهدة الفيلم، قد تجد نفسك متأثراً بنظريات المؤامرة التي ترى أن صناعة فيلم مثل هذا يمكن أن تكون قد تمت بالإتفاق مع الأجهزة الأميركية لتحسين صورة أميركا وإظهارها أمام العالم بمظهر الدولة الديمقراطية التي لا تضع قيوداً على مناقشة أخطر الموضوعات الشائكة، وهي وجهة نظر لن أرد عليها بتذكيرك بالدستور الأميركي الذي تكفل مواده وتعديلاتها حرية التعبير إلى أبعد مدى، ويجعل من حق كل من يتعرض للمساس بحريته أن يلجأ إلى المحكمة العليا للتظلم من ذلك، وبأن كل محاولات التيارات اليمينية المحافظة للحد من حرية الإعلام في ملفات شائكة مثل مكافحة الإرهاب لا تواجه بتخاذل من التيارات اليسارية والليبرالية، بل تواجه بمقاومة شرسة تصعب من مهمة كل من يرغب في إخراس الباحثين عن الحقيقة بدعوى الحفاظ على الوطن وصيانة مؤسساته السيادية من النقد.

لن أقول لك كل ذلك، بل سأدعوك لأن تشاهد فيلم (حروب قذرة) إن استطعت إليه سبيلاً، وأزعم أنك ستدرك أن الفيلم أبعد من أن يكون ترساً في أي ماكينة دعاية من أي نوع، وأن من يقف خلفه فنانون شجعان رفضوا أن يكونوا أفراداً في القطيع الإعلامي السائد، ورفضوا أن يرفعوا شعار لا صوت يعلو فوق صوت المعركة، ووضعوا إنسانيتهم فوق كل اعتبار يمكن أن يزايد به عليهم الأوغاد الذين يتخذون من الوطنية ملجئاً وملاذاً، وأنا على ثقة أنك عندما تشاهد ما قدموه، ستجد نفسك تنحني لهم احتراماً وتقديراً، قبل أن تهتف من قلبك "اوعدنا يارب".

...

ـ فصل من كتابي (من صندوق الدنيا) يصدر قريباً بإذن الله ـ