ذكرى ميلاد: مالك حداد.. الصمت لحظةَ انتصار الثورة

05 يوليو 2020
الصورة
(مالك حداد في بورتريه لـ امحمّد إيسياخم، من غلاف مجموعته "الشقاء في خطر"، 1956)

تستعيد هذه الزاوية شخصية ثقافية عربية أو عالمية بمناسبة ذكرى ميلادها في محاولة لإضاءة جوانب أخرى من شخصيتها أو من عوالمها الإبداعية. يصادف اليوم، الخامس من تموز/ يوليو، ذكرى ميلاد الكاتب الجزائري مالك حداد (1927 - 1978).

 

عندما توقّف مالك حدّاد (1927 - 1978) عن الكتابة في الخامسة والثلاثين من عمره، قيل إن السبب كان "لُغوياً"، لأنّ صاحب "الشقاء في خطر" (1956) الذي لم يكن يُتقن اللغة العربية، قرّر ألّا يكتب مجدَّداً بالفرنسية التي كتب بها مجموعتيه الشعريتين ورواياته الأربعة، وهو صاحب المقولة الشهيرة "اللغة الفرنسية منفاي"، فهل كان الأمرُ يتعلّق بـ"احتجاج لغوي" فعلاً أم أنّ الحقيقة كانت في مكان آخر؟

كان الروائيُّ والشاعر الجزائري، الذي تمرّ ذكرى ميلاده الثالثة والتسعون اليوم، يعيش في باريس عندما اندلعت الثورة الجزائرية في الأوّل من تشرين الثاني/ نوفمبر 1954. ولأنّه كان ممزَّقاً بين ولائه لقضية بلاده والمكان الذي يعيش فيه، فقد انعكس ذلك على أبطال رواياته (التلميذ والدرس، سأهبك غزالة، ورصيف الأزهار لم يعد يجيب، والانطباع الأخير). ومن يقرأ تلك الروايات، يُلاحظ ذلك التمزُّق بين مكانَين وزمانَين.

واللافتُ أنَّ كلّ أعمال حدّاد، الروائية والشعرية، كُتبت خلال فترة الثورة التحريرية (1954 - 1962) ثمّ صمت قبل سنةٍ واحدة من الاستقلال، وكأنه قال كل شيء في تلك المرحلة، وكانت لحظةُ الاستقلال و"انتصار القضية" هي لحظة نهاية مشروعه في الكتابة.

وكان على حدّاد، الذي عاد إلى وطنه الأُمّ بعد الاستقلال، أن يصنع له قضيةً جديدةً في سياق زماني ومكاني مختلف، وربما كان يبحث عن كل ذلك في لغة غير اللغة التي كتب بها في تجربته الباريسية، لكنه كان عاجزاً عن امتلاك تلك اللغة، فاختار الصمت لغةً له.

كان مالك حدّاد "الباريسي" شابّاً متمرّداً، يكتب بلغة شعرية مشاكسة ونقدية. وربما لو استمرّت تجربته في الكتابة بعد عودته إلى الجزائر، لكانت إلى حدّ ما قريبةً من المزاج الرسمي ومتناغمةً مع شخصيته "الجديدة"، وقد أصبح "رجل دولة" بامتياز، وهو الذي كان المؤسّس الأوّل لـ "اتحاد الكتّاب الجزائريين" في صيغته الجديدة ابتداءً من سنة 1974، وأسّس قبل ذلك مجلّةَ "آمال" المخصّصة للكتّاب الشباب عام 1969.

وبدا أنّ الصمت الكتابيَّ الذي طال أكثر مما يجب كان يُسبّب له ألماً كبيراً دون أن يصرّح بذلك، فراح يعوّض عن هذا الشعور بتشجيع الشباب على الكتابة في المجلّة الشبابية التي كانت تُصدرها وزارة الثقافة، وقبل ذلك في صحيفة "النصر" التي تصدر في مسقط رأسه قسنطينة، حيث كان يشرف على صفحاتها الثقافية باللغة الفرنسية.

كانت مجموعته الشعرية الثانية "اسمع وأناديك" (1961) آخر ما صدر لمالك حدّاد من أعمالٍ أدبية، وما صدر له بعدها (1966 و1967) كان تجميعاتٍ لكتاباته في الصحافة؛ فقد امتدّت لحظة "الصمت الأدبي" تلك إلى أن رحل عن عالمنا باكراً بعد أن تمكّن منه مرض السرطان في العام 1978.