رجب يورولماز: تركيا مستعدة لمواجهة أي تحركات تمس بمواردها من الطاقة

09 يناير 2020
الصورة
يورولماز أكد محورية تركيا في قطاع الطاقة بالمنطقة(العربي الجديد)

أثارت تحركات تركيا في مجال الطاقة معارضة إقليمية ودولية، وفي هذا الإطار أكد رجب يورولماز، أستاذ الاقتصاد بجامعة يلدريم بيازيت، ومدير الدراسات الاقتصادية بمركز دراسات الشرق الأوسط (أورسام)، استعداد بلاده لمواجهة أي محاولات تمس بمواردها، وإلى نص الحوار.

* افتتحت تركيا رسميا، خط أنابيب السيل التركي "ترك ستريم" لاستيراد الغاز من روسيا، ما مدى حاجة البلاد لهذا الخط؟ وما هي أهداف المشروع؟

تقع تركيا في موقع جغرافي بين الدول المنتجة للطاقة في منطقتها من ناحية، والأسواق الأوروبية المتطورة للطاقة من جهة أخرى، ويوفر هذا الموقع لتركيا فرصًا ومسؤوليات من حيث أمن الطاقة بالمنطقة، وهي لا تزال مقتنعة بالحاجة إلى تعزيز هذا الدور الفريد الذي يقدمه موقعها الجغرافي الاستراتيجي، وأثناء تطوير استراتيجيتها للطاقة، تهدف تركيا إلى تعزيز موقعها بين ممرات الطاقة.

وتكمن أهمية تدشين السيل التركي "ترك ستريم" في أن أوروبا لا تستطيع إيجاد طريق بديل لتلبية احتياجاتها من الغاز الطبيعي، وروسيا لا تريد أن تفقد هذا السوق، كما أن تركيا بحاجة متزايدة للموارد الطبيعية وتهدف لأن تصبح مركزًا للطاقة في المنطقة. ويوفر الخط عائدات لأنقرة تصل إلى 546 مليون دولار مقابل مروره بأراضيها باتجاه أوروبا، إضافة إلى فرص توظيف 13500 شخص في المشروع، وأخيرًا، سيساعد على تطوير العلاقات بين تركيا وروسيا وزيادة حجم التجارة بينهما.

بوتين وأردوغان يدشنان السيل التركي (الأناضول) 


* هل يمكن أن يتأثر خط السيل التركي بالعقوبات الأميركية الجديدة على الشركات التي تنفذه؟

الولايات المتحدة تستهدف روسيا من خلال تطبيق عقوبات جديدة على الشركات التي نفذت المشروع. والدافع الرئيسي لأميركا والاتحاد الأوروبي هو تقليل الاعتماد على الطاقة من روسيا، ورغبة الولايات المتحدة في تصدير غازها المسال للسوق الأوروبية، ومع ذلك، أكدت روسيا استمرار مشاريعها، وأن هذه العقوبات هي مثال على المنافسة غير العادلة.

* وما هي التداعيات المتوقعة لهذه العقوبات على تركيا؟

لم يتضرر الاقتصاد التركي بشكل كبير من العقوبات الأميركية حتى الآن، ولكن إذا زادوا حجم وصياغة الأهداف المحددة للعقوبات، فقد يكون ذلك ضارًا بالاقتصاد التركي على المدى الطويل.

ومع ذلك، خاصة بعد الاضطرابات السياسية الحالية مع إيران، ستحتاج الولايات المتحدة إلى تركيا أكثر في المنطقة. لذلك، على الأقل في المستقبل القريب، لا يمكنهم فرض عقوبات جديدة على تركيا.

*ماذا عن خط غاز "تاناب" القادم من أذربيجان؟

يهدف المشروع إلى تشجيع الاستثمار وتحسين سوق الغاز التنافسي في تركيا. وسوف يوفر أيضا سلامة العرض والتنوع في سوق الغاز الأوروبي، حيث سيكون وسيلة لفتح ممر جديد للغاز من أذربيجان للوصول إلى أوروبا مع تعزيز التعاون الاقتصادي بين البلدين في سلسلة التوريد.

