ذكريات مضيفة طيران في ألمانيا الشيوعية قبل سقوط الجدار

11 نوفمبر 2019
الصورة
لوحة "حياتنا" تمجد الحياة الاشتراكية (والتر ووماكا/ Getty)
+ الخط -
يمكن للزائر أن يرى داخل الصندوق الزجاجي، الزي ذا اللون البني الفاتح مع القبعة الزرقاء، الذي كانت ترتديه مارينا بثيج في إطار معرض حول الحياة في برلين الشرقية، وذلك بمناسبة مرور 30 عاماً على سقوط جدار برلين.

ومثل جميع مواطني ألمانيا الشرقية في ظل الحكم الشيوعي السابق، كانت بثيج التي تبلغ من العمر حالياً 59 عاماً، تعيش حياة تختلف في طبيعتها عن تلك التي تعيشها بعد سقوط سور برلين.

وبعكس الأمر بالنسبة لكثير من مواطني ألمانيا الغربية كان عام 1989 يمثل انفصاماً حقيقياً عن ماضيها، وهي مغرمة بكل من الحياتين، واحدة منهما كطفلة وفتاة شابة، واليوم كجدة.

وكانت وظيفتها مضيفة جوية في زمن جمهورية ألمانيا الديمقراطية أمراً مميزاً، حيث إن ذلك كان يعني أنها بخلاف معظم مواطنيها كانت تستطيع السفر إلى الخارج.

وتقول "لم تكن هذه الميزة بالنسبة لي شيئاً لطيفاً، فقد كنت أستطيع السفر بينما يحرم منه آخرون".

وتضيف "إنني كنت ممثلة لبلادي ألمانيا الديمقراطية في ذلك الوقت"، مما يعني أنه كان عليها الالتزام بشدة بما هو متوقع منها من سلوك.

وخلال الفترة من 1980 حتى 1987 سافرت إلى العديد من دول العالم، مثل قبرص وكندا وكوبا ونيجيريا وفيتنام وباكستان، ولم يدر بذهنها إطلاقاً أثناء رحلاتها الخارجية أن تهرب من بلدها، ذلك لأنه كان لديها زوج وأطفال.

وعملت بثيج في شركة إنترفلوج وهي شركة الخطوط الجوية التابعة لدولة ألمانيا الشرقية وتأسست عام 1958، وأغلقت أبوابها بعد ذلك بـ 33 عاماً، بعد سقوط سور برلين.

وهذه الشركة دخلت ذات مرة موسوعة غينيس للأرقام القياسية العالمية، حينما قامت إحدى طائراتها برحلة استغرقت 13 ساعة و25 دقيقة، من مدينة كوماموتو في اليابان إلى مطار شوينفيلد ببرلين في 21 نوفمبر/تشرين الثاني 1989، وكانت تعد أطول رحلة جوية من دون توقف تقوم بها طائرة من طراز إيرباص إيه 310.

سقوط اليوشن

وكان أشد الأيام سواداً في تاريخ الشركة هو 14 أغسطس/آب 1972، عندما سقطت واحدة من الطائرات التي تمتلكها من طراز إليوشن 62 بالقرب من بلدة كونيجز ووسترهاوزن، التي تبعد فقط مسافة 30 كيلومتراً عن وسط برلين، وأسفر الحادث عن مقتل 156 شخصاً كانوا على متنها. وكانت آخر رحلة لطائرة تابعة للشركة عام 1991.

وكانت طائرات إنترفلوج تستخدم في المساعدة على نقل الجرحى، الذين سقطوا في الحرب التي دارت بالوكالة في نيكاراغوا أيام الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي السابق إلى ألمانيا الشرقية ، بما يعني أن طائراتها تحولت إلى مستشفيات عسكرية طائرة، واضطرت بثيج إلى العمل ممرضة على متنها.

كما اضطرت بثيج إلى العمل على رحلات جوية لهذه الشركة كان هدفها إعادة الألمان الشرقيين، الذين قاموا بمحاولات فاشلة للهرب إلى الغرب عبر دول أخرى تنتمي إلى الكتلة الشرقية وقتذاك.

