راديو جدّي والمذيعة

28 اغسطس 2017
+ الخط -
لو كان جدي حيّا يرزق وسمع ما قالته المذيعة في نشرة الأخبار، لما تردد لحظة في قذف راديو الترانزيستر الصغير نحو الحائط ليتشظى قطعاً. هكذا أتخيل ردة فعله، يقف منتفضاً بعد أن خدشت كلماتها أذنه التي لا تقبل النشاز ولا تطيقه. كان صاحب طبعٍ نزقٍ، سريع الغضب، لا يتوانى عن مواجهة ما يعتبره "خطأ" بأسلوبه "السلس" و"الرقيق" رحمه الله.

عبر أثير الإذاعة المعروفة، قرأت المذيعة صباحاً موجز الأنباء ومنه: "سلاسون كزيفة سكطت على الكرية، وأوكعت أضرارا بشرية ومادية"، لا تصعب معرفة نصّ الخبر، وهو "ثلاثون قذيفة سقطت على القرية، وأوقعت أضرارًا بشرية ومادية"، ولكن الصعوبة تكمن في القدرة على الاستماع للموجز الإخباري حتى نهايته، وفي هذه الحالة نعتمد الحلّ السهل، نغيّر الموجة شاكرين حظنا أنّه موجز وليس نشرة كاملة.

المذيعة تطلّ بصوتها دوما، وترتكب فعل النشاز ذاته. وكونها تقدمت إلى الوظيفة بإمكاناتها "المنطوقة" إياها، وقبِلتها الإدارة على "حسن ملافظها" كما هي، فهي مستمرة على المنوال الذي اعتادت دون تعديلٍ أو تغيير.

ليست الوحيدة بين المذيعين والمذيعات ممن ينقصهم إتقان مخارج الحروف، يخاطبون المستمعين الراضين بهذا الحال، أو غير المعترضين، أو حتى المصرّين على سماع الإذاعات في السيارة من أمثالي رغم الانزعاج، بانتظار مرور أحد المذيعين القديرين والمتمكنين ممن لديهم فتراتهم وبرامجهم التي تستحق المتابعة وهم ليسوا قلّة أيضاً.

لم يكن جدّي فقيهاً باللغة العربية، لكنه كان مدافعاً شرساً عن حروفها. كان من الناس الذين يتقنون "سماع" اللغة، أشبّهه بضابط الإيقاع صاحب الأذن الموسيقية الذي يحسّ بشذوذ النغمة بدون العودة إلى النوتة. هكذا كانت أذن جدّي "سمّيعة" تلتقط الخطأ بمجرد لفظه دون الرجوع إلى القاعدة. والخروج عن النطق الصحيح كان بالنسبة له صريراً أو أزيزاً يتعدى على الأصول.

كان من "حرّاس" اللغة الفصحى والمحكية على السواء، ومتشددا حتى التطرف في حماية الحروف من لفظٍ يشوّهها أو نطقٍ يكسر جماليتها ويخلط بينها.

وحراسة اللغة مهمة نقلل من أهميتها، مع أن تقويم اللفظ وتعويد الأذن على كشف الخطأ اللغوي هو جزء من التعلّم. لم يعد للغة العربية المنطوقة حرّاساً، صارت تقال كيفما اتفق. ودور هؤلاء الحرّاس، إن وجدوا، يختلف عن التعليم في المدارس وكتب القراءة، هم أناس لم يوظفهم أحدٌ لتلك المهمة، تطوعوا من تلقاء أنفسهم بدون تكليف، حملوا على أكتافهم مهمة حماية اللغة من النشاز.

كانوا موجودين بيننا في الأسرة والجيرة والحيّ والقرية، يقفون بالمرصاد لكل نطق خاطئ أو هفوة ولو بسيطة، ويقوّمون اعوجاج اللفظ لدى الكبار والصغار بدون إحراج. نسمعهم يصححون خطأ هذا أو يعلقون على خطأ ذاك، وينتقدون لفظ مذيع يطل على الشاشة أو عبر الراديو، فنخزّن الملاحظة ونستفيد منها، ومع التكرار نتعلم. لم نعد نرى أمثال هؤلاء، فتكسير اللفظ لم يعد عيباً أو نقيصة حتى لدى من يخطب أو يلقي الكلام علانية وما أكثرهم. خسرت حروف لغتنا هيبتها ووقعها في آذان المستمعين. فقدت حرّاسها. 

ويبقى حضور جدّي لوالدي في طفولتنا راسخاً في نطقنا للغة، إذ كان يقوّم لفظنا منذ صغرنا، ولم يكن لنا مفر من التكرار من بعده، نردد جملاً تحوي الحروف التي يصعب نطقها، وأبرزها حرف القاف.

كان عبوسه يُشعرنا بالذنب ونعرف عندها أننا أخطأنا، فمن غير المسموح وفق مقاييسه أن نخلط بين الكاف والقاف عند لفظهما، أو بين حرفي السين والثاء، أو الذال والزاي. لكن الابتسامة التي تطلّ من تحت شاربيه المعقوفين كانت الجائزة الكبرى لكل من يتقن من الحفيدات تكرار القافية التي تقول: "قُمْ يا قُمقمْ، قوم تقمْقم، قُم عالقفّة (السلة)، نقْوِدْ قمح". هو التمرين الطفولي الذي اعتدناه وكان منتشراً بين أقراننا في القرية، على اعتبار أن من لا يتقن نطق الحروف في صغره، يصعب عليه ذلك في الكبر، واللوم في ذلك يطاول الأهل أولاً وأخيراً.

ويبقى موقف جدي من تطعيم اللغة بمفردات أجنبية، كأن نقول مثلا زارتنا "تانت" فلانة (العمة أو الخالة)، أو أن نلقي التحية بقولنا "بونجور" بدل صباح الخير، جانبا "لغويًا" آخر يستحق الحديث عنه مطولاً.

ومع ذكر جدي الذي رحل وبقي الراديو خاصته، وهو من ماركة جنرال إلكتريك ولونه بيج، أستحضرُ صورته جالساً على حافة سريره رافعاً صوت مذياعه إلى أقصاه عند سماعه نشرة الأخبار تلو الأخرى. لكنه لا يلبث أن يقصّر الصوت، ويدني الراديو من أذنه للاستماع وحده للأغاني أو الموسيقى أو حتى المسلسلات التي كانت تذاع في خمسينيات وستينيات القرن الماضي.