يستطيع هذا المشروع نقل 16 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي سنويًا. سيتم تصدير 10 مليارات متر مكعب منها إلى أوروبا، وستستخدم 6 مليارات متر مكعب في السوق التركية.

لذلك، سيكون لأنقرة مصدر بديل للطاقة لتلبية احتياجاتها المتزايدة من الطاقة على المدى الطويل مع مشروع تاناب، الذي سيوفر لها الغاز الطبيعي بسعر أرخص من باقي خطوط الغاز المستوردة، وخلق فرص عمل جديدة.

* تتوسع تركيا في استيراد واستكشاف مصادر الطاقة، فهل حجم الاستهلاك يتطلب ذلك أم أنها تسعى للتحول إلى مركز ومصدر للطاقة بالمنطقة؟

هدف تركيا الرئيسي هو أن تصبح مركزًا لتجارة الطاقة في المنطقة. تزداد حاجة تركيا من الطاقة كل يوم، وبالتالي فهي بحاجة إلى تنويع مورديها وخفض كلفة مصدر الطاقة.

مشروع السيل التركي (الأناضول) 


ستساعد هذه المشروعات في تنويع مصادر الطاقة وتقليل كلفتها بالنسبة لتركيا، كما أن مصادر الطاقة الحالية لا يوجد لها بديل حتى الآن. من ناحية أخرى، تستثمر تركيا أكثر في المصادر المحتملة في شرق البحر المتوسط. تمشيا مع هذا الاستثمار، شرعت الحكومة في بناء مصانع لتسييل الغاز الطبيعي.

* بدأت تركيا فعليا بالاستكشاف والتنقيب في مياه شرق المتوسط، فهل لديها توقعات مؤكدة بوجود النفط والغاز في هذه المنطقة؟

بناء على دراسات عديدة، يحتوي حوض المشرق على حوالي 1.7 مليار برميل من احتياطي النفط، وحوالي 3.45 تريليونات متر مكعب من احتياطي الغاز الطبيعي؛ كما يحتوي حوض النيل على 1.8 مليار برميل من احتياطي النفط القابل للإزالة، و6 مليارات متر مكعب من الغاز الطبيعي المسال، ويبلغ إجمالي احتياطيات الغاز الطبيعي 6.3 تريليونات متر مكعب. لذلك، هناك تنافس كبير في المنطقة من حيث امتلاك قوة هذه الموارد الكثيرة والتحكم في طرق نقل هذه الموارد.

ويصل استهلاك الغاز الطبيعي السنوي في تركيا إلى أكثر من 50 مليار متر مكعب. لذلك، فإن أي استكشاف جديد مهم ومن ثم تحتاج تركيا إلى استكشافات كبيرة نسبيًا لتغذية استهلاكها.

* وماذا عن العقوبات الأوروبية والأميركية؟

تركيا تسعى للحصول على حقوقها بموجب قانون البحار الدولي عن طريق البدء في التنقيب في المنطقة، وتعزيز موقعها في البحر الأبيض المتوسط، الذي تزيد أهميته الجيواستراتيجية في ظل الصراعات الحالية في المنطقة.

أما بخصوص العقوبات، فهي ليست بالقوة التي تهدد الاقتصاد التركي، كما أن الأهمية الجيواستراتيجية للمنطقة وحماية حقوق قبرص التركية أمر حيوي بالنسبة لتركيا، لذلك، لن تتوقف عن الدفاع عن حقوقها بالبحر المتوسط تحت أي ظرف من الظروف حتى لو تضرر اقتصادها.

* دشنت مصر وعدد من الدول منتدى للغاز في شرق المتوسط وتم استبعاد تركيا وعدد من دول المنطقة منه، هل يمكن أن تنشئ أنقرة منتدى موازيا أو تتعاون مع المستبعدين؟

كما ذكرت، تم تأسيس تحالفات إقليمية، وأدت هذه الشراكات إلى تفاقم الأزمات الحالية في المنطقة. لقد أثارت هذه التحالفات تركيا، حيث جعلتها خارج اللعبة.

