ربع المبلغ المسروق للسكرتيرة

05 نوفمبر 2019
+ الخط -
في سهرة "الإمتاع والمؤانسة"... انتهى العم أبو محمد من سرد حكايته مع جامع الأموال النَصَّاب "الحاج عبد الغني" الذي سلبَ منه مئتي ألف ليرة سورية (ما يعادل 4500 دولار).. ثم عَرَضَ فكرتَه القائلة بأن الإنسان الذي يتعرض للاحتيال ينزعجُ، ويغضبُ، ويفورُ دمُه، ويوشكُ أن يصابَ بذبحة صدرية من شدة الغيظ، ولكن الموقف نفسه عندما يستذكرُه بعد مرور زمن طويل يبدو له مضحكاً ومسلياً..

قال كمال: قصة العَمّْ أبو محمدْ ذَكَّرِتْني بفَصْلْ طريفْ من رواية الأديبْ التركي الراحلْ عزيز نسين "زُوْبُكْ" اللي ترجمها الصديق الراحل عبد القادر عبدللي. بيحكي بهالفصل كيف إنه كلْ واحدْ من أبطال الرواية، لما كانْ يسمعْ حكاية عن عملية احتيالْ قام فيَّا زُوبك (إبراهيم بيك زوبك زادة) على أشخاص آخرين بيغضبْ، وبيدعي الله إنه ياخد زوبك وينتقمْ منه، وبيسبّْ عليه سُبَابْ قوي، لاكنْ، في لحظة من اللحظاتْ، نفس الشخص بيلتقي بزوبُكْ، وبيسمعْ أحاديثُه الجَذَّابة المضللة، بيتأثرْ، وبيروقْ، وبالأخير لما بيعرُضْ عليه زوبُك إنه يدفعْ مصاري على أملْ يربحْ من وراها، بيصدِّقْ، وبيدفعْ بفَمّْ ساكتْ، ولما بيكتشفْ بعد مدة إنه زوبك احتالْ عليه بيسبّْ عليه من جديد، وبهالمرة بيسب على نفسه كمان وبيقول: أنا غبي، وطماع، وبستاهلْ كل اللي جرى لي.. وبيقول الكاتب عزيز نسين: في شي إسمُه "الزوبُكِيّة".. كل واحدْ منا في بداخله زوبُك زغيرْ بيخلّيه يطمعْ، ويكونْ انتهازي، ويتصرفْ بشكل بعيد المنطق المتوازنْ.


قال أبو محمد: هادا الشي اللي حكاه كمال هوّي اللي صارْ معي بالضبط. أنا تجارتي كويسة، وأرباحي جيدة، وما ناقصني شي، ومع هيك في لحظة من اللحظاتْ طمعتْ، ورحت من دون ما حدا يقلي أو ينصحني أو يضغط عليّ، ودفعت للنصاب عبد الغني ميتين ألف ليرة! وبعد خمس دقايقْ بَسّ، أعلنْ النصاب إفلاسه، وهرب مع سكرتيرته.

قال أبو الجود: يا عمي أبو محمد، أنا برأيي إنه هاي الشغلة ما فيها خسارة. بالعكس، فيها ربح.. وأنا شايف بصراحة إنه المبلغ تبعك اندفع في الطريق الصحيح!

دهش الحاضرون، وقال كمال الذي اعتاد أن يستشفَّ النكتة الموجودة في ثنايا تعليقات "أبو الجود": شلون يعني اندفعْ في الطريق السليمْ خاي أبو الجود؟

قال أبو الجود: اللي فهمناه إنه النصاب عبد الغني، بعدما جمعْ من الناس الغلبانين شي خمسين مليون ليرة سورية، هرب هوي وسكرتيرته. صح؟

قال أبو محمد: صح. مع أنه هالنصاب الواطي كان عَمّا يشيعْ بين الناسْ إنُّه ما بيقبلْ يشَغِّلْ عنده سكرتيرة، حتى ما يلعبْ الشيطانْ بعقله ويخليه يرتكبْ موبقاتْ.

