ذكورية المجتمع العربي والعنف ضد المرأة

ذكورية المجتمع العربي والعنف ضد المرأة

26 نوفمبر 2016
الصورة
+ الخط -
تعاني نساء كثيرات في كل العالم، على اختلاف الثقافات التي ينتمين إليها، من كل أشكال العنف ضدهن، وتتعدد عوامل انتشار هذه الظاهرة ما بين انخفاض مستوى الوعي وانعدام وجود قوانين رادعة، ووجود منظومة عادات وتقاليد تشرعن هذا العنف، إضافة إلى انتشار الفقر ووجود تشريعات دينية مطاطية مع خطاب ديني سلبي تجاه النساء وقضاياهن بشكل عام في بعض البلدان، وغيرها من الأطر المختلفة التي تسمح لظاهرة كهذه بالانتشار، من دون رادع حقيقي، يحافظ على إنسانية المرأة وكرامتها وسلامتها بالدرجة الأولى.
يحتفل العالم في 25 من نوفمبر سنوياً باليوم العالمي للقضاء على العنف ضد المرأة، تتعدد فيه وسائل التعريف بنوعية هذه الانتهاكات، وتطلق حملات التوعية من خلال وسائل الإعلام المختلفة، للفت نظر المجتمعات إلى ضرورة القضاء على كل أشكال العنف ضد المرأة في العالم، ورفع مستوى الوعي لديهن في كيفية الحفاظ على أنفسهن، من خلال معرفة الوسائل القانونية التي يستطعن بها توفير الحماية لأنفسهن من كل أشكاله، ابتداءً من العنف اللفظي والمعنوي انتهاءً بأخطر أنواع العنف، المتمثل بالعنف الجسدي.
توجد سلسلة انتهاكات مريعة تحدث في حق النساء كل يوم، إلا أن لمجتمعاتنا العربية الحظ الأوفر مع انعدام وجود نصوص قانونية قوية ونافذة في ما يتعلق بهذه الانتهاكات. فالقتل، في بعض المجتمعات المحافظة بذريعة الحفاظ على الشرف، جريمة يمكن تمريرها بمنتهى البساطة، على الرغم من أنه يمثل أكثر الأفعال وحشيةً وشذوذاً، ويعتبر أقصى أنواع العنف ضد المرأة وأبرز جرائمها.
أما الاغتصاب، على فظاعته وكارثيته، فنتائجه على المستوى النفسي والجسدي للمرأة، إلا أن
غالبية نصوص القوانين في بلداننا العربية تعفي المغتصب من الملاحقة القانونية، إذا ما تزوج الضحية، لتجازى بذلك المغتصبة باغتصابات متتالية متعددة، مشرعنة هذه المرة بختم المحكمة وبمباركة أهل الضحية واحتفاء أهل الجاني، ونفاذه من عقاب لجرم بهذا الحجم. ففي القوانين، العراقية والأردنية والسورية والمغربية والموريتانية، على مستوى التنفيذ، تصبح عقوبة السجن، سنوات معدودات، المخرج للمغتصب في نهاية المطاف، كما هو أيضاً نص مادة القانون التونسي الذي يعد من أفضل المواد القانونية عربياً، "أن يعاقب بالإعدام كل من واقع أنثى باستعمال العنف، ويعاقب بالسجن مدى الحياة كل من واقع أنثى من دون رضاها".
الاغتصاب الزوجي، والذي يحدث في غرف ملايين النساء، نوع آخر من العنف المسكوت عنه عربياً، بل إنه لا يعتبر اغتصاباً في مجتمعاتنا، بل حقاً زوجياً مكتسباً مسنوداً، ومبرراً شرعاً، مع انعدام وجود أية وسائل متاحة للنساء للتعبير عن رفضهن. فقد تؤخذ الزوجة عنوةً إلى الفراش، بحجة الحق الشرعي، لتعيش اغتصاباً حرفياً، وهي لا تمتلك القدرة على قول لا حتى بينها وبين نفسها، خوفاً من الملائكة التي ستلعنها طوال الليل إذا رفضت.
وزنا المحارم نوع آخر من الاغتصاب البشع الذي تتعرض له النساء، وينجو منه الفاعل بفعلته بسهولة أكبر، لما له من حماية كبيرة، كفرد من العائلة محتمياً بالخوف الذي يعتري المرأة من الحديث أو فضح رجلٍ من عائلتها كمغتصب، وخصوصاً في المجتمعات المحافظة والمتشددة والمتدينة تعليمياً واقتصادياً.
