ذكرى ميلاد: زكي طليمات.. مسرح ليس للتسلية

29 ابريل 2019
الصورة
(زكي طليمات)
+ الخط -
بعد أن ترك دراسته في دار المعلمين وعمِل ممثلاً في إحدى الفرق الأهلية، بدأت تتشكّل لدى المخرج والكاتب زكي طليمات (1894 – 1982) الذي تحلّ اليوم ذكرى ميلاده، رؤية نقدية تجاه المسرح في بلاده أساسها أن يمتلك مضامين اجتماعية وسياسية كان يفتقدها آنذاك.

آمن صاحب "ذكريات ووجوه"، ذو الأصول السورية، أن ثورة 1919 رسّخت هوية وطنية مصرية، وأنها لحظة حداثة بامتياز، وعلى المشتغلين في الفكر والإبداع أن يتلقّوا معرفة متطوّرة تساهم في نقل المجتمع من مرحلة إلى أخرى، وكان يحلم بأن يقوم بهذه المهمة في الفن.

لم يكن لديه إعجاب وتقدير لمعظم ما يقدّمه المسرح المصري الذي ينزع نحو التسلية والتنفيس عن هموم روّاده، من دون أن يشتبك مع القضايا الراهنة التي تهمّ الفرد والجماعة، موضّحاً في مقالاته التي كانت تنشر في الصحف ويغلب عليها أسلوب السخرية بأن المسألة لا تتعلّق فقط بغياب الأفكار والجدّة، فأسلوب الممثل في تلك الفترة افتقد للاحتراف والأدوات الحديثة واكتفى بالمحاكاة بأسلوب تقليدي.

في هذه المناخات، مُنح طليمات بعثة حكومية لدراسة التمثيل والإخراج في مسرح "الأوديون" في باريس، حيث نال شهادة متخصّصة بعد دراسة نظرية وتطبيقية، وعاد حلم أكبر بتأسيس معهد لتدريس المسرح على غرار المعاهد والتخصّصات التي أنشئت حينها في حقول معرفية عديدة، والتي اعتقد أنها استحقاق لثورة 1919 لا نزاع حوله.

في تنظيراته العديدة حول الفن وأدواره، لم يغفل مترجم مسرحية "الجلف" لأنطون تشيخوف، أن التحرّر من الاستعمار يلزمه تحرّر اجتماعي بالضرورة، لذلك اعتبر أن صعود المرأة على الخشبة عنوان للنهضة حيث "تجادل الرجل فوق المسرح في مواقف البطولة وفي مواقف الحب"، وربما حالت رؤاه المنفتحة عن حدوث ذلك الانسجام بينه وبين طلعت حرب الذي آمن بضرورة التحديث لكنه لم يتجاوز نظرته المحافظة في شؤون عدّة.

عُهد إلى طليمات أن يؤسس "المعهد العالي للفنون المسرحية" عام 1930، لكن لم تمض سنة واحدة حتى أغلق بقرار من وزير المعارف لأنه يخالف التقاليد والعرف السائد في نظم التعليم، فقرّر مشاكسة السلطة معتبراً أن الأمر يتجاوز مسألة مخالفة التقاليد، وأن القصر والإنكليز لم يقبلا بإيجاد مسرح مصري لا يعتمد على إعادة تقديم المسرحيات الغربية أو الاقتباس عنها فقط.

أكمل الفنان مشروعه عبر التوجه إلى المسرح المدرسي لسنوات طويلة حيث تتلمّذ على يده العديد من الفنانين المصريين، كما أسّس في الفترة نفسها "جمعية الحمير" التي ضمّت في عضويتها كتّاباً وفنانين منهم طه حسين وعباس محمود العقاد وتوفيق الحكيم والسيد بدير ونادية لطفي، وجاءت تعبيراً عن "صبر" المثقف بعد قرارات جائرة في الثلاثينيات ضد قوى التنوير في مصر.

في مطلع عام 1942، أعيد افتتاح المعهد ليستعيد طليمات نشاطه وينشئ "الفرقة المصرية الحديثة"، ومن خلالهما تخرّج فنانون كثر كحمدي غيث وفريد شوقي وعمر الحريري ونبيل الألفي وسناء جميل وسميحة أيوب، وصولاً إلى الخمسينيات حيث غادر إلى تونس وأسس الفرقة الوطنية للمسرح عام 1954، ومنها إلى الكويت، حيث لا يزال يعد إلى اليوم أباً روحياً للمسرح الكويتي.

قدّم طليمات أكثر من ثلاثمئة عمل مسرحي في حياته والعديد من الأوبريتات الغنائية وشارك في عدد من الأفلام السينمائية، لكن طموحه الأساسي وشغله الشاغل تمثّل في نقل المسرح من الفرجة المرتجلة إلى فن بأصول وقواعد وتحقّق له ذلك.

المساهمون