رأيتُ في عينيه

06 يونيو 2019
الصورة
(الكاتبة)
+ الخط -

العيون هي أبواب الرؤية.
عندما نفتحها نرى العالم كلّه،
والبنية المهتزّة في حياتنا.
وعندما نُغلقها نجد أنفسنا حتماً
في العالم الدنيوي، عالم الظلّ.

في ذلك المساء، خرجتُ للنزهة في الحديقة... هناك تحت ظلال الأشجار التي تمتدّ على مسافة طويلة. أردت أن أَنسى، وأن أُنسى... أن أقضي بعض الوقت مستمتعةً بمنظر جديد، بعيداً عن صخب المدينة، عن ازدحامها وتجاوزاتها. فقط بهذه الطريقة، كنتُ أشعر أنني أستطيع أن أحيا وقتي بالشكل الذي يحلو لي.

رأيتُه من بعيد وهو يستند بظهره إلى شجرة الأوكاليبتوس المعمّرة التي تقف بشموخ بين أشجار الصنوبر، هناك بجوار النهر الصغير الذي كانت مياهه تجري فقط بعد هطول الأمطار الغزيرة. من الواضح أن الأمطار قد هطلت مؤخّراً، لأن النهر كان يتدفّق بسرعة كما لو كان يريد أن يكون طوق نجاة للحدائق المحيطة به، بينما في رأسي كانت تدفق أفكار أُخرى.

كانت يداه تعبثان بشيء لم أستطع تحديده. فكّرتُ أنه من الممكن أن يكون هاتفه، إحدى ضروريات العصر الحديث التي بدونها نشعر بالنقص. انعكاسات متداخلة لأشعّة الشمس تُشبه أجنحة طاحونة الهواء، كانت تسقط على أوراق شجر الأوكاليبتوس الكثيفة وحولها، راسمةً بذلك لوحة فسيفساء متعدّدة الألوان، كإبداعات فصل الربيع، غير أنها تظهر في فصل الشتاء.

سِرتُ نحوه، التفتَ برأسه نحوى، ومن ثمّ عانقتني عيناه، شعرتُ وكأن تياراً كهربائياً يخترق جسدي، كِدت أفقد الوعي، أشحتُ ببصري في اتجاه آخر كي أسترد وعيي.

تذكّرتُ جدّتي التي كانت تقول لنا إنه عندما يُولَد شخص في وقت العاصفة، فإن أحد أشعة البرق يحيد عن الطريق، ويتشكّل كقطعة مغناطيس، ثم يخترق عينيه، ولهذا تشعر بوميض في نظراته. تُرى هل حدث لي شيء كهذا؟

أكملتُ طريقي نحو الميناء، وجلستُ على أحد المقاعد المُغطّاة بغطاء يتداخل فيه اللون الأخضر والأصفر بسبب وجود الكثير من بقايا التوت، وأيضاً نبات القصب - جاء وجلس بجواري - شعرتُ بأنفاسه تغمرني - مدَّ يده وأمسك بيدي - لم نتحدّث، كنّا ننظر فقط إلى أيدينا المتشابكة، ونقارن لونيهما، وكذلك حجم الأظافر، وطول الأصابع.

كانت لديَّ رغبةٌ شديدة في النظر إليه مرّةً ثانية، وأن أتأمّل عينيه ذات اللون الأزرق والأخضر، لمعرفة سبب اختلاف لونيهما. تُرى ماذا تحملان بداخلهما؟ التفتُّ إليه بشكل حاسم، لكن تياراً دافئاً اخترق جميع خلايا جسدي وظلّ يواصل طريقه في أعماقها، حتى مرَّ تيار شتاء باردٌ من بيننا فخفّف من توتُّري.

عندئذ، شاهدت سرباً من الكلمات يخرج من عينيه. كانت كلمات توحي بالألم، لكنّها في الوقت نفسها، كانت جريئة وجامحة. ذكّرتني تلك الكلمات بأيامنا المدرسية، وبثورات الشباب. لقد تخيّلته شاباً يمتطي درّاجته، يحاول عبور الطرق والأنهار التي تؤدّي إلى أحد المخابئ الشبابية.

