رجال أعمال تونسيون يهرولون للانتخابات: نفوذ المال يتعاظم

18 اغسطس 2019
الصورة
التونسيون يترقبون تحسن معيشتهم (Getty)
تسجل الترشحات لبرلمان تونس القادم حضورا لافتا لرجال الأعمال الذين يتصدرون قوائم الدوائر الانتخابية في الكثير من محافظات البلاد، فيما تكاد تنحصر المنافسة بين فاعلين اقتصاديين في محافظات سوسة وصفاقس ونابل.
ولا تخلو القوائم المتقدمة للانتخابات التشريعية من رجل أعمال أو أكثر جلّهم رؤساء لهذه القوائم بعدما ترك "لوبي" رجال الأعمال في البرلمان الحالي بصماته في عدد من القوانين الاقتصادية والموازنات التي أقرها المجلس.

وتتكثف عمليات ترشيح رجال الأعمال في الدوائر ذات الثقل الاقتصادي، على غرار تونس الكبرى وصفاقس وسوسة ونابل وفرنسا، وهي الدوائر ذاتها التي مثلها رجال الأعمال في البرلمان المنبثق عن انتخابات عام 2014.
وتثير ترشيحات رجال الأعمال على رأس قوائم للانتخابات البرلمانية التي تجرى في تونس في أكتوبر/ تشرين الأول القادم مخاوف من فرض منظمات الأعمال سيطرتها على مجلس نواب الشعب وتأثير ذلك على القوانين التي ستحال إليه، فضلا عن سيطرة الأثرياء على الانتخابات عبر شراء أصوات الناخبين وكسب الاستحقاق على حساب منافسيهم ممن لا يملكون المال الكافي لتمويل حملاتهم.

ولا تخفي منظمات مستقلة مخاوفها من توسع حضور رجال الأعمال في البرلمان من دورة إلى أخرى، مشيرة إلى أن الأثرياء لن يدافعوا عن حقوق الفقراء وسينتجون قوانين وموازنات في خدمة مصالحهم الشخصية.
ومن هذه المنظمات التي أبدت تخوفا من زيادة نفوذ المال في البرلمان منظمة "أنا يقظ"، وجمعية الشفافية المالية، وجمعية الشفافية المالية ومكافحة الرشوة والفساد، وهي كلها منظمات تمثل المجتمع المدني.

واعتبرت هذه المنظمات أن كثافة ترشحات رجال الأعمال للحصول على مقاعد في البرلمان تكشف رغبتهم في التمتع بالحصانة البرلمانية لخدمة مصالحهم الخاصة فيما يبقى تمثيل الشعب والدفاع عن قضاياه ومشاغله مسألة ثانوية لديهم.
من جھته، يعتبر عبد الواحد طراد، رئيس جمعية الشفافية المالية لمكافحة الفساد والرشوة، في تصريحات صحافية مؤخرا، أن لوبیات الفساد المدعومة بنفوذ المال متغلغلة في مختلف مفاصل الدولة وفي جل القطاعات الحیوية وفي مراكز القرار، بما في ذلك المؤسسة التشريعية، مشيرا إلى أن هذه اللوبيات يمكن أن تقف سدا منیعا أمام كل محاولات التصدي للفساد ووضع الأسس والتشريعات والقوانین المكافحة لها.

وعبر طراد عن مخاوفه من تواصل تھمیش التطرق إلى المواضیع والمشاغل الحقیقیة ذات العلاقة بالفساد، على غرار التھريب والتجارة الموازية وتبيیض الأموال خلال الفترة المقبلة، مما يعنى مزيدا من تغوّل الفاسدين والتأسیس مرة أخرى لسلطة يحكمھا الفساد.
وكشفت نتائج الباروميتر العالمي لمكافحة الفساد لمنظمة "أنا يقظ" (منظمة مدنية)، أن التونسيين يعتبرون أن أكثر جهة ينخرها الفساد في تونس هي الدوائر الحكومية (المسؤولون الحكوميون) 31%، يليها البرلمان 30% (الرقم هذا تضاعف مقارنة بسنة 2015 حيث كان 15%)، ثم رئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة بالتساوي 25%.

وقال رئيس المنظمة أشرف العوادي لـ"العربي الجديد"، إنه بالرغم من المخصصات الكبيرة التي رصدت لتوعية المواطنين من قبل برامج التعاون الدولي وتمرير قانون حماية المبلغين عن الفساد، إلا أن 71% من المواطنين يشعرون بأنه لا دور لهم في الحرب على الفساد، وأن 1 من بين 5 منهم يقدم رشاوى لقضاء مصالحه.
ويمثل رجال الأعمال المترشحون للبرلمان المقبل قطاعات الصناعة والسياحة والخدمات، وهم ينتمون في الأغلب إلى العائلات الاقتصادية الكبرى والنافذة في جهاتهم وبتونس عموما.