يقوم مشروع شرق المتوسط على توصيل الغاز الإسرائيلي إلى الأسواق العالمية، فإسرائيل التي كانت من قبل لا تستطيع تصدير مواردها إلا لمصر والأردن، وتريد الوصول إلى الأسواق الأوروبية والعالمية، وأمامها ثلاث طرق للقيام بذلك؛ الخيار الأرخص والأكثر منطقية، أن يتم نقل خط أنابيب إسرائيل - حيفا - جيهان باستخدام الاحتياطيات الحالية عبر تركيا إلى أوروبا، والثاني، هو نقل الغاز الطبيعي إلى أوروبا عبر منشآت الغاز الطبيعي المسال في مصر.

أما الأخير فهو خطة الوصول إلى أوروبا عبر اليونان من خلال شرق المتوسط، وهو ما تدعمه الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي.

ومع ذلك، فإن الكلفة العالية، وتحديات المنطقة الاقتصادية الخالصة ومناقشات الجرف القاري تجعل الخطة صعبة.

أيضا بالنسبة لمشروع شرق المتوسط، فهو غير قانوني، فقبرص (اليونانية) اتخذت خطوات أحادية الجانب في المنطقة، كما أن اتفاقيات الترخيص التي أبرمتها الجهات الفاعلة في المنطقة مع الشركات حولت الحدث إلى لعبة شطرنج متعددة الجنسيات أكثر تعقيدًا.

الدافع الأكبر للدول الأوروبية لدعم المشروع، وهي خارج الإقليم، هو كسر الضغط الروسي سياسيا بإيجاد مصادر بديلة.

ونظرًا لأن التحالفات الإقليمية الحالية تستثني دولًا مثل سورية ولبنان وليبيا وفلسطين وتركيا، فإن لهذه الدول الحق في الدفاع عن حقوقها في موارد الطاقة في شرق المتوسط، فبالإضافة إلى استبعادهم، فإن الشركاء الرئيسيين بالتحالفات الحالية يحتلون حقوق البلدان المستبعدة في موارد المنطقة.

على سبيل المثال، تحتل اليونان نصف الجرف القاري في ليبيا، وتحتل إسرائيل بعض المواقع اللبنانية وجميع حقوق فلسطين.

وفي هذه المرحلة، تهدف تركيا إلى الجمع بين جميع الشركاء المستبعدين في ظل قضية مشتركة.

* إلى أي مدى يمكن أن تساعد الاتفاقية مع ليبيا في تحقيق استراتيجية تركيا للطاقة؟

تكمن الأهمية الاستراتيجية لتركيا من خلال هذا الاتفاق في تحديد الجرف القاري للبلدين، وبموجب هذا الاتفاق، وضعت تركيا الحدود الغربية لمناطق الاختصاص البحري في شرق البحر المتوسط، وبالتالي، فإن هذا الاتفاق من شأنه أن يعزز موقف تركيا في المنطقة من خلال منع أي مشاريع خطوط أنابيب مثل "شرق المتوسط".

* أكدت إسرائيل أنها سوف تقوم بتصدير الغاز مباشرة إلى جنوب أوروبا من خلال أنابيب في البحر المتوسط، فهل يمكن أن ينشأ تعاون معها في هذا الإطار؟

تنبني سياسة إسرائيل الجديدة الخاصة بضمان السلامة بالاعتماد على الناتو بدون تركيا. ومع ذلك، فإن إسرائيل بحاجة ماسة إلى تركيا لنقل مواردها من الطاقة إلى أوروبا.

تركيا هي البديل الأكثر منطقية لإسرائيل لنقل الطاقة. ومع ذلك، في حال حصول أي اتفاق ممكن بين الطرفين؛ يجب أن تكون جنوب قبرص واليونان والاتحاد الأوروبي مقتنعين، وسيكون من الصعب على إسرائيل نقل طاقتها إلى أوروبا دون دعمهم.

