ذكرى ميلاد: إميلي نصر الله.. شهادة على الذات والواقع

06 يوليو 2020
الصورة
(إميلي نصر الله)
+ الخط -

تستعيد هذه الزاوية شخصية ثقافية عربية أو عالمية بمناسبة ذكرى ميلادها في محاولة لإضاءة جوانب أخرى من شخصيتها أو من عوالمها الإبداعية. يصادف اليوم، السادس من تموز/ يوليو، ذكرى ميلاد الروائية اللبنانية إميلي نصر الله (1931 - 1918).

 

 

منذ روايتها الأولى "طيور أيلول" (1962)، قدّمت إميلي نصر الله شهادتها الأولى على المكان انطلاقاً من مسقط رأسها؛ في قرية الكفير بالجنوب اللبناني، حيث السرد تنسجه هواجس المرأة وأحلامها ونظرتها إلى العائلة والمجتمع والمستقبل، وإلى المهاجرين الذين يبكون على رحيلهم عن وطنهم وحين يعودون إليه، ويبدو غريباً أن الحال لم تتغير بعد ستّة عقود. 

لا تفتعل الروائية اللبنانية (1931 – 2018) التي تحلّ اليوم الإثنين ذكرى ميلادها، في مقاربة القضايا الكبرى التي تعصف ببلادها وتداعياتها، إنما تتحدّث عن الهجرة والحرب والنساء ببساطة وعفوية ومحاولة للالتصاق بالحدث وبمشاعر الناس العاديين حوله، لكنها في النهاية تقول كلّ الحقيقة وأعمق ما فيها.

تصف نصر الله الكتابة في مؤلّفها الأخير "مكان" (2018)، بقولها "الأشياء والأماكن تنزلق من الذاكرة، الذاكرة تتفتح كلحاء الشجر، ثم تتساقط مخلفة اللب والجوهر، الذي هو الإنسان… نعم نكتب، لا لنتذكر بل لننسى، ولكي نخرج ذلك الضغط الحار في القفص الصدري، نطلقه، نحرره ونتحرر منه".

من تلك العوالم الصغيرة التي عاشتها صاحبة رواية "شجرة الدفلى"، وضعت تاريخاً اجتماعياً للبنان، وهي تتعقّب في أكثر من عمل، سيرة أقاربها الكثيرين الذين غادروا إلى مهاجر متعدّدة، وكأنها تستعيد ماضيها الشخصي والعائلي لتشتبك مع محطّات تاريخية مفصيلية تركت أثرها البالغ في حياة اللبنانيين بدءاً من الحكم التركي ومروراً بالحربين العالمية الأولى والثانية، والاستعمار الفرنسي، واحتلال فلسطين، وما تخلّلها من هجرات.

انتقلت إلى بيروت لتلتحق بـ"الجامعة الأميركية" ونالت منها درجة البكالوريوس في اللغة العربية عام 1958، وبدأت تنشر أولى نصوصها الشعرية في مجلة "الصياد"، حيث عملت في الصحافة فترة طويلة، لكنها أخلصت للريف الذي ولدت ونشأت فيه، وشكّل واقعه وأمكنته عدداً من أعمالها الروائية، من خلال وقوفها على أدق تفاصيله من روايات وقصص وطبيعة وناس.

كما مثّلت الحرب الأهلية اللبنانية (1975 – 1990) موضوعاً أساسياً في كتاباتها، رغم أنها توضّح في مقابلة صحافية سابقة "لا أعتبر أنني قد كتبتُ رواية الحرب. فأنا لا أستطيع أن أكتبَ بسرعةٍ عن الحرب؛ لا أستطيع أن أكتبَ والجمرُ يُحرق يديّ. أحتاج إلى مرحلةٍ زمنيّة أو فسحةٍ تجعل الأشياءَ تصفو؛ فأنا لا أريد أن أكتب بعاطفتي فقط، بل على روايتي أن تحتوي موضوعيّةً معيّنةً تضمن الرؤيةَ الصافية. ما كتبتُه كان رواياتٍ على هامش الحرب: "من تلك الذكريات"، أولى رواياتي بعد الحرب، إلى "الإقلاع عكس الزمن".

كانت الحرب بالنسبة إليها ضحايا، وصراع وجنون دائمين تصنعهما الاشتباكات بين المتقاتلين والانفجارات، التي وصفت إحداها في مجموعتها القصصية "خبزنا اليومي"، والحصار الذي يعيشه الناس داخل بيوتهم قسراً، بينما الرضاص يمزّق واجهات المباني، كما كانت تمزج الألم بالتهكّم أحياناً في سخرية سوداء ربما تكون الوجه الأكثر تعبيراً عن حرب عدمية، وتنتهي إلى أنها تعداد خسارات؛ حيث الجميع يخسر فقط.

أصدرت نصر الله خمس روايات وعشر مجموعات قصصية، وقصصاً للأطفال من بينها "يوميات هر" الذي تصف فيه الحرب الأهلية من وجهة نظر قط وهو عمل لقي نجاحاً وترجم إلى أكثر من لغة. كما كتبت نصر الله في السيرة سلسلة من ستة كتب بعنوان "نساء رائدات" تناولت فيها حياة نسويات من مختلف بلاد العالم، كمحاولة منها للاقتراب من التاريخ المشترك للمرأة في العالم وعبر العصور، إلى جانب أنها كتبت سيرتها الشخصية تحت عنوان "في البال".