الذكرى الخامسة لمذبحة الحرس الجمهوري: بروفة لـ"رابعة" وانشقاق معسكر 30 يونيو

08 يوليو 2018
الصورة
سقط أكثر من 500 ضحية بصفوف المتظاهرين السلميين(إيد جيل/Getty)


فجر يوم الثامن من يوليو/تموز 2013، انهمر رصاص الجيش المصري على المصلين المحتجين أمام دار الحرس الجمهوري، شرقي القاهرة، على وقع اعتصام المئات من مؤيدي الرئيس المعزول محمد مرسي، أمام مكان اعتقال رئيس البلاد، عقب خمسة أيام من انقلاب الجيش تحت قيادة وزير الدفاع آنذاك، عبد الفتاح السيسي (استولى على السلطة في ما بعد).

ومثّلت أحداثُ "الحرس الجمهوري" نقطةً فارقة في ما يعرف بجبهة "30 يونيو"، بعدما أعلن الكثير من مؤيدي الانقلاب عن مراجعة مواقفهم، بعدما سقط أكثر من 60 قتيلاً بين صفوف المتظاهرين السلميين، وأكثر من 435 مصاباً آخرين، تحت إشراف اللواء محمد فريد حجازي، الذي خان مرسي أثناء توليه منصب رئيس الحرس الجمهوري، وكافأه السيسي أخيراً على دوره في الانقلاب، بتعيينه وزيراً للدفاع.

وتعد "الحرس الجمهوري" بداية لأحداث أكثر دموية من جانب سلطة الانقلاب، إذ أعقبها أحداث "المنصة" التي قتل فيها قرابة الـ200 من المحتجين، ثم فضّ اعتصامي "رابعة العدوية" و"نهضة مصر"، اللذين راح ضحيتهما أكثر من ألف و500 من مؤيدي مرسي، وأعقبها استقالة نائب رئيس الجمهورية، محمد البرادعي من منصبه، ومغادرته إلى الخارج، وسط إدانة دولية واسعة لجرائم قوات الأمن المصرية.

احتجاز مرسي

توافد المحتجين إلى محيط الحرس الجمهوري، جاء بعد انتشار أخبار مفادها احتجاز الجيش لمرسي داخل الدار، تمهيداً لمحاكمته، ما دفع المئات من أنصاره للتحرك من اعتصام "رابعة العدوية" صوب الدار، مطالبين بالإفراج عنه، غير أن القوات المكلفة بحراسته بادرت إلى إطلاق النيران في اتجاه المحتجين، وكان من بينهم المصور الشاب أحمد عاصم، الذي قُتل برصاص أحد القناصة أثناء قيامه بالتصوير.

واهتمت كبريات الصحف العالمية برصد اللحظات الأخيرة لعاصم، الذي وثق عملية قنص المعتصمين من قبل قوات الجيش. وتداولت مواقع التواصل الاجتماعي الفيديو الأخير له، وهو يصور أحد القناصة بلباس عسكري، ويعتلي أحد مباني الحرس الجمهوري، موجهاً بندقيته إلى عدد من الجهات المختلفة، وما أن رأى عدسة كاميرا المصور الراحل، حتى أنهى حياته برصاصة في صدره.


المسافة التي قطعها المحتجون من ميدان "رابعة العدوية" إلى مقرّ الحرس الجمهوري لم تتعد دقائق معدودة لقرب المسافة في ما بينهما، وما أن تجمعوا لأداء صلاة الفجر، حتى باغتتهم قوات الجيش بإطلاق الرصاص الحي صوبهم، لتنفجر الرؤوس، وتختلط الدموع بالدماء. ورغم مطالبات المنظمات الحقوقية الدولية والمحلية بإجراء تحقيق محايد في الأحداث، إلا أن سلطة الانقلاب اكتفت بتشكيل لجنة شكلية، لم تحقق مع عسكري واحد من المتورطين في المجزرة.

