رئيس نادي قضاة الجزائر: التعديلات الدستورية لا تستجيب للنضالات

18 مايو 2020
الصورة
كنا وسنبقى جزءاً فاعلاً وداعماً للحراك الشعبي(رياض كرامدي/فرانس برس)
يعتبر نادي القضاة في الجزائر نفسه معنياً بشكل أساسي في مسألة التعديلات الدستورية، بفعل دوره في تأييد حراك فبراير 2019، ومطالباته المستمرة باحترام حقوق الإنسان، وضمان حرية التعبير واستقلالية القضاء وتحقيق العدالة. وهو ما شرحه رئيس النادي، القاضي سعد الدين مرزوق في حوار مع "العربي الجديد".

* تضمنت التعديلات الدستورية بنوداً جديدة تخصّ العدالة بهدف تعزيز استقلاليتها وتحصين القضاة. كيف قرأتم المسوّدة الدستورية بشكل عام؟
تضمنت مسودّة الدستور العديد من التعديلات، منها ما هو غير مرتبط بالسلطة القضائية، ولكنه يؤثر عليها بطريقة غير مباشرة، لا سيما الحريات والمحكمة الدستورية والسلطة التشريعية والسلطة المستقلة للانتخابات. ولا مجال هنا لإبداء رأينا فيها بشكل معمّق لأنها تحتاج إلى البحث والمقارنة والمقاربة. ومن التعديلات أيضاً ما هو متعلق بالعدالة، حسبما جاء في صلب النص، الذي احتوى على إيجابيات لا ننكرها تحديداً حول تشكيلة المجلس الأعلى للقضاء، إلا أن التعديلات عموماً ليست بالحجم الذي يستجيب لنضالات القضاة وتضحياتهم، ولا بمطالب الشعب بتجسيد استقلالية فعلية تخرج القضاء من واقع الحجر المفروض عليه منذ الاستقلال (عن فرنسا عام 1962)، الذي جعله رهينة لدى السلطة السياسية وأجهزة التحكم والنفوذ.

* استبعدت المسوّدة وزير العدل من رئاسة المجلس الأعلى للقضاء وأتت مكانه برئيس المحكمة العليا. إلى أي مدى سيسهم ذلك في إبعاد المجلس والقضاء عن تدخلات السلطة التنفيذية؟
استبعاد وزير العدل من تشكيلة المجلس الأعلى للقضاء هو مكسب للقضاة واستقلالية العدالة عموماً، فلطالما ندد نادي القضاة وغيره بسطوة وهيمنة وزارة العدل بوزرائها المتعاقبين ومدرائها على المشهد القضائي برمته، واختزال دور المجلس الأعلى للقضاء كغرفة تسجيل ومبايعة لقرارات الإدارة المركزية. وما الحركة الأخيرة للقضاة وتصريح أعضاء المجلس الأعلى أنفسهم بعدم الاطلاع على الحركة ببعيد، فالتدخلات التي كان ظاهرها قانونياً ومجسّداً للمثل العليا للقضاء لم يكن في الحقيقة إلا مسايرة لأهواء شخصية لمختلف الفاعلين في وزارة العدل وورقة مضمونة لبلوغ أهدافهم قوامها الولاء والفساد، ما نسف مصداقية القضاء كمؤسسة والقضاة كأفراد وأوصل حال العدالة ببلادنا للحضيض.



* لكن ألا يطرح كون رئيس المحكمة العليا معينا من قبل رئيس الجمهورية، مثل وزير العدل، إشكالاً بشأن استمرار ارتباط العدالة برأس السلطة التنفيذية وعدم استقلاليتها بالكامل؟
استبدال وزير العدل والمجيء بالرئيس الأول للمحكمة العليا اعتبرناه إيجابياً كونه يقضي على النظرة والتوجه الأحادي للتسيير، الذي كان مختصراً في شخص وزير العدل ومنفذيه، إلا أن إبقاء تعيين الرئيس الأول للمحكمة العليا مرتبطاً برئيس الجمهورية وإعطاءه رئاسة المجلس الأعلى القضاء، لا يمكن تفسيره إلا بتوزيع ثنائي لصلاحيات تنفيذية بين وزير العدل والرئيس الأول للمحكمة العليا بعدما كان أحادياً.

