رئاسة ترامب على مفترق طرق: شعبيته تتراجع باعتراف "فوكس"

22 اغسطس 2019
الصورة
ترامب يعيش حالة نكران حيال ملامح الركود الاقتصادي(Getty)
منذ حملته الرئاسية في العام 2016، يحتفظ الرئيس الأميركي دونالد ترامب بقدرة هائلة على تجاوز الحُفر الكبيرة التي يضع نفسه فيها، وذلك عبر صرف الأنظار عن أخطائه وخطاياه، أو اختراع أزمة أكبر من هفواته، أو شن هجمات مفتعلة على خصوم سياسيين وأقليات مهاجرة.

لكن خلال الأسابيع الأخيرة، تراكمت قضايا وأزمات بوجه ترامب، لدرجة أن أساليبه التقليدية، أو غرائزه السياسية للبقاء، قد تكون غير كافية لوقف الاتجاه الانحداري لرئاسته. ولاية ترامب الأولى على مفترق طرق، وقد تحدد الأسابيع والأشهر المقبلة ما إذا كانت تمثل اتجاهاً جديداً قد يحدد مصير الانتخابات الرئاسية العام المقبل، أو سينجح مرة أخرى في الإفلات من تداعيات سقطاته المستمرة. ثلاث قضايا رئيسية أدت أخيراً إلى وضع رئاسة ترامب على مفترق طرق: حوادث إطلاق النار الجماعي، وملامح الركود الاقتصادي في أميركا نتيجة الحرب التجارية مع الصين، واستهداف الديمقراطيين المُبرمج والفعال للرئيس والحزب الجمهوري. كل استطلاعات الرأي، منذ الأسبوع الماضي، تشير إلى تحوّل ما في المزاج العام الأميركي، لكن ليس واضحاً بعد ما إذا كان هذا الأمر اتجاهاً جديداً أو تعثراً مؤقتاً سيتمكن ترامب من تجاوزه.

في استطلاع الرأي، الذي نشرته قناة "فوكس نيوز" الأسبوع الماضي، ارتفعت نسبة الموقف السلبي من إدارة ترامب إلى 56 في المائة مقارنة مع 51 في المائة في يوليو/ تموز الماضي. كما تراجعت نسبة الموقف الإيجابي حيال رئاسة ترامب من 46 إلى 43 في المائة، أي انحسرت شعبيته مرة أخرى في استطلاعات الرأي، لتقتصر على قاعدته الأساسية التي لا تزال متمسكة به حتى الآن. هذه الاستطلاعات أتت بعد أسبوع من فشل ترامب في التعامل مع اعتداءات إطلاق النار الجماعي التي حدثت في الولايات المتحدة، ورؤية الأميركيين بشكل عام أن خطابات ترامب الاستفزازية تعزز الانقسامات وتشجع على العنف بطريقة غير مباشرة. وفي استطلاع "فوكس نيوز"، رأى 34 في المائة من الأميركيين أن خطاب ترامب زاد أعمال العنف في أميركا، فيما رأى 46 في المائة أن إدارة ترامب جعلت الولايات المتحدة أقل أماناً من حوادث إطلاق النار الجماعي. وكان لافتاً تعبير أغلبية الأميركيين عن خشيتهم من حادث إطلاق نار جماعي أكثر من اعتداء إرهابي، وذلك رغم كل خطاب ترامب التحذيري من خطر المهاجرين على الأمن الأميركي.

وإذا كان هذا الاستطلاع لا يكفي لإثارة غضب ترامب من هذه القناة المحافظة، فقد نشرت "فوكس"، خلال الأسبوع الحالي، استطلاعاً جديداً، يشير إلى أن أول أربعة مرشحين ديمقراطيين للرئاسة (أي جو بايدن وبيرني ساندرز وإليزابيث وارين وكامالا هاريس)، كلهم يتقدمون على ترامب في حال المواجهة معه في الانتخابات العامة. هذا الاستطلاع أغضب ترامب، الذي أكد أن استطلاعاته الداخلية تشير إلى أنه في الطليعة، مضيفاً "هناك شيء ما يجري في فوكس، وأنا غير مسرور بذلك"، وهو يعني أن هذه القناة المحافظة، التي تتصدر الإعلام الأميركي، أصبحت أكثر تنوعاً في آرائها، وأكثر استعداداً لانتقاد الرئيس، بعد التغييرات في إدارتها منذ رحيل أحد أبرز رموزها ومؤسسيها روجير أيلز.

