ذهول وأيام متشابهة

23 مارس 2020
الصورة
+ الخط -
هل أسهمت منظمة الصحة العالمية، من حيث لا تدري، في انتشار فيروس كورونا (كوفيد 19)؟.. بالرجوع إلى التصريحات الأولى "المطمئِنة" من مدير المنظمة، أدهانوم غيبريسوس، في بداية انتشار المرض، وتنقّله "الحر" بين بلدان العالم وقاراته، يمكن أن يلاحظ المراقب ما يشبه "استهانةً" وتقليلا من شأن هذا العدو الخفي. وحتى خلال تقدّم المرض، واتساع خريطة نزهاته وجولاته على الأرض، ظلّ الخطاب هادئا، ثم بعد أن أصبح الفيروس سيدَ الموقف، وما عاد أحد يحتاج إلى تصريح أو تحذير، اشتدّت وتيرة الخطاب، وقويت نبرته واعتبرته المنظمة وباء.
كورونا الآن هو من يتولّى زمام الأمور، يشدّ ويرخي، بل هو من يتصدّر أخبار العالم، حتى غدا بمثابة الخبر الوحيد الذي يرُوج في الكون كله، ليس فقط في مقدّمة نشرات الأخبار وعناوين الصحف، بل أيضا في أحاديث الناس اليومية التي أصبحت، بسبب العزل، أحاديثَ تكاد تكون فردية، بالنظر إلى ما يسجله "فيسبوك"، مثلا، من نشاط قلّ نظيره بسبب هذه العزلة. لقد أصبح الفيروس بذلك مهيمنا على المكان والزمان، بل موجّها مواضيع النقاش، إذ لا حديثَ للناس، مع محيطهم الصغير وفي صفحاتهم الافتراضية، إلا عن هذا الشبح وتداعياته، وعن آخر أعداد المصابين به والمتوفين بسببه المتصاعدة، واتساع خريطة نفوذه.
لقد أثبتت مؤسسة الصحة العالمية، بتردّدها كثيرا في الحديث عن الوباء، أنها هيئة إدارية هيكلية تنفيذية فقط، هيئةٌ بلا فلاسفة، كما قال ميشيل فوكو وهو يتحدث عن هيئات السجون التي تسهم، في نظره، من حيث لا تشعر، في تقوية خبرات المجرمين وتجهيزهم بكل ما يلزم من معلومات نظرية، وإعادتهم مجدداً إلى المجتمع، ولكنْ بفرق واضح هذه المرة.
وقد مكّن سوءُ تقدير من المؤسسة العالمية للصحة، في البداية، الفيروسَ من خبرة وقوة وقدرة على المراوَغة والتشكل والانتشار، فأخذت أعداد المصابين تزيد أمام دهشة العالم وصدمته، ما حوّله الوباء إلى "سجن كبير"، ينعزل فيه الناس، مكرهين، عن محيطهم.
فجأة، استبدّ بفضاءات حياتنا هذا العدو الخفيّ والمرعب الذي تخلل بنية الكون، من دون أن ينتبه أحد. تسلل إلى الكيانات والدول، ثم إلى الأجساد، بعشوائيةٍ بدت كأنها مدروسة وانتقائية، ولكنها صعبة التحديد.. وما علينا، نحن شعوب العالم الثالث، في ظلّ احتكار الغرب كلَّ أساب القوة والمعرفة، سوى انتظار نتائج صراع العلم مع الفيروس، وما ستتوصل إليه المختبرات من أدوية. ولا يخفى على أحد أن سبب هذا الاهتمام الطبي المتنامي أنّ العالم المتطوّر تحول، فجأة، إلى بؤرةٍ منتجةٍ للمرض وناقلة له.
وبقدر الدهشة التي تعتري العالم من التفاقم غير المسبوق لهذا القلق الخفي والغامض الذي تملّكه من فيروس كورونا، فإنّ تأمل الحالة لا يتيح لك فهمها، إذ أنت دائما أمام متغيّر جديد يطرأ فجأة نتيجة لهذا المرض، إلى درجة أن أيَّ منتحل لمقال ليس له، سيتخلى رأسا عن اقترافاته نتيجة توفر المادة التي تفرض نفسها على طرف أي قلم ولسان، ومن أي زاويةٍ يشاء الكاتب، ولو من الزاوية الدينية، ومن دون الحاجة إلى كثير من التفقّه، مركّزا فقط على حضّ الدين وعلى ضرورة الاغتسال والنظافة. يمكننا، إذن، ونظراً إلى كثافة الحالة وضغطها، قراءة هذا المرض وتأثيراته المتجدّدة من زوايا عديدة متشعبة، وأهمّها في رأيي كسر وهم الخصوصية والعولمة. فبسبب هذا الطارئ الواقعي الشّرس، المتمثل في فيروس كورونا، العابر لحدود وحواجزَ هي في الواقع وهمية متداخلة، صار العالم يتجه، في ظلّ تطور انتقال الفيروس كل يوم من حالة التمدّد العولمي إلى الانكماش. كما أن "حالة" العالم الآن تثبت أن الإنسان في حاجة ماسّة إلى خدمات الإنسان، فلم يعد بإمكان القوى الغالبة تشكيل العالم وفق أهوائها ورغباتها...
ما يحدث الآن يقتضي مضاعفة الجهود الجماعية للوقاية من الوباء، والحدّ من انتشاره، وتكثيف البحوث الطبية للوصول إلى العلاج. وأملنا في العلم، وكذا في اقتراب فصل الصيف، كبير. وما لم تستجدّ معطيات سلبية أخرى، فإن هذا أكثر وقتٍ تحتاج فيه البشرية إلى التضامن والتآخي والتآزر وكسر حواجز الوهم والفوقية لقهر هذا العدو المشترك.
593B5A80-7333-4F6B-AC2C-800C049BDB93
محمود الرحبي