ذكرى ثورة يناير تؤرق السيسي: حملة الاعتقالات تبدأ مبكراً

19 يناير 2020
الصورة
تهدف الحملة الأمنية لتخويف المصريين من التظاهر(علي فهيم/فرانس برس)
مع تصاعد الدعوات من خارج مصر، خصوصاً من قبل المقاول والممثل محمد علي للتظاهر ضد نظام الرئيس عبد الفتاح السيسي يوم 25 يناير/كانون الثاني الحالي، في الذكرى التاسعة لثورة يناير 2011، تعود حملة الاعتقالات في صفوق النشطاء السياسيين والاجتماعيين والحقوقيين وشباب الجامعات إلى صورتها الممنهجة التي كانت عليها في سبتمبر/أيلول الماضي، عقب تظاهرات العشرين من ذلك الشهر، والتي كانت الكبرى في عهد السيسي والأخطر على استقرار نظام حكمه. الاستعدادات الأمنية للذكرى التاسعة للثورة هذا العام جاءت مختلفة، إذ بدأت مبكراً ومن الشهر الماضي، بعدما تلقت دائرة السيسي، وبصفة خاصة مستشاره للشؤون الأمنية اللواء أحمد جمال الدين، تحذيرات من المخابرات العامة والأمن الوطني من إمكانية استغلال بعض المجموعات المعارضة الذكرى التاسعة للثورة لتنظيم احتجاجات، على خلفية نجاح تظاهرات سبتمبر الماضي في هز النظام وصورته أمام الرأي العام، على الرغم من المشاركة المحدودة على المستوى المكاني والزمني. وبدأت التدابير الأمنية الشهر الماضي بتنظيم حملات مداهمة معتادة للشقق المستأجرة للمصريين والأجانب، ومحلات وسط القاهرة والمنطقة المحيطة في ميدان التحرير، وتسجيل أسماء المقيمين والعاملين، وسحب بطاقات الرقم القومي الخاصة بمئات الشباب لفحصها، وإخبار العشرات منهم باستلامها لاحقاً من قسمي قصر النيل أو السيدة زينب، إذ تم توقيف البعض لساعات واعتقال آخرين لأيام.

ومنذ بداية الشهر الحالي، عادت الشرطة إلى إقامة الكمائن المتحركة لتوقيف المارة والدراجات البخارية وسيارات الأجرة، وفحص الهواتف المحمولة للمواطنين، والكشف السريع عن سجلهم الجنائي والسياسي، الأمر الذي أدى إلى اعتقال عدد غير معروف حتى اللحظة من المواطنين، معظمهم بين 18 و40 عاماً، مما استنفر المحامين المتطوعين والمراكز الحقوقية التي تضافرت جهودها لإنقاذ المعتقلين في قضية تظاهرات سبتمبر، للعمل مرة أخرى. لكن المشكلة التي برزت، بحسب بعضهم، أنه لم يتم عرض أي من المعتقلين حديثاً على نيابة أمن الدولة العليا حتى الآن، الأمر الذي يجعل من المستحيل معرفة حصيلة المعتقلين أولاً بأول، نظراً لتوزيعهم على أقسام الشرطة ومعسكرات الأمن المركزي، وبالطبع مقار الأمن الوطني، خصوصاً في مدينة نصر ومدينة السادس من أكتوبر.

الواضح أن هذه الحملة الأمنية تهدف إلى تخويف المصريين من التظاهر مرة أخرى ضد النظام، سواء بمناسبة ذكرى الثورة أو الأوضاع الاقتصادية، أو الخطر الذي يستشعره المجتمع جراء الفشل في إدارة ملف سد النهضة، ومشاعر الإهانة المسيطرة على المواطنين بسبب العودة لاستيراد الغاز الطبيعي من العدو التاريخي إسرائيل. والقضيتان الأخيرتان فشل في إبعادهما عن صدارة اهتمامات المصريين التصعيد الإعلامي المفتعل ضد تركيا، والإيحاء بقرب دخول مصر حرباً في ليبيا. فما زال الخوف من العطش وعدم الثقة في تطمينات السيسي على مستوى قضية سد النهضة، يحتل أولوية مطلقة في حوارات المصريين اليومية على صفحات التواصل الاجتماعي وفي المواصلات العامة والمقاهي والمنتديات، ويلي هذا الموضوع تفعيل استيراد الغاز من إسرائيل، خصوصاً بعدما بلغ المصريين أخبار الحراك الشعبي في الأردن للسبب نفسه، على الرغم من الصمت الكامل من القوى السياسية الباقية والنواب والإعلام المحلي.

