راية سايكس

05 يوليو 2019
الصورة
يوسف عبدلكي/ سورية

يشير تعبير "تحت الطاولة"، الذي ينتشر في مفردات السياسة هذه الأيام، إلى المؤامرات التي تُحاك في الخفاء. وثمّة من يرفض نظرية المؤامرة دون أن يتمكن من كشف الغطاء عما يجري تحت الطاولات بالفعل. ويمكن اعتبار كتاب دافيد فرومكين "سلام ما بعده سلام: ولادة الشرق الأوسط" في عداد الكتب التي تزيح الغطاء وتقدّم وجبة من المعلومات التي جرت تحت الطاولات وصنعت التاريخ الحديث.

في ذلك الزمن لم يكن أحد من العرب، بحسب الوثائق التي كُشفت حتى اليوم، يعلم شيئاً عن تحرّكات مارك سايكس البريطاني، أو جورج بيكو الفرنسي، وكانت خرائط التقسيم تعدّ هناك في المخابر السرّية للضباط المشرفين على المسألة، وقد ظلّ الدور العربي، بالنسبة للأفراد والجماعات والأحزاب والتيارات يقتصر على إبداء الرأي في بعض المسائل التي يسمح لهم بأن يبدوا آراءهم فيها.

فحين بدأت "الثورة العربية الكبرى" التي قادها حينئذ الشريف حسين، لم تكن لدى الجيش العربي راية، أو علم للقتال في ظلّه، فقام مارك سايكس نفسه بتصميم الراية للقضية العربية وكانت ألوانها من الأسود والأبيض والأخضر والأحمر، وقد سمح للشريف حسين أن يبدي رأيا في تعديل موقع المستطيل الأحمر في الراية المخصصة للثورة العربية فقط.

لم يكن السوريون هم الذين اخترعوا سورية الحالية، وليسوا هم الذي اخترعوا الخرائط التي نعيش في ظلّها، وإذا كانت قد فرضت عليهم بقوة السلاح، فقد خاضوا، في ما بعد، حروباً بالسلاح من الدفاع عن وجودهم الجديد ضمن هذه الخريطة التي أرغموا على العيش فيها، وكانت ثوراتهم المتتالية تسعى من أجل نيل الاستقلال عن المحتل الذي أجبرهم على هذا الخيار التاريخي.

وفي مراحل تالية من تاريخ سورية المعاصر، كان الروائيون السوريون هم الذين عرضوا الهوية السورية على اختبار الزمن، وخاصة في الأعمال التي استعادت لحظات التكون التاريخي لبلادنا، كما في "الوباء" لهاني الراهب، أو "خماسية مدارات الشرق" لنبيل سليمان، أو ثلاثية خيري الذهبي.

لا نعرف حتى اليوم ما الذي يعد في مطابخ الدول الكبرى، وقد حلّت أميركا وروسيا محل بريطانيا وفرنسا، وبينهما تحالف قوي يعبر عنه رئيسا الدولتين في كل لقاء، والمصيبة أن يكون التحرّك في اتجاه تقسيم سورية آتيا من زمر سورية هذه المرة، والغريب أن تكون الهوية السورية هي المستهدفة في ظل الحماية الأجنبية.

وأغلب تلك الزمر تحاول اختراع هوية تنكص بنا إلى مرحلة القرابة والنسب والعائلة والعشيرة، ومنهم من يزعم وحدة الجينات كي يمرر مزاعم الهويات في هذه الأقلية أو تلك، وفي كل ذلك يهم هؤلاء لإلغاء الهوية السورية، في ظل جو من الانتماء الرخو، والركاكة الوطنية. واللافت أن يستعينوا بـ "الاستقلال" لتقسيم سورية، في استعادة كوميدية للهدف الذي قاتل أجدادهم للحصول عليه من قبل.

في رواية الأشرعة لنبيل سليمان تقول الخاتمة: هي الآن سورية.. لسوف تظل تشهد، تصبر على القريب وعلى الغريب... وكل واحد كان يتناهب صدرها، وهي الشام الباقية الصابرة المصابرة.