ذكرى سيد درويش.. موسيقى تعني التغيير

09 سبتمبر 2017
الصورة
(سيد درويش)
+ الخط -
آمن سيد درويش (1892 – 1923) الذي تحلّ ذكرى رحيله الرابعة والتسعين في 15 من الشهر الجاري، أن الموسيقى عليها أن تخرج من صالونات النخب إلى الناس، وأن تحمل مقاومتهم ضد المستعمر، وثورتهم ضد السرّاق والمستغلين، وأن تتضمّن كل هذه المعاني مشروعه في تجديد التراث الغنائي والمسرحي والموسيقى.

مثّل صاحب "شد الحزام" لحظة التبشير بالفن التي لا تعبّر إلا عن حالات نادرة في التاريخ، يصوغ خلالها الفنان رؤيته في التغيير الذي يأخذ طبقات ومستويات عدّة، سواء في فهمه لتلقّي أغنية ولحن قد يصطدمان الذائقة التلقيدية، وإيمانه بأنهما يشكّلان وسيلة الاحتجاج ومضمونه في آن.

ما بشّر به سيد درويش كان في زمن قصير جداً، وهو الذي قدّم قرابة 80 لحناً ورحل في الحادية والثلاثين من عمره، على أن ذلك حدث مع شخص لم يكمل تعليمه المدرسي الذي لم يستفد منه سوى حفظه للقرآن والأناشيد الدينية، وأن أحداً لم يعترف بموهبته فاضطر للعمل في مهن عديدة حتى أتت تلك الصدفة بأن يتعرّف عليه الأخوين أمين وسليم عطا الله – من أبرز المشتغلين في الموسيقى وقتئذ- فرافقهما إلى الشام حيث أنصتت أذنه هناك إلى ما يريد ووجد مقابل ذلك من يستمع إليه.

إلى الشام ومنها ارتحل مرتين، وعاد منها بما حفظه من موشّحات اشتغل عليه في توزيعات متنوّعة، وربما يمكن دراسة ذلك باستفاضة حيث استطاع صاحب "زوروني كلّ سنة مرّة" أن يهضم كل ما تلقّاه من موسيقى مصرية وشامية وكذلك ما كانت تقدّمه الفرق الأوروبية في الإسكندرية، آنذاك، ويعيد إنتاجها كما لو أنها تشبه أحداً سواه.

ولا يمكننا في الوقت نفسه أن نفصل بين إبداعه وحياته الشخصية، فليس الاختلاف حول سبب موته على يد الاحتلال الإنكليزي أو مسموماً أو لتناوله جرعة زائدة من المخدر والكحول هو المؤشّر الوحيد على حياته الصاخبة، إذ تحتشد المرويات بقصص كثيرة عن علاقاته العاطفية التي أوحت له بمقطوعات عديدة، وباندفاعه الكامل نحو السهر وحياة الليل، التي كانت تزوّده بأحاسيس ومزاج عالٍ تعينه على الرفض والتمرّد في ضوء النهار.

لكن المؤكّد أن بعداً أسطورياً تداخل مع وقائع حياة صاحب "ياللي تحب الورد"، ولم يعد سهلاً التفريق بينها، فالحديث عن النجاحات المذهلة التي حقّقها سيد درويش في تلحينه ذلك الكم المهول من المسرحيات الغنائية، يوازيه قول في فشل كلّ ما قدّم في السنة الأخيرة من حياته، والذهاب إلى أنه أراد أن يخلّص الموسيقى العربية من الأثر التركي يبدو حديثاً مبالغاُ به مقابل المرويات عن انفتاحه على ثقافات عديدة، فتصبح رغبته في أن "يدروش" كلّ ما ينتجه أدق إلى حد كبير.

جميع الأساطير المنسوجة حوله كانت تغوي كثيرين حاولوا الاتكاء عليه أو الادعاء بذلك في المشهد الموسيقي المصري والعربي عموماً، إلاً أنها لم تطرب يوماً المزاج الرسمي الذي تعامل على الدوام مع رمزيته وذكراه بنوع من الفتور، رغم أن اسمه لا يزال مرتبطاً بأقدم ما يدّل على الهوية المصرية الحديثة عبر تلحينه النشيد الوطني عام 1920، تقول كلماته: "بلادي بلادي بلادي/ لك حبي وفؤادي/ أنت غايتي والمراد/ مصر يا أم البلاد/ وعلى كل العباد/ كم لنيلك من أيادي".

على خريطة البلاد هذا العام ومعظم الأعوام، لا تجد من يتذكّر رحيل "فنان الشعب" باستثناء حفلات قليلة يقيمها عادة محبّوه ومريدوه، ومنها فرقة "تراث سيد درويش" التي يقودها حفيده محمد حسن درويش.

المساهمون