في محافظة سوسة الساحلية مثلا، من المنتظر أن يتنافس على مقاعد البرلمان رجال أعمال من الوزن الثقيل، وهم رضا شرف الدين عن حزب قلب تونس الذي يدير واحدا من أكبر مخابر الأدوية "UNIMED" التي أسّسها منذ سنة 1989، وحافظ الزواري عن حزب البديل التونسي الذي يستحوذ على شركات سيارات "ماهندرا" و"سانغ يونغ" بالإضافة إلى وجوده في قطاع النقل البريّ للمحروقات عبر "الشركة المغاربيّة للنقل البرّي"، وحسين جنيح عن حزب تحيا تونس الذي تدير عائلته سلسلة من أكبر الفنادق في تونس.

أما في دائرة صفاقس، فيقود رجل الأعمال بسام الوكيل قائمة مستقلة. والوكيل ينتمي لعائلة تدير واحدة من أكبر المجموعات الاقتصادية في تونس التي تنشط في قطاع مبيعات السيارات والعقارات. وتقوم المجموعة بتوزيع السيارات في تونس لعلامات "مازدا "و"سيتروان".

محافظة بنزرت سجلت هي الأخرى حضورا لرجال الأعمال ضمن قوائمها للانتخابات التشريعية، حيث يترأس رجل الأعمال مهدي بن غربية قائمة حزب تحيا تونس، وهو الذي سبق له خوض التجربة البرلمانية منذ عام 2011.
وبن غربية يمتلك العديد من الشركات التي تختصّ في مجال النقل والسياحة والعقّارات، كما شغل منصب رئيس غرفة الوكلاء الديوانيّين صلب الاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليديّة (منظمة رجال الأعمال)، وترأس النادي الرياضي البنزرتي، كما شغل منصب وزير مكلف بالعلاقة مع الهيئات الدستورية والمجتمع المدني وحقوق الإنسان.

النائب بالبرلمان الحالي لطفي عليّ، الذي جدد ترشحه لدورة برلمانية جديدة، سيكون ضمن خارطة رجال أعمال البرلمان الجديد في حال فوزه بمقعد عن دائرة محافظة قفصة.
وعلي، الذي يدير شركة مختصّة في المقاولات، يمتلك واحدة من أكبر الشركات العاملة في هذا المجال وهي "الشركة العامة للمقاولات والأشغال العموميّة" والتي يقع مقرّها الرئيسيّ في مدينة قفصة، كما يمتلك العديد من الاستثمارات في مجال مواد البناء ومحاجر الرخام وغيرها من الأنشطة التي ترتبط بمجال استثماره الأساسي.

قائمة رجال الأعمال المتطلعين للحصول على مقاعد برلمانية تتضمن كذلك سليم الرياحي، الذي يترأس قائمة "ائتلاف الوطن الجدي" دائرة "فرنسا 1"، وعلي الحفصي عن "نداء تونس" في محافظة توزر، وكمال الحمزاوي عن قائمة "تحيا تونس " بمحافظة القصرين.
وقدر حضور رجال الأعمال في تركيبة البرلمان الحالي (2014 - 2019)، بحسب موقع "نواة"، بـ11 بالمائة، حيث يقدر عددهم بـ25 نائبا من جملة 217 عضوا بمجلس نواب الشعب.

وفي هذا السياق، قال الخبير الاقتصادي بلحسن الزمني إن حضور رجال الأعمال بكثافة في قوائم الانتخابات التشريعية أمر متوقع وليس استثناء تونسيا، مشيرا في تصريح لـ"العربي الجديد"، إلى أن كل برلمانات العالم تعرف تكتلات لرجال الأعمال للدفاع على مصالحهم.
وأضاف أن بصمات رجال الأعمال في برلمان تونس كانت واضحة في الدورة البرلمانية التي توشك على النهاية وذلك بفرض قراراتهم على الحكومة بشأن الإصلاح الضريبي ومساعدات استثنائية لفائدة أصحاب النزل والعاملين في القطاع السياحي بعد الضربات الإرهابية التي شهدتها تونس عام 2015.

وقال الزمني إن ترشح رجال أعمال على رأس قوائم تشريعية أصبح لافتا في الدورتين الأخيرتين بسبب انفتاح المشهد السياسي ورغبة هؤلاء في الاقتراب من مواقع القرار بعد أن كانوا إلى وقت قريب يمثلون "رجال الظل" الذين يقفون في الصف الثاني ويدفعون بمرشحين يوفرون لهم الدعم المالي من أجل الوصول إلى البرلمان وخدمة مصالحهم ومصالح قطاعاتهم.
ويبرر الخبير الاقتصادي مخاوف المنظمات المدنية من زيادة نفوذ المال في البرلمان من تحول المؤسسة التشريعية إلى فضاء لخدمة لوبي اقتصادي على حساب بقية الشعب وخاصة الطبقات الضعيفة، فضلا عن مخاوف من زيادة منسوب الفساد ضمن مؤسسات الدولة.