ولا يمكن فصل تلك الإجراءات عن حالة الاستنفار القائمة في ميدان التحرير لتنفيذ خطة تغيير معالم الميدان بحجة "تطويره". واكتظ الميدان في الأيام الأخيرة بالمعدات الثقيلة لتعديل تصميم قلب الميدان، وإنشاء قاعدة في محوره، لإقامة إحدى مسلات الفرعون رمسيس الثاني ثم أربعة تماثيل كباش فرعونية من الأقصر، وأصبح من الصعب عبور المشاة به بسبب استمرار عملية إعادة رصفه وتشجيره. وبالتوازي مع ذلك، بدأت وزارة الداخلية هوايتها في تخويف المواطنين على مستوى آخر، هو القضايا الجنائية القديمة والأحكام الغيابية في جنح المرور وسرقة التيار الكهربائي ومخالفات البناء والتبديد، وغيرها من القضايا ذات عقوبات الحبس القصيرة التي لا تشرع الدولة في تنفيذ أحكامها إلا عندما ترغب في التضييق على المواطنين وجعلهم يشعرون بأنهم تحت الضغط، كما كان معتاداً في السنوات الأخيرة من عهد الرئيس المخلوع حسني مبارك. وعادت للانتشار منذ بداية العام، وعلى نحو لافت، كمائن توقيف المواطنين من الحافلات على الطرق السريعة وفحص هوياتهم وسجلهم الجنائي. وبحسب مصدر في الأمن العام فقد تم توقيف أكثر من 650 شخصاً خلال أسبوعين فقط في كل المحافظات لتنفيذ الأحكام الغيابية، وتم الاتفاق مع وزارة العدل لتسيير مأموريات خاصة من المحاكم لمتابعة التنفيذ وإجراءات الاستئناف والطعن من داخل أقسام الشرطة والسجون المركزية.

ويفضح هذا التصعيد الأمني هشاشة النظام وتخوفه من تكرار سيناريو سبتمبر، من جهة، ومن جهة أخرى يعكس انعدام جدية السلطة في تحقيق الانفراجة السياسية التي يتحدث الإعلاميون الموالون للنظام عن حتمية حدوثها هذا العام، خصوصاً بعد فتح المجال في القنوات الموالية لظهور عدد من الشخصيات السياسية المعروفة بمواقفها المعارضة ونواب "تكتل 25/30" المعارض، وتخفيف الضغوط نسبياً عن المواضيع الحساسة محل التناول في الصحف المحلية، التي ما زالت واقعة تحت الرقابة الكاملة لمحتواها قبل طباعتها بواسطة إدارة خاصة داخل المخابرات العامة.

وكشفت مصادر سياسية مختلفة من عدة أحزاب ليبرالية ويسارية، أن قيادات في الأمن الوطني، الذي عاد بشكل شبه مطلق لإدارة مهمة التواصل مع الأحزاب منذ الخريف الماضي، كانت قد وعدت قيادات بعض الأحزاب بالإفراج عن عدد من المعتقلين السياسيين "البارزين"، خصوصاً بعض المتهمين في قضيتي تظاهرات سبتمبر و"خلية الأمل" بعد انتهاء الذكرى التاسعة للثورة، وذلك على هامش الاجتماعات التي عقدت أخيراً في حزب "مستقبل وطن"، الموالي للسلطة، للنقاش حول الانتخابات البرلمانية والمحلية المقبلة والقوانين المنظمة لها.

وسبق أن قالت المصادر ذاتها، لـ"العربي الجديد" منتصف الشهر الماضي، إن هناك إرادة لتغيير السلوك السياسي من نظام السيسي، ظاهرياً، بفتح مجال للتنفيس والمعارضة الجزئية، وتخفيف الضغط على وسائل الإعلام فيما لا يرتبط بالسياسات العليا للنظام، وذلك بعد لقاءات، حضرت المصادر بعضها، مع ممثلين للأمن الوطني، وعلمت بتفاصيل بعضها الآخر من سياسيين آخرين حضروها مطلع الشهر الماضي، وناقشت بشكل أساسي 3 قضايا رئيسية، أولها المطالبة بضرورة الإفراج عن المعتقلين السياسيين والشخصيات غير المتهمة أو المدانة في أحداث عنف، وعلى رأسهم معتقلو "خلية الأمل" ورئيس حزب "مصر القوية" عبدالمنعم أبو الفتوح وباقي المتهمين في أحداث سبتمبر. والقضية الثانية كانت ضرورة فتح المجال لانتخابات حرة بالنظام الفردي أو القائمة النسبية في انتخابات مجلسي النواب والشيوخ القادمين، وعدم التضييق على تحركات الأحزاب السياسية قبل الانتخابات، والامتناع عن تخويف الكوادر خصوصاً في المحافظات. أما الثالثة، فقد كانت المطالبة بضرورة تخفيف القبضة على الإعلام والسماح بظهور السياسيين على الفضائيات وفي الصحف، وطرح القضايا الجادة وتقديم رؤى معارضة، على الأقل في مستوى الحكومة والمسؤولين التنفيذيين. وذكرت المصادر، في ذلك الوقت، أن العديد من التعليقات قوبلت باستهجان شديد من المسؤولين الأمنيين، إلى حد إلقاء بعض العبارات الحادة على مسامع بعض السياسيين وتهديدهم ضمنياً بتحريك "بعض الملفات المركونة لهم"، وهو ما أثار حفيظة المشاركين، واعتبرها بعضهم انعكاساً لصورية ذلك الحوار بالكلية.