رجاة العتيري: وضع الموت بين قوسين

27 نوفمبر 2015
الصورة
(تجهيز لـ شيهارو شيوتا/ اليابان)
+ الخط -

أحداث "إرهابية" متواترة عاشتها تونس في الفترة الأخيرة، ضمن مناخ عالمي يعيش على وقع الظاهرة نفسها، ما ملأ الأجواء بالرعب والتوجّس. كيف يتعامل الفكر مع حالة الخوف المنتشرة بين الناس؟ وحين يُدعى المفكّرون للحديث في شؤون كهذه، ما الذي يقدّمونه لمجتمعاتهم وللبشرية؟

نقلنا هذه الأسئلة إلى أستاذة الفلسفة المعاصرة في الجامعة التونسية، رجاة العتيري، التي تلاحظ يومياً تصاعد الخوف في الحياة العامة. تقول في حديثها إلى "العربي الجديد": "لا نملك إلا أن نواصل العمل والدراسة والتفكير، لا ينبغي أن تتسرّب حالة الخوف من الفلسفة إلى القارئ أو المجتمع. الفلسفة، بالتعريف، تبتغي الحكمة، وبالتالي الشجاعة والمقاومة الفكرية".

تضيف: "التوقف أمام هذا الوضع هو موت بطيء، لذلك فإن الفلسفة تضع الموت بين قوسين وتستمر في التفكير وفي العمل، فلا ينفع الخوف بل يكبلنا ويضعفنا، إلى أن يبدأ المسؤولون في البحث عن الوسائل الناجعة لحماية الناس".

ثمّة مستويان للحديث عن علاقة الفلسفة بالخوف؛ الأول هو تفاعل المهتمّين بالفلسفة من باحثين ومطّلعين عليها، والثاني هو تعامل الفلسفة/ الفلاسفة مع الخوف تاريخياً ومجابهة مصادره. ترى العتيري أن "لدى الفيلسوف مسؤولية تجعله لا يمكن أن يقول "أنا خائف"، لأن الفلسفة منذ بدايتها موقف مقاومة ودفاع عن مبادئ وقيم حتى أمام الموت".

تضرب مثالاً قديماً بسقراط وآخر حديثاً بالمفكّر التشيكي يان باتوشكا، لكنها تشير إلى أنه "لا وجود لتفسير عقلاني لضرورة الشجاعة أمام الموت، الموت الذي بات مع الإرهاب عشوائياً".

في محاضرة ألقتها مؤخّراً، صرّحت العتيري: "أنا مصرّة على التشبّث بالمثالية في الفلسفة". تفسّر أن هذا القول "لا يعني انفصالاً عن الواقع، بل بالعكس؛ فتقديم المُثل وإشهارها هو الذي يصنع مرجعيات ومعايير في المجتمع".

وهي تشير إلى أن أحد أدوار الفلاسفة هو تمرير مُثلٍ، كفكرة الإجماع عند هابرماس وهي فكرة في غاية المثالية لأن الإجماع صعب المنال، ورغم ذلك فإنها ذات جدوى عالية. من هنا، ترى أن الأولوية والمصلحة اليوم هي لتدريس وتعميم الفلسفة الأخلاقية والسياسية.

نشرت العتيري خمسة مؤلفات، هي "في الوساطة بين المعرفة والأخلاق" (بالفرنسية)، و"في الخطاب الفلسفي" و"من مناهج العقل الفلسفي" و"في طبيعة العقل" و"جدلية المعقول واللامعقول".

منذ كتابها الأول، نلاحظ محورية السؤال الأخلاقي، وكذلك تأثير كانط الذي تقول عنه "وجدت عنده أجوبة عن مسائل الفلسفة والدين والحياة. كانط يُعلي من العقل ويحترم الاعتقاد في آن".

كانت أبرز نقطة لفتت العتيري إلى الفيلسوف الألماني هو أنه يرى أن الإنسان قادر على الجواب بمجهوده العقلي على كل ما يُطرح من أسئلة، وهو قادر على بلوغ الحلول التي يأتي بها الدين، فحاول كانط أن يجيب عن سؤال الدين في حدود العقل الخالص، ويبحث عن عقيدة عقلية محضة.

تعتبر أن هذه الرؤية لا تجعل من الفلسفة فرضاً على من يريد التفكير، وتشير إلى أن هذه الفكرة وجدت تواصلاً مع الفيلسوف الفرنسي بول ريكور في القرن العشرين في كتاب "الذات عينها كآخر".

