ذكرى مجزرة رابعة: فشل محاولات ربط سيناء بالفض

14 اغسطس 2019
الصورة
أدت الهجمات إلى أضرار كبيرة على المواطنين(خالد دسوقي/فرانس برس)
لا تزال الهجمات الإرهابية متواصلة في كافة مناطق شبه جزيرة سيناء وخارجها، منذ أكثر من 15 عاماً، إلى أن تركزت منذ منتصف هذه المدة في مناطق شمال سيناء، في ظل حالة التدهور الأمني الحاصل فيها، في أعقاب ثورة يناير/كانون الثاني 2011، فيما حاول النظام المصري، مراراً وتكراراً الربط بين تصاعد الهجمات في سيناء وفضّ اعتصام مؤيدي الرئيس الراحل محمد مرسي إبان الانقلاب العسكري صيف العام 2013. لكن الوقائع تؤكد فشل هذا الربط لأسباب عدة، على رأسها أن الاتجاه الفكري للقائمين على الهجمات الإرهابية في سيناء مخالف تماماً لسِيَر كل مؤيدي مرسي، ومنهم جماعة "الإخوان المسلمين"، بالإضافة إلى أن كل الشواهد على الأرض تؤكد انتفاء العلاقة بين الجماعات الإرهابية في سيناء والأحداث السياسية في مصر.

ومنذ العام 2011، تصاعدت الهجمات الإرهابية في محافظة شمال سيناء، أي قبل عامين من الانقلاب العسكري، ومذبحة فض اعتصام رابعة العدوية، ورصدت "العربي الجديد" أبرزها:
في 30 يوليو/تموز 2011، قُتل 6 من قوات الأمن المصرية في هجوم شنّه مسلحون "جهاديون" على مقر للشرطة المصرية في مدينة العريش التي تمثّل عاصمة محافظة شمال سيناء. ومن 14 أغسطس/آب إلى سبتمبر/أيلول 2011 أعلن الجيش المصري "عملية النسر" التي قتل خلالها عدد من المتشددين والمدنيين واعتُقل آخرون. وبعد الإعلان عن العملية ببضعة أيام، وتحديداً في 18 أغسطس، وقعت العمليات التفجيرية في إيلات وقُتل فيها 8 إسرائيليين و5 جنود مصريين، فضلاً عن مقتل العشرات من المهاجمين، ما دفع وزير دفاع الاحتلال الإسرائيلي وقتها، إيهود باراك، للكشف عن أن إسرائيل سوف توافق على أن تقوم مصر بنشر آلاف الجنود المصريين في سيناء، على الرغم من أن اتفاقيات كامب ديفيد تحظّر ذلك. وفي 18 يونيو/حزيران 2012، قُتل مدني إسرائيلي وأصيب 2 في هجوم على السياج الحدودي بين الأراضي الفلسطينية المحتلة، ومصر.

وفي 5 أغسطس 2012، وقع هجوم على الحدود المصرية مع الأراضي المحتلة، أدى إلى مقتل أكثر من 20 جندياً مصرياً، بالإضافة إلى مقتل 8 مسلحين، ما دفع الجيش المصري للإعلان عن حملة عسكرية واسعة النطاق تحت اسم "عملية سيناء" في 7 أغسطس 2012، قُتل خلالها 32 من المسلحين والمشتبه بهم واعتُقل 38 آخرون، وقُتل مدنيان اثنان. فيما قُتل ثلاثة من الشرطة المصرية في 3 نوفمبر/تشرين الثاني 2012 في هجوم شنّه مسلحون، وفي 16 إبريل/نيسان 2013 قُتل شرطي مصري برصاص مسلحين، وفي 7 مايو/أيار 2013 قُتل مدني مصري على يد مسلحين.

في أعقاب الانقلاب العسكري، وبتاريخ 15 يوليو (2013)، قُتل 8 من رجال الشرطة إضافة إلى كاهن واحد وعدد من المدنيين في هجمات شنّها مسلحون في شبه جزيرة سيناء، كما قُتل 10 مسلحين في 16 و17 يوليو و3 من رجال الشرطة. مسلسل القتل استمر، فسقط 4 قتلى من الشرطة ومدنيان اثنان في 21 يوليو، كما قُتل في 24 يوليو جنديان و3 مسلحين. وبين 27 و28 يوليو، قُتل 10 إرهابيين، بالإضافة إلى ضابط، وهو ما استمر في أغسطس وفي الفترة التالية.
وتعقيباً على ذلك، قال الشيخ إبراهيم المنيعي، أحد أبرز مشايخ سيناء، لـ"العربي الجديد"، إن من المثير للسخرية أن يتم الربط بين فضّ اعتصام رابعة وتصاعد الهجمات ضد قوات الأمن في سيناء، في ظل اختلاف الأيديولوجيا التي تحكم الطرفين، وطبيعة العلاقة بينهما، أي "الاخوان المسلمين" وأنصار مرسي من جهة، والجماعات التي تسمي نفسها "جهادية" في سيناء، من جهة أخرى. وأضاف أن الهجمات في سيناء ليست جديدة، بل تمتد إلى العام 2004، حين حصلت تفجيرات طابا الشهيرة وما تبعها من هجمات في محافظة جنوب سيناء، وامتدت منذ الثورة إلى محافظة شمال سيناء، بما شمل تفجير خطوط الغاز المؤدية من مصر إلى الأراضي المحتلة، وكذلك مهاجمة قوات الجيش والشرطة بشكل دائم، ما دفع المجلس العسكري خلال فترة سيطرته على الحكم بعد الثورة إلى القيام بعدة عمليات عسكرية واسعة النطاق للسيطرة على الوضع الأمني.

