راقصو المخيمات... "هيب هوب" و"بريك دانس" لأطفال غزة

غزة
يامن سلمان
02 فبراير 2020
داخل مخيّم 2 في النصيرات، وسط قطاع غزة، يسير عدد كبير من الأطفال يوميّاً بين الأزقة للوصول إلى أحد المحال الواقعة في المخيم، الذي تحوّل إلى مدرسة لتعليم الرقصات المعاصرة وأداء العروض، وهو أسلوب جديد يُساهم في تفريغ طاقاتهم، هم الذين لا يجدون مكاناً للتعبير عن أنفسهم في المخيّم الضيّق.

عز الدين عبيد (22 عاماً)، الذي يدرس حالياً تخصّص التمريض، تخرّج من كلية مجتمع تدريب غزة التابعة لبرنامج التربية والتعليم في وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا)، لكنه يعمل مدرّباً للرقصات المعاصرة، مثل "الهيب هوب" و"البريك دانس"، داخل مخيم النصيرات، في المدرسة التي نشأ فيها وساهم في تأسيسها وسط المخيم وأُطلق عليها قبل سنوات اسم "راقصو المخيمات".

أصبحت هذه المدرسة متنفساً للكثير من أطفال مخيمات وسط القطاع، منها مخيم النصيرات بفروعه ومخيم البريج ومخيم المغازي في المنطقة الشرقية، وسط القطاع. بداية، واجه عبيد، وهو في الحادية عشرة من عمره، الكثير من المشاكل لتوجهه إلى تعلم الرقص ونُعِت بـ"الراقص". وقيل إنه متأخّر في الدراسة وصاحب فكر منحرف ومتأثر بالثقافة الغربية السلبية.

لم يكن وقع هذه الأحكام أو النظرة السلبية سهلاً بالنسبة إليه، خلال توجهه إلى المكان الذي يتعلم فيه هذا النوع من الرقص. مكان وُصف بـ"الديسكو"، وأنّه مخالف للعادات والتقاليد الغزية، بل يُعدّ تقليداً لثقافة الشوارع في الغرب.

أسلوب جديد يساهم في تفريغ طاقتهم (محمد الحجار) 


لا ينكر عبيد تعرّضه لعنف لفظي من المجتمع، بدءاً من المنزل والجيران والأقارب، لكنّه ظل يتدرب برفقة أطفال آخرين داخل مكان مؤلّف من محلات فارغة، فيه مساحة للتدرب على الرقص. وكان يدربهم شاب يدعى محمد غريز على "الهيب هوب" و"البريك دانس" وبعض الأداء الاستعراضي الهادف.

كان هؤلاء يسعون إلى تأسيس أول فريق غزي في هذه الرقصات الاستعراضية، من أجل تفريغ الطاقة السلبية والتعبير عن قضاياهم، باعتبار أن هذا الفن غير موجود في القطاع. وبعد سنوات، تمكنوا من تقديم عروض أمام الناس. يقول عبيد: "كان الفريق عبارة عن أربعة شبان في البداية، عملوا على تدريبنا حين كنا أطفالاً. ثمّ تطورنا معهم وأصبحنا نؤدي العروض.

قدموا عروضا أمام الناس (محمد الحجار) 


وفي مخيم النصيرات، حيث نعيش، لا يألف كثيرون هذا الفن، فكانت العروض مفاجئة للناس، كونه فناً غربياً، لكننا قدمناه بأسلوبنا كأبناء مخيمات ولاجئين فلسطينيين نرتدي كوفيتنا. ومع الوقت، بدأت تتغير النظرة السلبية كلّما تحدثنا عن حقوقنا وقضيتنا".

وأطلق الفريق على نفسه اسم "راقصو المخيمات"، وبدأ دورات تدريبية لتعليم الأطفال الفنون والرقص الاستعراضي على مدار السنوات الماضية للتفريغ النفسي وتأدية العروض. هنا، بدأوا يتلقون طلبات لأداء عروض في بعض المؤسسات المجتمعية والتعليمية والمدارس، وعمدوا إلى تطوير عملهم كفريق من خلال إنشاء صندوق تطوير الفريق، إلى أن أنشأوا مدرسة.

وتعاون فريق المدرسة مع العديد من المؤسسات خلال تنظيم الألعاب الترفيهية للأطفال، وتدريب بعضهم على الرقصات بأسلوب معاصر، إضافة إلى تقديم عروض هادفة للتعبير عن قضاياهم الاجتماعية والإنسانية عبر الرقص، مثل قضايا الأطفال والأسرى الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية، وقضايا المرأة، وقضايا الحريات الفلسطينية. يضيف عبيد: "اليوم، تحوّلت المدرسة من فكرة إلى حقيقة، وأصبحنا معروفين بالنسبة للكبار والصغار. اليوم، الأطفال قادرون على القيام بحركات مختلفة والقفز. وعادة ما نختار المواهب منهم. وبعد الحديث عن رغباتهم وميولهم الفنية، يحضرون إلى المدرسة لتعلّم هذه الفنون، ويصبحون جزءاً من فريق المدرسة".