الملف الثاني الذي يقض مضجع ترامب هو ملامح الركود التي تكشفت نهاية الأسبوع الماضي، من خلال انهيار الأسواق المالية الأميركية. ترامب يعيش حالة نكران حيال هذا الأمر، لأن أداء الاقتصاد الأميركي الجيد حتى الآن هو أفضل عناوين إدارته وأمله الوحيد لتجديد ولايته الرئاسية. وكانت هناك تقارير في البداية تشير إلى أن ترامب يعيش هاجس هذا الركود، حتى خرج إلى الإعلام ليصف تقارير التباطؤ المحتمل بأنها "أخبار زائفة" تحاول إجهاض فرصه لولاية ثانية، ويصب انتقاداته على الاحتياطي الفيدرالي لعدم تدخله في الأسواق وخفض أسعار الفائدة لتنشيط الاقتصاد. هناك إجماع بين الخبراء الاقتصاديين الأميركيين على أن الركود ليس وشيكاً، لكنه متوقع في العامين المقبلين، وبالتالي السؤال هو عما إذا كان التراجع في الاقتصاد الأميركي سيحصل قبل الانتخابات الرئاسية الأميركية أم بعدها.

لكن من الواضح أن البيت الأبيض يحاول، هذا الأسبوع، تعميم أجواء من التفاؤل حول الاقتصاد، في محاولة لتبديد هواجس الأسواق المالية والناخبين. ويشير استطلاع مشترك، نشر هذا الأسبوع، لصحيفة "وول ستريت جورنال" وقناة "أن بي سي"، إلى تراجع شعبية ترامب نتيجة المخاوف من الركود الاقتصادي، إذ لا يؤيد 46 في المائة مقاربته للاقتصاد الأميركي، وهذه النسبة كانت 34 في المائة في يوليو/ تموز 2018. واللافت أن 64 في المائة من الأميركيين يفضلون التجارة الحرة مقابل 27 في المائة يرفضونها، في رسالة واضحة ضد سياسات الرسوم التجارية التي يتبعها البيت الأبيض. تفسير هذه الأرقام هو أن هناك تحوّلاً كبيراً بين الناخبين المستقلين وقد يكون صبرهم نفد حيال ترامب، لا سيما في القضايا التي تعنيهم بشكل رئيسي، لا سيما التغير المناخي وحوادث إطلاق النار الجماعي وحال الاقتصاد الأميركي. ويسعى ترامب، بحسب صحيفة "نيويورك تايمز"، إلى تأجيل هذا الركود عبر إقرار خفض محتمل على ضريبة الدخل وإمكانية إلغاء بعض الرسوم التجارية.

الملف الثالث هو تصاعد حملة الديمقراطيين ضد ترامب والجمهوريين بشكل عام. هناك حملة تخوين ليبرالية ضد الجمهوريين لموقفهم من الكرملين، واستعدادات لإطلاق إجراءات عزل الرئيس في الكونغرس، في ظل مزاج يتبلور بين الليبراليين بضرورة فتح الكونغرس هذه المعركة قبل الانتخابات الرئاسية العام المقبل. إجراءات العزل تعني أن هناك جلسات استماع علنية للتحقيق بما فعله الرئيس، وذلك يشمل الاتهامات الموجهة إليه والأدلة، ما يعني تسليط الضوء مرة أخرى على تفاصيل تقرير المحقق الخاص روبرت مولر وتحقيقه عن التدخل الروسي في انتخابات العام 2016. هذه المعارك في الكونغرس قد تزيد من تشاؤم الأميركيين، لا سيما أن آخر استطلاع لـ"راسموسن" يشير إلى أن 37 في المائة منهم فقط يرون أن الولايات المتحدة تسير على الطريق الصحيح، مقابل 58 في المائة يرونها تسير على الطريق الخطأ. ترامب يصرف الأنظار عن هذه القضايا عبر مواقف مثل تشجيع إسرائيل على منع زيارة نائبتين من الكونغرس، واتهام شركة "غوغل" بأنها تلاعبت بملايين الأصوات في انتخابات العام 2016. طبعاً ليست هناك أي أدلة علمية أو حسية لمواقف ترامب التي يبدو أنها تتجاهل محاولات قرصنة روسيا للانتخابات الأميركية المقبلة، كما تغذي مشاعر التشكيك بالنظام السياسي بين قاعدته الشعبية، وبالتالي يحفزها على الالتزام معه، وحتى يبرر لها منذ الآن أي خسارة محتملة في الانتخابات الرئاسية المقبلة.