ذهاب وإياب

ذهاب وإياب

23 فبراير 2017
الصورة
(الشاعرة في بورتريه لـ خورخي تَكلا)
+ الخط -
I

بعينَيْ عُقابٍ أسْودَ
النّهرُ التَّلُّ / أرى كلّ شيءٍ مُضبّباً
الغيوم العاليةَ والباردة
عليَّ أن أرْحلَ
قبل أنْ تبصقَ
الحيّاتُ المجنَّحةُ حقائقي
وقبل أن يموت أصدقائي

يصْعَد البَرْقُ
عَبْرَ الحُنجرةِ المُعْتمة
عاصفةِ القَذال

في البدء وفي الختام
أنا حيوان هائج
يوشك أنْ يُهاجم عوالِمَكَ الأخرى

أوشك أن أرْحَل
دون أن أُوَدِّعَك
وفْقَ قُبلتِكَ
الصمتُ / يَرْبح كلَّ الارتحالات
المسافةُ هي الجُزءُ الأقصر
منطقة الصِّفْر
لو كانَ الجذْرُ هو الحدود
التي ذَبُلَتْ

أنا حيوان هائجٌ وغريق
أوشك أن أسقُطَ
في ذلك الجُفاء الغنائي
المنفلت

أُمْسك مفاتيح السيارة وأنطلق
مقتنِعة بعدم العودة
مصلوبَةً
أمضي عَبْرَ طريقٍ من نارٍ خضراءَ ولغاتٍ كثيرة
تَغْمُرُه كلُّ دموع الرَّبّة "كُوش"
بينما السماءُ رماديّةٌ ومتوقِّفةٌ
مكبوحةٌ إزاء عُلُوّ
الشَّجرةِ العظمى / لونها
يشبه جدّاً لون الإله العظيم
الحكيم في الصمت

وبَيْد ذلك لا أُقيم اتصالاً
مع ما يوجد في الخارج
يَحُلُّ الضبابُ كقبائلَ عدوَّة
تندفع السيّارةُ
المِقوَدُ طائرٌ رماديٌّ
الرَّصيف مياهٌ مضطربَةٌ
ليس بالوُسْع تمثُّلُ
الكمالِ ولا أيّ شيءَ يُشبِهُه

المطرُ هو الخِشية
يا لجسدِ البشر المُبلّل
والحلمُ الذي رأيناه
كنّا نهزم فيه أنفسنَا

السيارةُ تندفع
الإنسانُ عُقابٌ
نَفْخَةُ النارِ
تَصِلُ كلَّ رقعةٍ
في أرضِ لا أحد.

يَلُفُّ الضبابُ التَّلّ
تَجْرُؤُ المنعرجاتُ على أن تقول لي
أنْ لا شيءَ أكثرُ مُباشَرَةً
وأنْ لا أحدَ يمشي في طريق واحدٍ
والأفضلُ أن نعيشَ دونَ محطاتٍ

تُعْلن لوحةٌ طريقَ العودة وأكادُ أَرجِع
الدموعُ الجافَّةُ جميعُها على وجهي
أرضٌ جافّة
وطقْسٌ سيئ في دماغي

أنا فريسةٌ مُطارَدةٌ / أو حيوانٌ مفترِسٌ

أيٌّ يكون لوْني يا تُرى
وماذا لو فقدتِ السُّمومُ لونَها
وماذا لو غَيَّرَ الهِياجُ لوني


II


تتقدَّمُ السياراةُ مثلما سياراتٌ كثيرة
وتستمرّ الحياةُ شأنَ حيواتٍ كثيرة
وأبعد من ذلك قليلاً / من لا مكان
يشتدّ الموتُ
يتورّم جِلْدُه

تعلن لافتةٌ عددَ الكيلومترات المقطوعة
وعدد المتبقّية
الطريقُ لا نهائيٌّ في يومٍ مثل هذا
شلّالُ نارٍ بلا مَنْفذ إلى البحر

تنتهك الريحُ كلَّ وضعٍ
بصيغتها التهكّمية في الأعالي
هي تعرف أني لن أَلْحَقَها
مهما أسرعْتُ
ومهما أسْرعْتُ
لن ألْحَقها

يجري الحيوان باتّجاه فريسته
تَعْرف الفريسةُ أنها خاسرة لا محالة
تموت / دون مقاومة
بيديْن إلى الخَلْف / صامتة
وأولئك الرجالُ على جنب الطريق
لأولئك الرجال خمسة أو عشْرة آلاف سنة
وما زالوا مُطارَدين

لديّ شَعْرٌ أقلُّ، ربما
لا أمشي على أربعة قوائمَ
أحياناً أنسابُ كأفعى
أنفاسي هي التي تقتلُ
لديّ كلُّ الأسباب لأخسر
أَدَعُني أسقطُ (دون مقاوَمة)
في قبضة الحنين

ما تبقّى سواء
حيوانٌ يُقاتل في كلّ معاركه
وينتصر
ومرَّةً واحدة من عَشَرٍ فقط
يروي غليل غرائزه
بين ديانات كثيرة

يستمرّ القلب خَلْفَ الجِدار
تُحصى الأيّامُ كالحروب
نهايةُ الوطنِ القديم والجديد
أيّاً كان تحوّله
لا أعرفُ جيّداً ما يَحْدُث في الخارج
ما أعرفُه فقط هو كيف تُنحَر الأكباشُ
قريباً جداً من الذئاب

ليلاً في السرير تغمرني
حُمَّى هذيانٍ بلا سبب
مَنْ يعرف قوسَ قُزح؟
مَنْ يَرمي كلَّ السهام؟
مَنْ يَسمعُ أنينَ أورفيوس؟

لا يزال أعداءٌ كثيرون موجودين
كلَّ يومٍ تهددُّنا حرْبٌ
مَطَرٌ خشنٌ وأحمرُ من زهور الأنْيانْيُوكا
قطرةُ زيْتٍ في العيْن
لا تُعمِّدُ
ولو بهيمة واحدةً من بهائمي

أغدو جرحاً
أبحث عن ملاذ
صغاري تائهة
بأفواه يابسة ووجوهٍ ترابيّة
وألسنة غير محظوظة
ولا سِنَّ عرفتْ فيه السعادةَ

تتوقَّف دبَّابةٌ
أمامَ باب البيْتِ
إنهم الرِّجال، يقولون لي
يبحثون عن فريستهم
إنها هنا، أقول للجنود
اِنتهِزوا الفرصةَ، خُذوها نائمةً واسجنوها
بعيداً عن عيون غزّة وبيت لحم
دمُها يرسُمُ
تُراباً مُصادَراً
وكمَّامتها

واحدةٌ أخرى، يُجيبون راضِين
يقلّون يوماً تلو يوم
كلّ يوم
هم أقلُّ


تشيلية من سورية

رغم أن معدة القارة اللاتينية قوية وقادرة دائماً على هضم ثقافة المهاجرين إليها، إلا أن الشاعرة التشيلية جيسيكا عتّال (Jessica Atal) المولودة عام 1964 في العاصمة سانتياغو لأسرة سورية مهاجرة، لا تتخلى عن جذورها العربية. ارتباطها بالقضية الفلسطينية، نشاطاً سياسياً وكتابة، هو أيضاً تجسيد لقيم التحرر التي تؤمن بها، وهو ما يظهر جلياً في شعرها. من أعمالها: "تنويعات بأزرق عميق" و"ستارُ فِيَلة". 



* ترجمة عن الإسبانية: مزوار الإدريسي

المساهمون