توثيق القتل

وفي أواخر أكتوبر/تشرين الأول 2013، سُرّب تسجيل صوتي للسيسي أثناء حديث له مع رئيس تحرير صحيفة "المصري اليوم"، ياسر رزق، يقول فيه إن مرسي كان محتجزاً بالفعل في "الحرس الجمهوري" حتى يوم 8 يوليو (المذبحة)، ونُقل بعد وقوع الأحداث مباشرة، في حين كذبته هيئة الدفاع عن مرسي لاحقاً، مؤكدة أنه كان محتجزاً في الدار حتى يوم 5 يوليو، ونقل بعدها إلى قاعدة بحرية.

وبثّ ناشطون مصريون على موقع "يوتيوب" فيديو يظهر قناصة القوات المسلحة، وهم يفتحون الرصاص الحي على المتظاهرين السلميين، بينما اكتفى رئيس البلاد المعين من الجيش بالإعراب عن أسفه لسقوط ضحايا، داعياً المواطنين إلى عدم الاقتراب من المنشآت العسكرية، بعد تشكيل لجنة تحقيق قضائية للتحقيق في الأحداث، اتهمت في وقت لاحق الضحايا بالاعتداء على قوات الحرس، ومحاولة اقتحامه.

إلى ذلك، أعلن رئيس الوزراء في عهد مرسي، هشام قنديل، استقالته فور وقوع الأحداث، بعدما أعدها منذ بيان الانقلاب للقيادة العامة للجيش، مشيراً إلى أنه استمر في منصبه "إعمالاً لمصلحة البلاد والعباد، غير أنه بات ذلك مستحيلاً عملياً بعد الدماء التي سالت"، كما جاء في نصّ استقالته.


تنديد واسع

ونددت التيارات الإسلامية كافة، خلاف العديد من القوى السياسية الأخرى، بهذه الأحداث الدموية، وقتل المتظاهرين بدم بارد أثناء أدائهم صلاة الفجر، بما فيها حزب "النور" السلفي الذي أعلن تعليق مشاركته في ما عُرف بخارطة الطريق، وكذلك رئيس حزب "مصر القوية"، عبد المنعم أبو الفتوح، الذي طالب الرئيس المؤقت، عدلي منصور، بالاستقالة، بعد مشاركته في نقاشات ما بعد الانقلاب.

وفي التاسع والعشرين من يوليو/تموز 2013، قُبض على رئيس "حزب الوسط"، أبو العلا ماضي، ونائبه عصام سلطان، ووجهت إليهما تهم التحريض على العنف وتمويله، في أحداث الحرس الجمهوري، من دون دلائل. كذلك تقرر التحقيق مع القيادي في جماعة "الإخوان"، محمد البلتاجي، بزعم اتهامه بالتحريض على القتل في الأحداث، في الوقت الذي لم يصب فيه أي من عناصر الجيش.

وألقى حزب "الوسط" مسؤولية سقوط هذا العدد الكبير من الضحايا والمصابين على من يدير البلاد في هذه المرحلة، متهماً سلطة الانقلاب بمحاولة إجبار الشعب على اتباع وجهة نظر واحدة، وإقصاء باقي الأطراف، بعدما دعا إلى استقالة "أولئك الذين عينوا أنفسهم في السلطة"، وانسحاب الجيش نهائياً من المشهد السياسي.

بدوره، حمل حزب "مصر القوية" القوات المسلحة مسؤولية عدم حفظ دماء المصريين، مؤكداً أن "المجزرة أعادت للأذهان الجرائم التي ارتكبت في ماسبيرو ومحمد محمود ومجلس الوزراء والعباسية".

ودعت "حركة شباب السادس من إبريل" الرئيس المؤقت إلى تشكيل لجنة تحقيق مستقلة، مطالبة القوات المسلحة بضبط النفس، وعدم فضّ اعتصامات المحتجين من خلال القوة المفرطة. فيما شددت حركة "الاشتراكيون الثوريون" على تورط القوات المسلحة في "مجزرة دموية"، و"القمع الوحشي" للمحتجين السلميين، بهدف ترسيخ القبضة العسكرية على حكم البلاد.