رئاسيات تونس والمناظرات المرتقبة

02 سبتمبر 2019
الصورة
تنطلق الحملات الانتخابية للسباق الرئاسي في تونس رسميا اليوم، بموجب قرار مشترك بين الهيئة العليا المستقلة للاتصال السمعي والبصري والهيئة العليا المستقلة للانتخابات، ضبط القواعد الخاصة بالتغطية الإعلامية لهذه الحملات التي ستتوج بيوم الاقتراع (15 سبتمبر/أيلول). والمنتظر أن تنطلق المناظرات التلفزيونية بين المترشحين، يتوقع المتابعون أن ترتفع أسهم بعضهم، وتتهاوى أسهم آخرين، ذلك أن هذه المناظرات مناسبة متميزة لإبراز المهارات في فن الخطابة والتمكّن من الفصاحة والظهور تلفزيونيا بكاريزما تليق بمرشح لرئاسة الجمهورية.
الملاحظ أن أغلب الذين دخلوا السباق الانتخابي لا يملكون الحد الدنى من هذه المهارات، باستثناء قلة، فبعد حوار في دقائق مع المرشح عبد الكريم الزبيدي، مساء 22 أغسطس/ آب في قناة خاصة، ضجت مواقع التواصل الاجتماعي بتدوينات وتعليقات أجمعت على عجز اتصالي فادح لدى الزبيدي، قد يشكل عائقا في طريقه إلى قرطاج. وقد علق الخبير في الإعلام والاتصال محمد شلبي على الحادثة بأن الفصاحة أمر مطلوب لبلوغ الحكم وممارسته في الأنظمة القائمة على الانتخابات، مستحضرا انتداب فريق المرشح الفرنسي، إيمانويل ماكرون، في حملته الانتخابية عام 2017، أستاذا في فن الغناء والإلقاء ليدربه على تحسين صوته
 وإلقائه. وكشفت حادثة أخرى عجزا اتصاليا ومعرفيا لدى المرشحة سلمى اللومي، رئيسة حزب "أمل"، لما سئلت، في لقاء إذاعي، عن الفصل الأول من الدستور التونسي، ولم تستطع الإجابة.
وبعيدا عن الحادثتين، يطرح سؤال أهم عن مدى قدرة هؤلاء المرشحين على إنتاج خطاب سياسي يرقى شكلا ومضمونا إلى رسالة اتصالية ناجعة، قد تقنع الناخب للإدلاء بصوته لهذا المرشح أو ذاك. وفي قراءة استباقية، المتوقع أن يشد انتباه الناخبين المرشحون الذين حققوا نجاحات إعلامية تلفزيونية، ما يؤكد الدور المركزي المهم الذي لعبه التلفزيون وسيلعبه في هذا السباق الانتخابي، فقد برز نبيل القروي الذي بوّأته نتائج استطلاع الآراء المرتبة الأولى من خلال إطلالاته اليومية في قناته الخاصة "نسمة". كما اكتشف التونسيون المرشح قيس سعيد، وهو الأستاذ المساعد في كلية الحقوق، بعد تدخلاته المتواترة في الإذاعة والتلفزيون منذ الثورة، فأحبوه وساندوه، وقد تكون فصاحته هي التي رشحته لهذا السباق. كما تميز مرشح حركة النهضة، عبد الفتاح مورو، في هذا المجال، وهو المحامي والخطيب بمداخلاته في البرلمان الذي ينوب فيه عن الرئيس، والتي تبث مباشرة على الوطنية الثانية. ونجح رئيس الحكومة، يوسف الشاهد، من خلال تدخلاته التلفزيونية التي صارح فيها التونسيين بأوضاع البلاد الاقتصادية والاجتماعية والتحدّيات التي تواجهها، خصوصا خلافاته مع الرئيس الراحل الباجي السبسي وابنه.
لا ينكر محللون قدرة آخرين على الفصاحة والإبلاغ، أمثال محمد عبو، ومحسن مرزوق، والصافي سعيد. وفي المقابل، جنى الخطاب الإقصائي المؤسس للكراهية والعنف للمرشحة
 عبير موسى على حظوظها. وهنا يؤكد عالم الاجتماع محمد جويلي أن الخطابة والسياسة لا ينفصلان، والحيلة السياسية في تطويع الكلمة، وفي الذهاب بها مباشرة إلى عقول الناس وقلوبهم، والزعيم هو من كان بيانه ملهماً محلقاً بسامعيه كاسبا لثقتهم. ويستحضر هنا خطاب الجنرال ديغول، في 4 يونيو 1958 من شرفة مكتب المقيم العام في الجزائر حين نطق جملته الشهيرة "لقد فهمتكم" التي بقيت مرجعا في الدهاء السياسي، قال تلك الكلمات متوجها للجميع، إلى الذين يؤمنون بجزائر فرنسية، وإلى الجزائريين المسلمين الذين كانوا يؤيدون الوجود الفرنسي في الجزائر، وكذلك الجزائريين الطامعين في الحصول على حقوق تساويهم بالآخرين، كل من هؤلاء استقبلوا العبارة وكأنها موجهة إليهم من دون غيرهم. لقد قصد ديغول غموض عبارته في سياق لا يحتمل الوضوح، أليس الغموض في الخطاب السياسي هو أيضا من شيم السياسيين الكبار؟
استفاد زعماء كثيرون من التلفزيون، على غرار جون كينيدي الذي أبهرت فصاحته الأميركيين في عام 1960، وديغول في انتخابات 1965، ونيكسون في سنة 1968 وغيرهم، فهل سيستفيد مرشحو الانتخابات التونسية من هذا الجهاز العجيب؟ مؤشرات عديدة تؤكد عجز
أ غلبهم عن إنتاج خطاب تلفزيوني من خلال هذه المناظرات، يشد الناخبين ويحقق أهدافهم. والمتوقع أن الخطاب المتداول لهؤلاء المرشحين يفتقد تركيزا على ملفات وقضايا حارقة ذات علاقة بالوضع الإقليمي والجيو سياسي الذي يهدد استقرار تونس. لم يجد التونسيون إلى الآن في أقوال أغلب المرشحين ما يدل على فهم واضح لما يجري في الجارة الشرقية ليبيا التي تتهددها الحرب الأهلية، ناهيك عن حرب المدن التي أشعل فتيلها هناك خليفة حفتر. والتغييب نفسه لتناول الوضع في الجارة الغربية الجزائر، وتداعياته على تونس، بما يؤكد قصورا غريبا لدى المترشحين.
وإلى كتابة هذه الأسطر، يفتقر خطاب السباق الرئاسي إلى أفكار جادة ورؤى عميقة، ومؤسف أن مجمل العائلات السياسية التي تخوض هذا السباق تشترك في هذا الأمر. لقد ظل اليسار يراوح مكانه، ويعيد إنتاج فكر تجاوزته الأحداث، عاجز عن ابتكار رؤية جديدة للواقع والعالم. كما يكتنف خطاب العائلة الوسطية الحداثية غموض حجب أهداف المشروع. أما الإسلاميون فقد ظلوا أسيري سؤال الهوية، فهل ستكشف المناظرات التلفزيونية عن مرشحين قادرين على تجاوز هذا الوضع، بما يمهد لهم الطريق إلى ألباب الناخبين وأصواتهم؟
35FE487F-4A9A-4B25-8DF9-AF430105714E
محمد أحمد القابسي