* ما هي مقترحات نادي القضاة لأجل تحقيق سقف أعلى من استقلالية القضاء وإنهاء مرحلة تدخلات وضغوط مستمرة على العدالة والقضاة أيضاً؟
كنا قد قدّمنا العديد من المقترحات في مناسبات مختلفة لتحقيق استقلالية فعلية تواكب طموحات الشعب الجزائري، لعلّ أهمها جعل تشكيلة المجلس الأعلى للقضاء انتخابية بصفة كلية وجعل رئاسته أيضاً تحصل بالتصويت بين المنتخبين، مع توسيع صلاحياته لتشمل الإشراف على الإدارة القضائية للمحاكم والمجالس. كما اقترحنا نصّاً مناقشة التقرير السنوي للمجلس الأعلى للقضاء في البرلمان، بحضور رئيسه، لتفعيل آلية الرقابة البرلمانية، باعتبارها رمز السيادة الشعبية، بالإضافة إلى نشر التقارير في الجريدة الرسمية لدعم الحق في المعلومة وتطوير مراقبة المجتمع المدني. وقدمنا اقتراحات تضمن حرية التعبير لدى القضاة، بما لا يمسّ بحيادهم أو شرفهم، فضلاً عن دسترة الحصانة القضائية، كما هو الحال عليه بالنسبة للحصانة البرلمانية. واقترحنا أيضاً إقرار استقلالية النيابة العامة عن وزير العدل، مع إدراج مناقشة النائب العام للمحكمة العليا لتقريره وخطته بشأن تنفيذ السياسة الجزائية في النصّ، وإقرار مبدأ دستورية الرقابة القضائية الإدارية وحظر تحصين أي قرار إداري من الطعن الإداري أو القضائي، واعتبار العدالة سلطة كاملة، وحماية القاضي من أي تعسف أو تهديد ووضع آليات لتجريم ذلك.

* هناك من يعتقد أن النص الدستوري سواء في البنود المتعلقة بالقضاء أو الحريات أو أمور أخرى لن يحلّ الأزمة السياسية، لكون الأمر لم يكن مرتبطاً بالنصوص والقوانين لكن بمدى تطبيقها؟
نحن لا نتفق في الرأي مع الذين يعتبرون أن أزمتنا سياسية فقط، وإن كنا لا ننكر وجودها ونتحفظ بشأن الخوض فيها، بل نعتبر أن من المسائل التي كشف عنها الحراك الشعبي، أن أزمة البلاد متعددة الأبعاد، فهي سياسية ودستورية وقانونية واجتماعية وتاريخية، وأن اختزال أو تفصيل الأزمات لا يخدم بأي شكل من الأشكال التصور والرؤية للحل العام. ومن هذا المنطلق، فإن التأسيس لقواعد دستورية تضمن الحريات والأمن القانوني والقضائي وتضع إطاراً عاماً للدولة نعتبره مهماً. والمناقشة في هذا الموضوع والمساهمة فيها ضرورية وواجبة، لإعطاء الحلول القانونية والمخارج والمرتكزات الدستورية من جهة، ومنعاً للاصطدام لاحقاً بسياسة الأمر الواقع والخروج عن مسالك الشرعية من جهة أخرى.