رأيت - في عينيه - إحدى القُرى الواقعة على واد بين الجبال، وبعض الكنائس والطرق الصغيرة التي تتقاطع مع بساتين الزيتون، والبرتقال، والماندرين، وأيضاً البرغموت.

شاهدت، أيضاً، إحدى الأُمّهات داخل دار رعاية... بيت النسيان كما كان يُسمَّى. كان الجميع هناك ينسى شيئاً فشيئاً أين هو، ولماذا يوجد هناك، ومن كان يزورهم. فقط والدته هي التي ما زالت تحتفظ بعقلها، كانت تنتظره كل سبت، وبجوارها بعض العجائز اللاتي كن ينتظرن الموز.

وسط الأجسام الصامتة، لم يكن هناك سوى أنفاس السُّجناء المضطربة... أجساد المسنّين الصامتة، ودموعهم الجافّة. وأماكن العبادة أصبحت مليئة بالتوتُّر والاضطراب. البعض هجرها إلى الأبد، والبعض الآخر ظلّ هناك رغم أن روحه لم تعد متعلّقة بالمكان.

ذكريات فارغة كانت تنسجها معظم النسوة كلّ يوم وهن يغزلن بعض السجّادات أو الأغطية، دون أن يعرفن لمن سيكون هذا السجاد أو ذاك الغطاء. لم تكن والدته بحاجة إلى الوقت، بل إلى الموت، الذي لم يأت بعد كي يأخذها. على الرغم من هذا، ظلّت تتنبّأ، مستعينةً ببعض القصص والترانيم، بالأيام القاسية من حياتها. كما أنها تقبّلت كل الأشياء الغريبة، كلّ الأشياء السيئة واللاإنسانية من حولها. وبما أنها كانت تعيش معهن، لم تستطع فعل شيء آخر، كما أنه لم يكن لديها خيار آخر.

رأيت - أيضاً في عينيه - أحد الآباء الذي عاش حتى شاهد الحرب العالمية الثانية. كان رجلاً شجاعاً ووسيماً - لقد نجا من الحرب، ومن الجوع، ومن الحرب الأهلية، لكنه مات من جرّاء حفره في صخور الجبل (بحثاً عن الكنوز). كانت سنوات صعبة وقاسية مثل الحديد، وكان الناس في فاقة شديدة، لكن الأرض غضبت على هؤلاء الذين سعوا وراء تلك الرغبة، وظلّوا ليل نهار يعبثون بأحشائها.

رأيت - في عينيه - الماضي والحاضر والمستقبل، وأنا أشاهد كل ذلك من الخارج، والحياة التي أراها من مكاني تسبّب الألم والخوف.

عندها لاحظتُ في جفن عينيه دمعتين تنتظران شيئاً ذا أهمية. كانت قزحية عينيه تلمع كظلال البحر العميقة وقت إشراق الشمس.

قال: "عندما نكون صغاراً، نعيش بلا مبالاة. ولكن بمرور الوقت، كلّما تقدّمنا في السن، نرتكب وهْمَ العيش كما لو كنا محاطين بالخلود".

عندما بدأ الشفق يمتدّ فوق الحديقة، كانت أزهار الليل على ضفاف النهر لم تزل أوراقها مُغلقة، وعندما تفتّحت، كانت رائحتها توحي بالكآبة.

في صباح اليوم التالي، سمعتُ أن والدته رحلت بهدوء... مثل غروب الشمس.


* Lily Michaelides شاعرة وكاتبة من مواليد مدينة نيقوسيا، حيث تعيش وتعمل اليوم. صدرت لها ثلاث مجموعات شعرية عن "منشورات غفوستيس" في أثينا؛ هي: "كيمياء الزمن" (2001)، و"أشكال وطرق في الإغاثة" (2003)، و"ذكرى الفجر" (2004)، والتي صدرت باللغتين اليونانية والإنكليزية. ومن كتاباتها النثرية: "المدينة لا تحتاج لتوصيات" (2011)، و"قطرات من شعب الماساي" (2017).

** ترجمة عن اليونانية محمد عبد العزيز

المساهمون