رئاسيات الأسد والسوريون الجدد

28 ابريل 2014   |  آخر تحديث: 04:48 (توقيت القدس)

رسم طفلة سورية لاجئة في تركيا (ديسمبر 2012، Getty)

+ الخط -
الانتخابات التي يزمع نظام بشار الأسد إجراءها في بداية هذا الصيف ليست سوى فصل جديد من فصول مأساة السوريين، وإذا كان الطغاة والقتلة وقحين، إلى درجة أن مثل هذه الاستحقاقات لا تعدو كونها محطات للعبور إلى غاياتهم السلطوية، فإنها بالنسبة للسوريين ستفتح الجرح على مصارع الألم، لما سيترتب عليها من استحقاقات مأساوية جديدة. وعلى الرغم من إدراج صفة المهزلة لهذه العملية، إلا أنها، في الواقع، حدث أعمق وأكثر تأثيراً، سيكون له تعيناته الدقيقة على الأرض التي ستطال شظاياها كل سورية.
يدرك بشار الأسد أن هذه الانتخابات، كقرار سياسي، كان لها بدائل سياسية، أسهل وأكثر قابلية للهضم في الواقع السوري، مثل التمديد عامين، وهو خيار كانت حتى بعض دول العالم قد تهيأت له، لاعتقادها أنه يتناسب مع رؤيتها بعدم تبلور البديل عن الأسد حتى اللحظة، ولرغبتها بحصول استنزاف أكبر لأطراف الصراع المحلية والإقليمية. وقد ذهبت معظم التقديرات، بعد تعمّد إفشال مؤتمر جنيف 2، في هذا الاتجاه، وكل التقديرات لم تمتلك وقاحة تصور أن يذهب النظام إلى إعلان إعادة انتخابه!
من نافلة القول إن هذه الانتخابات التي يراد تنظيمها، اليوم، كان يمكن أن تعدَّ طبيعية وعادية، بعد شهر من اندلاع الثورة. حينها، كان سيكون لها معنى سياسي، وكانت ستكون حكماً فيصلاً، شرط إجرائها بإشرافٍ دولي. حينها، لم تكن سورية قد خسرت كل تلك الأرواح، ولا كل ذلك العمران. لم تكن يومها قد نزفت جيلاً كاملاً خارج حقول التعليم، ولم يكن قد تشرد ثلث أبنائها، كانت علاقات نسيجها الاجتماعي لم تنكشف على ذلك الكم الهائل من الاختبارات السيئة، ولم يكن قد حدث كل ذلك التمزق.

وبعد كل ما حصل، هل بشار الأسد مضطر لتجشم عناء إجراء الانتخابات، ليكتشف أن السوريين لا يريدونه؟ ألم تصل إليه الإجابة، بعد كل هؤلاء القتلى والنازحين والمعاقين؟ أليس الذين قتلهم بأسلحته كانوا قد قالوا له لا نريدك؟ والذين فضلوا الموت بالبحر، ألم تصل إليه برقياتهم؟ الذين قضوا في البرد في مخيمات اللجوء، ألم يكن شعارهم الموت ولا المذلة؟ ألم تكن كلها تلك أصوات انتخابية، فما الحاجة للصناديق الآن إذن.
لكن، من هم السوريون الذين سيجري عليهم الانتخاب، السوريون الذين طلبت وزارة خارجية النظام من دول العالم، المدعية الديمقراطية والشفافية، الاستماع إلى رأيهم في الانتخابات، قبل أن تنبه الوزارة إلى أنها انتخابات "تعددية لأول مرة في تاريخ سورية الحديث". ألا يحمل هذا البيان تبريراً شرعياً للثورة السورية، ما دامت هذه الانتخابات الهزلية أفضل انتخاباتٍ، قدمها النظام، فما عساها تكون الانتخابات السابقة التي حكم البلاد على أساسها خمسين عاما ونيف، أليس المفترض معاقبة من كان يجريها، لا مكافأته؟ أليس ذلك سبباً شرعياً للثورة، واعترافاً متأخراً من النظام بها؟
بالعودة إلى سؤال من هو السوري المستهدف من هذه الانتخابات؟ في الواقع، هذه واحدة من إفرازات المأساة، فالسوريون، بمنطق بشار الأسد وسياساته، ووفق تصنيفاته، جرى تقليصهم، بشكل كبير، كما جرى إخراج كثيرين منهم من نطاق الهوية السورية، فليس المرشحون، وحدهم، من يفصّل نظام الأسد الشروط لمشاركتهم في الانتخابات، بل حتى الناخبون، فعدا عن الذين نزحوا وتشردوا، ثمة عشرات ومئات آلاف المطلوبين لمخابرات النظام لن يكون في وسعهم ممارسة سوريتهم بالمواصفات الجديدة.
حسناً، في النتيجة، إذن، ستكون هذه العملية حكراً على أنصار الأسد ومؤيديه وبيئته. من الناحية النظرية، لا يحتاج هؤلاء عملية انتخابية، ليعرف العالم مدى رضاهم عن الأسد، فهم يثبتون ذلك بالدم، وليس بحبر الصناديق الانتخابية.
الواقع أن الأسد جهز نفسه جيداً للانتخابات، اختار لبرنامجه الانتخابي قضية رائجة، طرح نفسه حامياً للأقليات. لذا، ومنذ أشهر، لم يترك مناسبةً، إلا وانتهزها في هذا الإطار، بحسب تقديره، فإن المجتمع السنّي في سورية خرج نهائياً من دائرة التأثير، وهو مجتمع إما في الشتات، أو محاصر تحت رحمة قواته، أو لاجئ لدى بيئة النظام في الساحل، في حين أن مجتمعات المكونات الأخرى لا تزال محافظة على خريطة تواجدها، وصلابة تماسكها، وهذه الحالة كافيةٌ لمنحه الشرعية التي يريدها. كما أنها قضية، لها صدى خارجي مضمون النتائج.
وفق تلك المسطرة، حدد نظام الأسد شكل دولته ما بعد الانتخابات، وهي، بالتعريف، سورية التي تؤمن له دعماً سياسياً وتمنحه شرعية حكم، وهي كتلة جغرافية متماسكة، تمتد من دمشق العاصمة حتى سواحل المتوسط. ديمغرافياً تبدو كتلة صافية من المؤيدين، بحكم الانتماء المصلحي، بعد أن جرى إخراج ملايين المعارضين من حيزها الجغرافي، من ريف دمشق والقلمون وحمص، واستدخال بضع مئات آلاف من متوسطي الأحوال، من حلب والمدن الشرقية، مقابل سورية الموازية، الكتلة المقطعة جغرافياً وديمغرافياً، المحرومة من خدمات الدولة والحياة العصرية.
سورية الموازية تلك، هي التي ستظهر في البرنامج الانتخابي للرئيس، حيث سيركز على الوعد بمزيد من القتلى لسكانها، ومزيد من الدمار، ووعد دائم بإخضاعها، سورية الموازية تلك هي التي ستتصدر البرنامج الانتخابي الموجه للعالم الخارجي، حيث ستكون عنواناً للخراب والدمار والفشل.
 

 
5E9985E5-435D-4BA4-BDDE-77DB47580149
غازي دحمان

مواليد 1965 درعا. كتب في عدة صحف عربية. نشر دراسات في مجلة شؤون عربية، وله كتابان: القدس في القرارات الدولية، و"العلاقات العربية – الإفريقية".