قال أبو الجود: وإنته اللي قلتها؛ هوي النصاب عَمْ يقولْ وعَمَّا يشيعْ بين الناس. يعني عَمْ يكذبْ متلما بيعملوا كل النصابينْ. المهم في الموضوع إني أنا، من دون ما أشوفْ هالسكرتيرة، عم بِتْخَيَّلْ إنها بنت زغيرة، وناعمة، وحلوة، وكربوجة.. هيك بنتْ لو كانتْ من بنات ضيعتنا كان ممكنْ يحبها واحد ويخطبها، ويعترضوا أولادْ عمها، لأنه ولاد العم بيعتبروا حالهم أحَقّْ منْ غيرهم فيها، وأبوها بيصرّْ على إنُّه يزوجها للشاب، وأهل الشاب بيقولوا نحنا خطبناها البنت لإبننا وما منتراجع، والقصة بتتأزم، وبتكبرْ، وبتصيرْ منشانها مشاجرة جماعية بيوقع خلالها شي عشرين قتيل، وشي مية جريح من عدا المرضوضين والمكسرين.. ومع هيك، هالبنت الكربوجة الحلوة رضيت تهرب مع الحاج عبد الغني النصاب، اللي هوي أكيد متلي..

قال أبو جهاد: شلون متلك خاي؟ يعني إنته نصاب؟

قال أبو الجود: أنا ما عندي مانعْ إني أكونْ نَصَّابْ، لاكن ما حدا في العالم بيرضى يتعامل معي، لأني متلما بتعرف يا أبو جهاد، طول عمري فقير وأندبوري ومنحوس.. أنا قلت الحاج عبد الغني متلي، يعني كبيرْ بالعمرْ وبشعْ. وميزته الوحيدة إنه بيعرف يحتال ع الناس ويصير معو مصاري!

قال أبو ماهر: طول بالك علي أبو الجود. أنا ما عم إفهمْ. إنته قلت إنه المصاري تبع العَمّْ أبو محمد اللي نَصَبْهَا عليه الحاج عبد الغني راحت في طريقها الصحيح. بعدها صرتْ تحكي لنا عن السكرتيرة.

قال أبو الجود: هاي السكرتيرة اللي ممكنْ يروحْ قتلى وجرحى ومكسرين منشانها، لما بتقبلْ تهربْ مع واحد كبير وبشع متلي أنا، أو متل الحاج عبد الغني، بتكون مشترطة عليه تاخدْ حصة من الأموال المسروقة. صح؟

قلنا بصوت واحد تقريباً: صح طبعاً.

قال أبو الجود: خلينا نفرض إنه في إلها نسبة 25 % من الأموالْ اللي احتالْ فيها الحاج عبد الغني على الناس، ويوم الرحيل كانوا مجمعين خمسين مليون ليرة، يعني حصتها طنعشر مليون وخمسمية ألف ليرة. ولما وصل عمي أبو محمد عَ حلب بالسلامة، وصار يضغط على المحاسب ويترجاه إنه ياخد منه ميتين ألف، والمحاسب بعدما قاومْ ومَانَعْ متل ممانعة بيت الأسد لإسرائيل، أخدْ المبلغ.. برأيكم كيف صار الوضع؟

قال كمال: بتكون حصة النصاب عبد الغني زادت مية وخمسين ألف، وحصة البنت زادت خمسين ألف!

قال أبو الجود: بهالحالة لازمْ عمي أبو محمد يدعي الله تعالى إنه يقصف عمر النصاب عبد الغني، وما ينتفع بالـ 150 ألف، ويا رب يصرفها على الأطباءْ والمستشفيات ومخابر التحليل.. وبالنسبة للـ 50 ألف اللي طلعت من نصيبْ البنت ممكن يقول لحاله: الله يهنيها بهالمبلغ!.. ويا ريت يرجع التاريخ لورا لحتى أعطيها الـ 200 ألف كلها.. بس اللي فات فات. الله غالبْ.