* في الواقع القضائي هناك مشكلة تتعلق بضغوط المؤسسة الأمنية وتدخلاتها في تسيير القضايا بإقرار قضاة عدة. هل الدستور الجديد يمكن أن يغير هذا الواقع؟
في حدود علمنا، لم يطرح أي إقرار من قاضٍ أمام الرأي العام بشأن حصول تدخّلات أو ضغوط مؤسسات أمنية بالواقع القضائي، باستثناء تصريحنا مع بداية الحراك الشعبي الذي خصصنا به جهة محددة وأشخاص محددين في مؤسسات أمنية للنظام السابق، الذي كان بناءً على معطيات موضوعية لمسناها حينها. اليوم هناك توجه وسياسة جزائية عامة ردعية نلمسها ونشهدها وفقاً لواقع العمل القضائي، الذي لا يمكننا أن ننسبه إلى أي جهة في غياب معطيات موضوعية أو إحصاءات حقوقية واضحة. ونعتبر أن مسوّدة الدستور الجديد، وإن ضمنت العديد من الحريات، إلا أنها لا يمكن أن تغيّر واقع السياسات التي تحتاج إلى عمل حقوقي وتشريعي أوسع، يبدّل نصوصاً قانونية وسلوكات قديمة، تختزل فكرة الردع في اللجوء إلى السجن والمتابعات الجزائية، وتغضّ الطرف عن عمد أو جهل عن بدائل الدعوى العامة والنظرة المنفتحة لمجتمع أكثر حرية مع ضوابط تتناسب وحجم التجاوزات المتعلقة بحقوق الإنسان. بالإضافة إلى عدم إغفال إصلاح مؤسسات الجيش والأمن، من خلال تبنّي ميثاق أخلاقي، وإعادة تدريب الضبطية القضائية وفق إجراءات إدارية تواصلية جديدة، لتشجيع الشفافية والمراقبة وتطبيق إجراءات لضمان الانضباط وتوفير وسائل الشكاية والتقويم.

* تتفاعل مسألة الإفراط في السجن المؤقت للموقوفين كما هو في المرحلة الحالية، فهل إقرار تعويضات للموقوفين يطرح معادلة المال والحرية؟
معادلة المال والحرية لا تطرح في دولة تحترم نفسها، ولا نعتقد أن مسألة السجن المؤقت تسطح في قالب ابتزازي مافيوي إن كان المقصود بهذه المقاربة ذلك. فمسألة التعويض عن السجن المؤقت ليست بالأمر المستجد بالقانون، بل مكرّسة منذ عام 2001 في قانون الإجراءات الجزائية، ودسترتها اليوم هو إقرار ورفع من شأن الاعتراف بخطأ المرفق القضائي وإمكانية منح التعويض بشأنه، وهو الأمر المتعارف عليه أيضاً في مختلف التطبيقات القضائية المقارنة لديمقراطيات عريقة. أما مسألة الإفراط من عدمه في اللجوء إلى السجن المؤقت، فهي معادلة موضوعية وتقديرية تُدرّس قانوناً وتُضبط بالسياسات الجزائية الهادفة إلى تخفيضه قدر المستطاع بالتكوين وضمان الاستقلالية وتحسين الأوضاع المهنية للقضاة، في مجال حجم العمل إلى غيرها من الاقتراحات التي ما فتئ نادي قضاة الجزائر يكررها في كل سانحة، والتي تساهم حتماً في الوصول إلى جودة قضائية أكثر نجاعة ودقة.

* كنتم كقضاة وكنادٍ حر جزءا فاعلا وداعما قويا للحراك الشعبي، إلى أي مدى حققت التعديلات الدستورية التطلعات المعبر عنها في حراك فبراير 2019؟
كنا وما زلنا وسنبقى جزءاً فاعلاً وداعماً للحراك الشعبي المبارك بغيرة ووطنية وضمير. فمنذ 22 فبراير/شباط 2019 ساندنا ثورة الشعب المنتفض للحرية وتبنينا مطالبه باستقلالية العدالة، التي جسدناها في العديد من البيانات والوقفات والقراءات مع ترتيب الأولويات بحكم معرفتنا وخبرتنا بقطاع حساس منغلق وصامت. ونحن نعتبر أن المساهمة بمشروع هذه التعديلات هي جزء من إيجابيتنا لتحقيق مطالب الحراك وتقريب العدالة من المواطن. صحيح أن من المبكر الحكم عليها لأنها ما زالت محل تعديل، إلا أننا نعتبر أنه إذا استطعنا تحقيق استقلالية العدالة وضمانها بنصوص دستورية، نكون قد حققنا مكسباً مهماً للحراك والعدالة سيمتد أثره للأجيال المقبلة.