وجرى العرف في العمل بشركة إنترفلوج على أن تعمل المضيفات في أول العهد بالوظيفة، لمدة عامين في رحلات متجهة إلى دول ذات نظام اشتراكي مثل تشيكوسلوفاكيا وبولندا والاتحاد السوفييتي، وبعد ذلك يسمح لهن بالعمل في رحلات أبعد مدى.

ومن الشروط المسبقة لتحقيق النجاح في المهنة، أن تكون الحياة الخاصة للمضيفة مستقرة، إذ إن ارتباط المرء بعلاقات أسرية قوية يجعل من المستبعد هروبه من البلاد.

وفي هذا الصدد تقول بثيج "إنهم كانوا يفحصون بعناية ما إذا كانت الظروف الشخصية مستقرة".

وبشكل عام كانت بثيج تستمتع بعملها، وإن كان يشوب العمل بعض اللحظات الغريبة، وعلى سبيل المثال كان عليها أن تقفز داخل بحيرة في برلين، وهي ترتدي زي العمل كنوع من التدريب في حالات الطوارئ، وكان طاقم الطائرة يرتدي سترات النجاة أثناء وجوده في المياه ثم يسحبون أنفسهم وثيابهم مبللة ليضعوا عوامات النجاة.

عروض زواج

وفي بعض المناسبات الخاصة تكون هناك على الدوام زجاجة من الفودكا، ولحماية نفسها من الرجال الذين انطلقت مشاعرهم من عقالها في الرحلات المتجهة إلى الاتحاد السوفييتي، كانت بثيج تربط تنورتها بعقدتين بأنشوطة.

وتتذكر قائلة "أحياناً كنا نتلقى أيضاً عروضاً بالزواج على متن الطائرات".

وفي زمن ألمانيا الشرقية السابقة كانت وظيفة المضيفة حلماً مثلما هو الحال مع العمل ممثلةً وفقاً لما تقوله بثيج، التي ولدت بمدينة بوتسدام المجاورة ولا تزال تقيم في برلين حالياً.

وتحكي كيف كانت المنافسة للحصول على هذه الوظيفة صعبة للغاية، حيث كانت لتحسن فرص قبولها تمارس بمساعدة أبيها تدريباً على حفظ التوازن على كرسي دوار.

تأهيل المضيفة

كما كان التدريب يتضمن دراسة علم النفس وكيفية استخدام مستحضرات التجميل واللغات والعناية بالركاب، ومثلما هو الحال بالنسبة لنظيراتها اليوم، كانت وظيفة المضيفة في عهد ألمانيا الشرقية تتطلب الإلمام بكل حركة وكل خطوة فنية.

وتصف بيثج كيف بدأت تطرح تساؤلات حول ألمانيا الشرقية، وكان لزوجها أقارب في الغرب.

وفي الأشهر التي سبقت سقوط سور برلين، رأت كيف كان رجال الأمن يضربون ويعتقلون خصوم النظام بالقرب من كنيسة جثسيماني، وكان ذلك أحد الأسباب التي دفعتها إلى تسليم بطاقة عضويتها في الحزب.

جدار برلين بطول 160 كيلومتراً لمنع هروب الألمان الشرقيين (Getty)

وبعد سقوط السور ساعدت بثيج زوجها في عمله بعيادة طبية، وعملت مدربة ألعاب رياضية.

وهي تعد من بين أولئك الأشخاص الذين لم يحزنوا لانقضاء عهد "ديكتاتورية البروليتاريا" ويقدرون قيمة ديمقراطية ألمانيا الموحدة التي أعقبت ذلك.

وتقول المضيفة الجوية السابقة إنها لا تكاد تشعر بالحنين لوطنها السابق، وتضيف "إنني أيضاً لا أبالي إذا أمضيت عطلة نهاية أسبوع لطيفة في برلين".


(الوكالة الألمانية)

دلالات

المساهمون