ذكرى النكبة وأسئلة عبد الكبير الخطيبي

18 مايو 2020
الصورة
+ الخط -
نستعيد، في الذكرى الثانية والسبعين لنكبة الشعب الفلسطيني، الأسئلة ذات الطبيعة التكوينية التي أطلقها المفكر المغربي عبد الكبير الخطيبي في كتابه "النقد المزدوج" (دار العودة، بيروت، 1980): لماذا يصرّون على القضاء على الشعب الفلسطيني؟ وما الصهيونية؟ وما طبيعة انتشارها في الوعي الغربي؟ ولماذا لا يُلتفت إلى عملية الإبادة التي يتعرّض لها الفلسطينيون؟ ألا يسود الصمت حول الجرائم الصهيونية، بينما تُفضح المقاومة ويشنّع بما تقوم به؟ هل يرجع الأمر إلى رد فعل لما قام به النازيون تجاه اليهود؟ هل هو تحويل الشعور بالذنب؟ فلماذا كل هذا التغاضي وسوء النية الذي يبهر الأعين؟
سعى الخطيبي، في كتابه، إلى نحت نظرية تفسّر أسباب التأخر العربي، فبحسبه، لكي تستطيع الشعوب العربية أن تنهض وتواكب مسيرة الحداثة والتقدم، لا بد لها من الذهاب بعيداً في نوعين من النقد، الأول ذاتي ينشد مراجعة لتراثنا وتاريخنا الذي يشكّل خلفية انطلاقنا إلى الأمام، والنظر إلى العوائق التي تحيل دون التقدّم في هذا التراث، والثاني هو نقد الآخر الغربي المهيمن. وكانت القضية الفلسطينية في القلب من هذا النقد، نظراً إلى مأساويتها الإنسانية، ولمكانتها العالية في الضمير العربي والإسلامي.
وأسئلة فلسطين الجينولوجية التي طرحها الخطيبي، في كتابه، تفضي الإجابة عنها إلى تفاصيل وأبعاد تساعدنا على فهم أوضاعنا وطبيعة تموقعنا في العالم، وتلمس معوقات كل تقدّم واصطفاف عربي في ركب الحداثة، حيث تضعنا هذه الأسئلة أمام بواعث هذه الجريمة الصهيونية ومنابتها ومنطلقاتها، والقناعات الواهية التي بُنيت عليها؛ فخلال الفصول اللاحقة للكتاب، يستنطق الخطيبي مختلف المقولات اللاهوتية والوجودية التي تتذرّع بها الحركة الصهيونية لتبرير سرقة الأرض بقوة السلاح، وتبرير الفعل الإقصائي للشعب الفلسطيني، حيث يرى الخطيبي "أن الصهيونية، كأيديولوجيا سياسية، وهي تدّعي أن القصص التي يرويها الكتاب المقدّس تعكس الواقع كما هو، يصبح بالتالي عندها الرمز الديني علامة على العنف الدنيوي".
كما أنه، في كتابه، يفكّك ويناقش حتى تلك المغالطات التي يلهج بها مفكّرون وازنون، من أمثال جان بول سارتر الذي أفرد له فصلاً بعنوان "دموع سارتر"، ما يحيل إلى دموع التماسيح، حيث كان سارتر متحمّساً لمشروع الدولة اليهودية، متحجّجاً بالتاريخ المأساوي لليهود والرغبة في "الإنصاف"!
وفي الفصل المعنون "عقدة أوديب أم عقدة إبراهيم"، يرى الخطيبي أن هذا السؤال لا يجب أن يكون حكراً على اليهود وحدهم، فالنبي إبراهيم ليس وقفاً على اليهود، فهو أيضاً "نبي الإسلام والعروبة ومؤسس الأبوة السامية"، إذ يضمّ هذا الفصل نقاشاً بنيوياً تاريخياً لما برّرت به إسرائيل اضطهادها الشعب الفلسطيني، وذلك بالرجوع إلى سيرة النبي إبراهيم وارتحاله من موطنه.
ويردّ حتى على تلك المقولات التمييعية، مثل مقولة روبير مسهراتي إن ماركس كان مناهضاً لليهود ويتمنّى محوهم، إذ يرى الخطيبي أن هذه المقولة تثير السخرية "ليس من شك في أن ماركس قد صرّح بأنه ينبغي التحرّر من الدين، بما فيه الدين اليهودي، إلا أنه سيكون من قبيل الهذيان أن نتهم ماركس بأنه أراد القضاء على اليهود أو رغب في ذلك".
عبد الكبير الخطيبي (توفي في مارس/ آذار 2009) درس وتفوّق في الجامعات الفرنسية، وعلى الرغم من حياته الطويلة في الغرب، إلا أنها كانت مشدودة إلى محيطها العربي، كما تميّزت بعمق العطاء الفكري والسوسيولوجي. ومن أهم كتبه المفصلية "الاسم العربي الجريح". وقد حظيت أطروحات الخطيبي باحترام ملفت من الأوساط الغربية، عبر علمائها ومنظّريها الذين لا يخفي بعضهم الاستفادة منه، فعلى سبيل المثال قال عنه المنظّر الفرنسي رولان بارت "نهتم أنا والخطيبي بأشياء واحدة، بالصور والأدلة والحروف والعلامات، وفي الوقت نفسه، يعلّمني الخطيبي جديداً، يخلخل معرفتي، ويأخذني بعيداً عن ذاتي إلى أرضه هو، في حين أحسّ وكأنني في الطرف الأقصى من نفسي". وقال عنه المفكر جاك دريدا، الذي يعتبر أحد آباء تيار ما بعد الحداثة ومبدع أدوات نظرية التفكيك: "أعتبر عبد الكبير الخطيبي أحد أكبر كتاب عصرنا ومفكريه، أعماله ابتكار لغوي هائل، وفي الوقت ذاته تأمّل نظري متين".

دلالات

593B5A80-7333-4F6B-AC2C-800C049BDB93
محمود الرحبي