* إلى أي مدى تتوقع نجاح تركيا في تحقيق أهداف استراتيجيتها للطاقة في ظل خطتها لتركيا 2023؟

الهدف الرئيسي لتركيا هو تقليل اعتمادها على الطاقة الأجنبية من خلال أن تصبح مركزًا للطاقة في المنطقة باستخدام موقعها الاستراتيجي، بينما تحافظ على أمنها الخاص من أجل الوصول إلى الهدف المتمثل في أن تكون مركزًا للطاقة ومركزًا تجاريًا في مجال الطاقة، فإنها تتخذ خطوات مهمة في مجال توفير الموارد في المنطقة. وتركيا هي الطريق الأكثر أمانًا لأي خط أنابيب للطاقة، وهذا سيساعدها على تحقيق أهدافها في المستقبل القريب.

مشروع تاناب للغاز (الأناضول) 


*احتياجات تركيا ومواردها من الطاقة في أرقام

- بلغ الطلب على الطاقة في تركيا 136.2 مليون طن في 2016، واحتل النفط المرتبة الأولى بنسبة 31٪، تلاه الغاز الطبيعي والفحم بنسبة 28٪ لكل منهما.

-يذهب 25٪ من الطاقة للصناعة، و24٪ للإسكان والخدمات، و23٪ لتوليد الكهرباء، و20٪ لقطاع النقل، والباقي يذهب للقطاعات الأخرى.

- في عام 2017 غطى الإنتاج المحلي 25.9٪ من احتياجات تركيا من الطاقة الأولية مقابل 74.1٪ للمصدر الأجنبي.

- بلغت احتياطيات تركيا النفطية عام 2017 نحو 324 مليون برميل، ويبلغ الإنتاج 17.9 مليون برميل، يكفي لمدة 18 عاما، كما أنتجت تركيا 4.8 مليارات متر مكعب من الغاز في عام 2017، يكفي احتياطي الغاز الطبيعي القابل للاستخراج 13.5 عامًا تقريبًا.

- سجلت تركيا أسرع نمو في الطلب على الكهرباء بين أعضاء منظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي، بمعدل نمو سنوي قدره 5.5٪ منذ عام 2002، ومن المتوقع أن يزيد استخدام تركيا للطاقة بنسبة 50٪ خلال العقد المقبل.

- اعتبارًا من يوليو/تموز 2019، أصبح لدى تركيا قدرة تبلغ 90.4 غيغا وات، مما يمثل زيادة ثلاثة أضعاف ما كانت عليه منذ 15 عامًا.

- قبل العقوبات الأميركية الأخيرة على طهران، كانت تركيا تستورد 51% من احتياجاتها من النفط الخام من إيران، يليها العراق ثم روسيا، كما استوردت تركيا 19 % من احتياجاتها من الغاز من روسيا، تليها إيران، بينما تستورد حوالي 90% من الفحم الصلب من روسيا وأستراليا والولايات المتحدة.

- إجمالا تستورد تركيا ما يزيد عن 74٪ من احتياجاتها من الطاقة، حيث تمثل المصادر الأجنبية 92٪ من حاجتها النفطية و98٪ من الغاز الطبيعي و50٪ من الفحم.

- حققت تركيا أسرع نمو في الطلب على الطاقة خلال السنوات العشر الماضية بين دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، حيث بلغ إجمالي واردات الطاقة 527.8 مليار دولار في تركيا بين عامي 2005 و2017، وهو ما يمثل تقريبا خمس إجمالي واردات تركيا في نفس الفترة.

- تعتمد تركيا في توليد الكهرباء على مصادر متنوعة، كالغاز الطبيعي بنسبة 37٪ والفحم 33٪، والمصادر الكهرومائية 20٪ والرياح 6٪ والطاقة الحرارية الأرضية 2٪ ومصادر أخرى بنسبة 2٪.

- تبلغ قدرة مشروع خط أنابيب تاناب لنقل الغاز من أذربيجان نحو 16 مليار متر مكعب سنويًا، سيتم تصدير 10 مليارات متر مكعب منها إلى أوروبا، وسيتم استخدام 6 مليارات متر مكعب في السوق التركية.

- تبلغ قدرة خط أنابيب السيل التركي لنقل الغاز من روسيا نحو 31.5 مليار دولار، نصفها موجه للسوق التركية والنصف الباقي لأوروبا.