عدد أعضاء فريق المدرسة كان يبلغ 12 فرداً. في الوقت الحالي، بات العدد 3 أفراد فقط، لأن غالبيتهم هاجروا إلى خارج قطاع غزة لأداء عروض في دول أوروبية لخدمة القضية الفلسطينية، وتقديم عروض في مختلف دول العالم، بحسب عبيد.

خلال كل تدريب، يعتمد فريق المدرسة على جلسات التفريغ النفسي، ثم تمارين الإحماء، ويضمّ حالياً 50 طفلاً متدرباً مقسمين على خمس مجموعات وبحسب الفئات العمرية. الأولى تضم الفئة العمرية من 6 إلى 9 سنوات، والثانية من عشر سنوات إلى 15 سنة.

من جهته، انضمّ عبد الله أبو أسعيد (22 عاماً)، إلى فريق المدرسة عام 2015. حالياً، بات منشّطاً للأطفال ومُدرّباً على "البريك دانس"، ويُساعد الأطفال في أداء بعض العروض، وقد قدّم عشرات العروض مع المدرسة على مدار سنوات انضمامه إليه. ويشير إلى أنه خلال العروض مع العديد من المؤسسات الدولية، خصوصاً تلك التي تُعنى بحقوق الأطفال، كان هناك حرص على تقديم عروض يتحدث فيها الطفل عن حقوقه من خلال أداء استعراضي غنائي. ومع الوقت، تغيّرت النظرة السلبية لهذا النوع من الرقص، وقد بات هادفاً بالنسبة إلى الكثير من الناس، ما ساهم في تقبّله وانتشاره.

تغيرت النظرة السلبية لهذا النوع من الرقص (محمد الحجار) 



ويقول أبو أسعيد لـ"العربي الجديد": "هذه الفنون تُحسّن قدرات الطفل في التعامل مع الحياة والمواقف الصعبة التي تواجهه، وتعزز ثقته في نفسه كثيراً. من يملك فناً وأسلوباً للتعبير يمتلك كلّ مقومات القوة. نحن أطفال تربينا في مخيمات تفتقر إلى مقومات الحياة. وتعلّمنا من هذا الفن أن يكون أسلوبنا في الحياة للتعبير والرقص وإظهار طاقتنا إلى العالم".

ويشير أبو أسعيد إلى أن الطفل يحتاج من شهرين إلى ثلاثة أشهر لإتقان الرقص والعروض. أحمد حميد (تسع سنوات)، هو واحد من هؤلاء الأطفال، وبات يشارك في الكثير من عروض الفريق، ويتولى القيام ببعض الأدوار أمام زملائه في المدرسة، ما شجع زملاء له على تعلّم مهاراته. يقول لـ"العربي الجديد": "الحروب التي نعيشها هي الأكثر صعوبة بالنسبة إلينا كأطفال. أذكر أنه في إحدى المرات، كان هناك قصف على القطاع إلا أننا لم نبال، وعدنا لتعلّم فنون الأداء والرقص. نريد أن نكون جيلاً يشارك في عروض خارجية بهدف إيصال أصوات أطفال المخيمات".



ذات صلة

الصورة
خريجات غزة (عبد الحكيم أبو رياش)

مجتمع

متسلحات بالإرادة القوية والأمل، بدأت الفتيات الفلسطينيات أسيل النجار وغيداء قديح ونادين أبو روك بغرس أولى ثمار نجاح مشروعهن الذي ظلّ حبيس التشاور والمداولة لأشهر مضت، بعد مللهن من انتظار الحصول على وظيفة في قطاع غزة المحاصر.
الصورة
الطفلة سارة عمايرة- عن فيسبوك

مجتمع

هبوط حاد في عمل القلب في ثلاث حجرات من أصل أربع... هذا هو تشخيص الطفلة الفلسطينية سارة عمايرة الحالي. فالطفلة التي تبلغ ثلاث سنوات، وهي من مدينة دورا، جنوبي الخليل، جنوبي الضفة الغربية المحتلة، تقاوم منذ ولادتها
الصورة
شباب غزة (عبد الحكيم أبو رياش)

مجتمع

لم يتوقع الشاب الفلسطيني محمود غانم (29 عاماً) من مخيم الشاطئ للاجئين غربي مدينة غزة، أن تنتهي رحلته خارج قطاع غزة بهذه السرعة، بعد أن تركها في يناير/ كانون الثاني الماضي بحثاً عن فرص عمل ولتكوين مستقبله.
الصورة
انفجار مرفأ بيروت (حسين بيضون)

مجتمع

مرّ شهران على انفجار مرفأ بيروت، وكأنّ ما حصل حلمٌ، أو بالأحرى كابوسٌ مرعب هزّ مدينة قيل يوماً إنها "ستّ الدنيا"، لتتحوّل في غضون دقائق إلى حطامٍ، طاول الأرواح قبل الأجساد والممتلكات.