الضرب هو الآخر أحد أكثر أنواع العنف شيوعاً، والذي لا يقتصر على الآباء والأزواج والشركاء أو على مستوى الأسرة الاجتماعي أو الاقتصادي، بل هو حق مكفول مجتمعياً للأخ في فعل ما يراه مناسباً حيال أخته، وبمباركة الأم أحياناً، وبتحريض منها أحياناً أخرى. المرأة التي تتعرّض للضرب أياً كانت طريقته، أو نوعه، هي ضحية لتشوهات مجتمعية وأسرية خطيرة، تشوهات محكومة بإطار ديني قوي في مجتمعنا الإسلامي، مهما حاول المفسرون الخروج من هذا المأزق التشريعي بتفاسير مختلفة.
تتعرض المرأة للضرب في كل المجتمعات، على اختلاف ثقافاتها، إلا أن ارتفاع مستوى التعليم وانخفاض مستوى الفقر ووجود نصوص قانون قوية ومنصفة وارتفاع مستوى الوعي من أهم معايير تقليص نسبة هذا الجرم بحق المرأة، بالإضافة إلى الاستقلال الاقتصادي الذي يساعدها كثيراً على حماية نفسها.
العنف اللفظي والمعنوي هو الآخر من أشد أنواع العنف وأقلها إدراكاً من النساء أنفسهن بأنه
عنف حقيقي وسيىء وخطير، وله آثاره طويلة المدى عليهن. هذا العنف الذي يتمثل في التحقير والتقليل من شأن المرأة وإضعاف ثقتها بنفسها هو وسيلة تنم عن ضعف وخبث شديدين عند الرجل، الذي يستخدمها طريقةً لإذعان المرأة في حياته، مع إنهاء فعلي لحياتها.
لا يمكن حصر أشكال العنف ضد المرأة هنا، فالتحكم في قرارات المرأة عنف، وفرض طريقة حياة معينة عليها عنف، وتحديد شكل ملبسها عنف، والتدخل في خياراتها من تعليم وعمل وزواج عنف، وإملاء خياراتٍ معينةٍ عليها، وممارسة الإرهاب الذهني والفكري عليها عنف، والتحرّش عنف والابتزاز العاطفي عنف.
ومع استمرار تدهور الأوضاع السياسية والاقتصادية في بلداننا العربية، فإن مستوى العنف ضد النساء يزداد بصورة تلقائية نتيجة الانفلات الأمني وتخلخل الدولة بكل مؤسساتها القانونية والقضائية، بالإضافة إلى الضغوط الاقتصادية التي تتسبب في مشكلاتٍ أسرية كثيرة، وتفريغ طاقة العجز في النساء في معظم الحالات في المجتمعات الأكثر تضرّراً.
في زمن، كالذي نعيشه، لسنا في حاجة إلى قصص كثيرة مشابهة لحكاية الأخوات ميرابال، والتي أصبحت رمزاً لقضية العنف ضد النساء، ومثلت سبباً لاختيار 25 من نوفمبر يوماً عالمياً للقضاء على العنف ضد المرأة، متبوعاً بالحملة السنوية التي تستمر 16 يوماً، لمناهضة كل أشكال العنف ضد المرأة. وقد مثلت الأخوات اللواتي تم اغتيالهن في العام 1960 في عهد الديكتاتور رافايل تروخيو في الدومينيكان رمزاً لخروج المرأة عن صمتها في الشأن السياسي، إلا أنهن أصبحن مدعاة للتأمل والتذكير لكل نساء العالم بمدى أهمية إدراكهن حقوقهن، ومعرفتهن الوسائل التي تكفل الحماية لأنفسهن من كل أشكال العنف، فأصبحن رمزاً متجدّداً لضرورة كسر حاجز الصمت وتجاوز قيود الخوف والمجتمع والضعف.
نحتاج إلى مراجعة الخطاب الديني، في ما يتعلق بإعطاء الرجل الحق في تحديد إطار تعامله مع النساء، وذلك مع وجود نصوص مطاطية قابلة لأكثر من تفسير. ونحتاج إلى خطاب إعلامي مسؤول، يعمل على رفع مستوى الوعي المجتمعي تجاه قضايا العنف ضد النساء. ونحتاج إلى قوانين فاعلة ونافذة ورادعة في ما يتعلق بهذا الشأن. والأهم من ذلك كله، نحتاج إلى ثورة مجتمعية أخلاقية، تعزّز مسألة أنسنة الرجل أكثر في تعامله مع النساء من حوله، مع حث مستمر للمرأة لمعرفة حقوقها وتعريفها بالوسائل القانونية والاجتماعية التي تساعدها على حماية نفسها، وفي معرفة أنواع العنف التي قد تطاولها كل يوم، من دون أدنى إدراك منها أن ما تتعرّض له لا يندرج تحت بند الأمور الطبيعية، بل تحت بند العنف السيىء الذي من حقها كمعنفة أن تقول له كفى، وبصوتٍ عالٍ بلا خوف أو تردّد. وعليه ليأخذ المعنف جزاءه العادل، أياً كان شكل العنف الذي مارسه.
C4CD8AE1-EE0A-4735-AEC1-AF0954020623
ابتهال حسين الضلعي