ولفت المنيعي إلى أن الجماعات المسلحة باتت في وضع أقوى، باستغلال الوضع المرتبك بعد ثورة يناير، وازدادت قوة بالانقلاب العسكري في صيف عام 2013، وما تبعه من أحداث سياسية واجتماعية واقتصادية، إلا أن كل الدلائل والقرائن تشير إلى أنه لا يوجد أي ارتباط فعلي بين أحداث فضّ الاعتصام والهجمات في سيناء، بالنظر إلى أن الهجمات ليست جديدة على سيناء، وطبيعة العلاقة بين الجماعات "الجهادية" و"الإخوان" وأنصار مرسي.

وتسبّبت الهجمات في سيناء بأضرار كبيرة على المواطنين، سواء بشكل مباشر بقتل الكثير من المدنيين على يد تنظيم "ولاية سيناء" الموالي لتنظيم "داعش" الذي ينشط بصورة رئيسية في سيناء منذ أكثر من ست سنوات، مع اختلاف المسمى قبل عام 2014، أو بشكل غير مباشر من خلال التعرض لرد فعل الأمن المصري على هجمات التنظيم بالقتل والاعتقال وتجريف المنازل والمزارع، وتحويل حياة عشرات آلاف المواطنين في محافظة شمال سيناء إلى جحيم حقيقي، في ظل الإجراءات الأمنية التي تفرضها قوات الأمن على المواطنين منذ الانقلاب العسكري.

وقال باحث في شؤون سيناء، طلب عدم ذكر اسمه، لـ"العربي الجديد"، إن منحى الهجمات الإرهابية في سيناء بدأ منذ العام 2004 وربما لن ينتهي هذا العام، ويتأثر بعوامل ومؤثرات داخلية وخارجية عدة، وفي كل مرحلة يسير وفقاً لأهداف معيّنة تختلف عن أي مرحلة أخرى، ولذلك لا يمكن ربطه بعامل واحد أو حدث معين كفض اعتصام رابعة، لما في ذلك من اختزال لطبيعة الإرهاب الموجود في سيناء في هذه المرحلة، والذي تقف وراءه جهات متعددة، تريد تحقيق أهداف استراتيجية على أرض سيناء. وأضاف أن الوقائع على الأرض تثبت منذ سنوات طويلة أن الإرهاب له جذور ممتدة لا يمكن القضاء عليها بسهولة، ولا يمكن التحكّم في توجّهاته، كما قد يقع مع بعض المشارب الفكرية في المنطقة، ولذلك فإن الاعتقاد بإمكانية دفاع الجماعات الإرهابية و"الجهادية" في سيناء على مدار العقود الماضية عن جماعة "الإخوان" شيء من الخيال، بالنظر إلى طبيعة العلاقة التي تربط الأطراف سابقة الذكر بالجماعة.

وتابع الباحث أنه "في كل فترة، نلحظ ارتفاعاً أو انخفاضاً في الهجمات الإرهابية في سيناء، وكذلك في نوعية الهجمات وانتشارها وتوقيتاتها، وفقاً لما ترتئيه قيادة الجماعات الإرهابية وفي مقدمتها تنظيم ولاية سيناء، التي تكون في غالبيتها بعيدة عن الوضع الداخلي المصري من النواحي السياسية والاجتماعية والاقتصادية، بل ارتباطها الوثيق بالتنظيم الأم "داعش" بالدرجة الأولى، وما يمليه على الأفرع في كافة المناطق بما فيها سيناء، وكذلك في استغلال المواسم الدينية والوطنية لتنفيذ الهجمات، من دون الالتفات للأطراف المستفيدة من الهجمات، إن وجدت، في الساحة المصرية". واستدرك بالتساؤل: "وإلا لماذا لا يتم ربط الهجمات التي تقع بشكل أسبوعي على الأقل بالقرارات والجرائم التي ارتكبها النظام المصري على مدار السنوات الست التي تبعت فض اعتصام رابعة، والتركيز على الفضّ باعتباره محركاً في تلك الفترة لتصاعد الهجمات، إذ لم يكن ذلك إلا شماعة لتعليق الجريمة الإنسانية التي وقعت آنذاك، وتأليب الشارع المصري على مؤيدي مرسي، ونزع التعاطف الشعبي معهم".