وفي يونيو/ حزيران الماضي، صادق البرلمان التونسي بأغلبية مطلقة على قانون خاص بـ"التصريح عن المكاسب ومكافحة الإثراء غير المشروع للمسؤولين في القطاع الحكومي"، في مسعى لدعم الشفافية وترسيخ مبادئ النزاهة والحياد والمساءلة بالقطاع العام التونسي.
ويلزم القانون الجديد كل المسؤولين في القطاع الحكومي بالتصريح عن مكاسبهم وثرواتهم، بداية من رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة وأعضائها ومجلس النواب والهيئات الدستورية والمجلس الأعلى للقضاء، والعاملين بالحكومة والهيئات العمومية والبنك المركزي والبنوك والجامعات وغيرها.

ووفقاً للقانون، يحظر على رئيس وأعضاء البرلمان المشاركة في التصويت على موضوع لهم فيه مصلحة شخصية، كما يجب على العاملين بالحكومة إخطار مدرائهم للامتناع عن أخذ قرار في موضوع به تضارب مصالح معهم.
وقبل ثورة يناير/ كانون الثاني 2011 لم يكن حضور رجال الأعمال بارزا في البرلمان، حيث غالبا ما كانوا اليد الخفية لترشيحات رؤساء قوائم يدافعون عن مصالح أصحاب النفوذ المالي بالنيابة. وقد استمر هذا الوضع إلى أول برلمان تأسيسي بعد الثورة (2011-2014) قبل أن يتغير الوضع في انتخابات 2014، حيث خرج الفاعلون الاقتصاديون إلى ممارسة السياسة في العلن.
انتخابات أكتوبر/ تشرين الأول 2014، لم تقلب موازين القوى في السلطة التشريعيّة فحسب، بل خلقت التمايز عن سابقتها في سنة 2011 عبر الحضور اللافت لرجال الأعمال كنوّاب للشعب و"راعين لمصالحه" بنسبة تجاوزت العشرة بالمائة من إجمالي عدد النوّاب.
يرى الخبير المالي ووزير التجارة السابق محسن حسن أن البرلمان يمثل كل فئات المجتمع، ومنها المهن الحرة والنقابيون ورجال الأعمال، مشيرا إلى أن هذا التنوع يمكن أن يمثل مصدر إثراء للعمل البرلماني والتشريعات بمختلف أصنافها، والاقتصادية منها، ويساهم في حالة التوازن وعدم تغليب المصلحة الخاصة.

ويقول حسن لـ"العربي الجديد"، إن ضعف الموارد المالية للأحزاب في تونس تفسر زيادة ترشيحات رجال الأعمال على رأس القوائم التشريعية، لافتا إلى أن الأحزاب تقبل ترشيح أصحاب النفوذ المالي مقابل دعمها ماديا وتمويل حملاتها الانتخابية.
ويتابع أن هذه الترشيحات تمثل مصدر خطر حقيقي على المؤسسة التشريعية، نظرا لترشح رجال أعمال "ملاحقين قضائيا" في قضايا فساد مالي.

ويعتبر حسن أن الأخطر من الحضور "المكشوف" لرجال الأعمال في البرلمان هو وقوف لوبيات فساد وراء ترشيحات لما وصفه بـ"البيادق" الذين سيكونون في خدمة مصالحهم بالبرلمان بمقابل مادي، بحسب تأكيده.
وفي تونس يلعب أصحاب رؤوس الأموال دورا كبيرا عبر منظمتهم "اتحاد الصناعة والتجارة والصناعات التقليدية" في رسم المستقبل السياسيّ للبلاد من خلال المجلس النيابيّ والتشريعيّ أو عبر دعم الحكومات ومحاولة التأثير على القرارات الاقتصادية الكبرى حيث تتغلب المصالح الخاصة وحسابات الربح والخسارة على المصلحة العامة للبلاد.

وغالبا ما يظهر دور لوبي رجال الأعمال في التأثير على البرلمان والحكومة أثناء مناقشة قانون المالية، حيث يكثف المتعاملون الاقتصاديون الضغوط من أجل تمرير موازنة مخففة من الضرائب توفر لهم المناخ لتحقيق أكبر قدر من الأرباح مقابل ما يسمونه بالمساهمة في التنمية وخلق فرص العمل.
وعام 2014 كان الحوار الوطني الأداة التي أدخلت رجال الأعمال إلى الساحة السياسيّة كطرف مباشر في المفاوضات بين أحزاب "الترويكا" والنهضة من جهة، والمعارضة المدعومة ضمنيّا من الاتحاد العام التونسي للشغل من جهة أخرى.