فمن خلال الإجابة عن سؤال "من أنا؟"، يبدأ الإنسان في سرد قصّة حياته على نفسه، ومنها تتكوّن أمامه وتنتظم ما يسمّيه ريكور بـ "الهويّة السردية"، من خلال ذلك نفهم مع هؤلاء المفكّرين أنه ليس من الضروري أن نتكلّم فلسفة كي نفكّر ونبلغ الحكمة، وهي ترى أن هذه الأمثلة تتيح لنا أن نلمس ما يمكن أن تقدّمه الفلسفة من طمأنينة ومن متعة. المشكل بحسبها يكمن في القطيعة بين المجتمعات ومآثر المفكّرين.

تجد العتيري تجسيداً لهذه القطيعة في الخطاب الذي تتداوله وسائل الإعلام، كفضاء عمومي، على الأقل في الحالة التونسية التي تتابعها بشكل يومي، إذ ترى أنه لا يوجد قواعد مشتركة للحوار في غياب معايير معلنة.

من أجل تخطي هذا المطب الاجتماعي الشامل تعود العتيري إلى فكرتها في "إشهار المثل" كي تتحوّل إلى معايير اجتماعية في الفعل والخطاب. تشير إلى أمر ضروري آخر وهو "إيصال أصوات مفكّرين يطرحون حلولاً مثل هابرماس أو رولز".

تحدّثنا صاحبة "جدلية المعقول واللامعقول" عن تطوّر أفكار هؤلاء وصولاً إلى اليوم، إذ تعود مرة أخرى إلى كانط الذي "بدا للفلاسفة بعده مثالياً للغاية فسعوا إلى نقده، حتى إن نيتشه ناقضه تماماً بالقول بأنه لا وجود لمَلكة داخل العقل البشري تمكّننا من معرفة الأفعال الأخلاقية، هكذا ضرب نيتشه العقل الأخلاقي الذي حاول كانط بناءه معتبراً أنه لا وجود لأخلاق مشتركة ولا وجود لاتفاق حول المبادئ الأخلاقية".

بعد ذلك، تتابع العتيري، جاء عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر وضرب العقل الأخلاقي الكانطي ضربة ثانية، حين أقرّ هو الآخر بعدم وجود عقل أخلاقي مشترك لوجود غايات مختلفة ومتصارعة.

تفسّر هذا الخلاف بأن كانط ينظر إلى المسألة الأخلاقية من زاوية فيلسوف، أي إنه يبحث عما يجب أن يكون، فيما أن فيبر نظر إليها من زاوية عالم اجتماع يصف ويلاحظ ما هو موجود، وبالتالي فقد فهم الأخلاق السياسية قياساً على رجل السياسة الموجود أمامه، هكذا أصبح الحل الأخلاقي عند فيبر ذاتياً وكذلك القرارات السياسية، وهو ما يعرف بنظرية القرارية الفيبرية.

هنا، تصل بنا العتيري إلى الإشكالية التي لفتت كبار مفكّري السياسة المعاصرين، إذ تقول إنهم أدركوا أنه من غير المقبول ترك القرار السياسي كما نظّر له فيبر، وقد أكد التاريخ صحة ذلك فهلتر كان بلورة للقرارية الفيبرية، وعند صعوده كتب ماكس هوركهايمر "كسوف العقل" الذي اعتُبر كتاباً تشاؤمياً، لكن هابرماس قرّر تجاوز هذا التشاؤم بالبحث عن حل إيجابي للخروج من هذه الأزمة أو هذا الخطر.

تقول العتيري إن هابرماس رأى أنه لا يمكن أن نترك المجال السياسي والأخلاقي إلى اللامعقول، لذلك فكّر أنه علينا أن نعيد بناء العقل الأخلاقي بعد أن حطّمه نيتشه وفيبر. كيف؟ هنا يختلف صاحب "الاندماج الجمهوري" عن كانط، فالعقل الأخلاقي ليس فطرياً وطبيعياً كما رأى هذا الأخير وإنما ينبغي بناؤه بطريقة حوارية حجاجية، من هنا تأتي فكرة الفضاء العمومي الذي هو بحسب هابرماس مكان التعبير عن العقل الأخلاقي.

وفي هذا الفضاء تلتقي الأطراف بكل حرية وتبني "أخلاقيات النقاش" وقيم الاحترام المتبادل، وهو ما ينبغي أن نفكّر في بنائه في مجتمعنا، بالاتفاق حول القيم والمعايير التي ستوّجه أفعالنا بصورة مرضية اجتماعياً.


اقرأ أيضاً: عزمي بشارة.. الهويات وتوتراتها السوسيوسياسية

المساهمون