ذروة كوابيس بريكست: ماي وحكومتها "مهدّدتان"

16 نوفمبر 2018
الصورة
تحرك في لندن ضد الخروج من الاتحاد(تولغا أكمان/فرانس برس)
+ الخط -
ظنّت رئيسة الحكومة البريطانية، تيريزا ماي، مساء الأربعاء، أنها نجحت في الحصول على دعم فريقها الوزاري لمسودة اتفاق بريكست للخروج المنظّم من الاتحاد الأوروبي في مارس/آذار 2019، بعد اجتماع ماراثوني دام لخمس ساعات، أو هكذا حاولت أن توحي عندما خرجت أمام مقر حكومتها في داوننغ ستريت، لتلقي كلمة مقتضبة أعلنت فيها عن إيمانها "بعقلها وفؤادها" بأن الاتفاق الذي تم التوصل إليه هو أفضل ما يمكن لبريطانيا الحصول عليه، بما أن البدائل هي إما الخروج من دون اتفاق، أو البقاء في الاتحاد الأوروبي، أي إلغاء بريكست.

لكن سريعاً بدا أن ماي كانت تخدع نفسها، أو أنها خُدعت بالفعل من بعض وزرائها، لتستفيق أمس الخميس على استقالة أربعة وزراء من حكومتها على خلفية رفضهم النسخة المطروحة من اتفاق الخروج، ليصبح مصير ماي وحكومتها ومعهما مصير بريكست نفسه، على المحك، في ظل احتمال طرح البرلمان الثقة بالحكومة وبرئيستها، ورفض مشروع الاتفاق المطروح، وربما طردها من رئاسة حزبها "المحافظين"، ما قد يعني الذهاب إلى انتخابات مبكرة، وربما إجراء استفتاء جديد يعيد حسابات الطلاق أو البقاء في اتحاد القارة العجوز.

إلا أن ماي تمسكت بنسختها المعروضة لبريكست، في استمرار لسياسة "الابتزاز" المعروفة عنها، جرياً على مقولة، إما ما أعرضه عليكم أو الطوفان. والطوفان هنا يعني أحد الاحتمالين: البقاء في الاتحاد الأوروبي، أو الخروج من دون اتفاق، وهو ما قد يعرّض المملكة باقتصادها ووزنها الدولي لمخاطر كبيرة. انطلاقاً من ذلك، قالت ماي أمس إن على النواب أخذ تصويت الشعب البريطاني لصالح الخروج من الاتحاد الأوروبي في الاعتبار عندما يُطلب من البرلمان التصويت على الاتفاق النهائي للخروج في وقت لاحق من الشهر المقبل. وأضافت ماي أمام نواب البرلمان أن خياراتهم واضحة: إما تأييد الاتفاق، أو الخروج من دون اتفاق، أو عدم الخروج على الإطلاق.

لكن جلسة البرلمان أمس، شهدت تناوباً من نواب في "المحافظين" وأحزاب المعارضة على انتقاد مسودة الاتفاق، وهو مؤشر على أن ماي تواجه مهمة صعبة لإقرار الاتفاق في مجلس العموم. وفي السياق نفسه، اعتبر حزب "العمال" المعارض أن الحكومة تنهار. وقال جون تريكيت، عضو فريق زعيم الحزب جيرمي كوربين، إنه "لم يعد لتيريزا ماي أي سلطة متبقية، وهي بوضوح غير قادرة على تقديم اتفاق للخروج من الاتحاد الأوروبي يحظى حتى بتأييد حكومتها، ناهيك عن البرلمان أو الشعب".

وشهدت المفاوضات التي امتدت لأكثر من عام ونصف العام بين حكومة ماي والاتحاد الأوروبي على مشروع اتفاق ينظّم العلاقة ما بعد الطلاق، استقالة العديد من الوزراء من حكومتها، وتهديدات من متمردي حزبها بالإطاحة بها من زعامة الحزب، على خلفية اختلاف الرؤى حول شكل بريكست المنتظر، وما يمكن للمفاوضات إنجازه عملياً، إضافة إلى سباق مع الزمن شهدته الأسابيع القليلة الماضية لإتمام الاتفاق. وتحتاج ماي في خطوتها التالية لأن تقنع الأغلبية البرلمانية بالتصويت لصالح مسودة الاتفاق، وهو ما يبدو أنه الامتحان الأصعب، إذ إنها تفتقر للأصوات اللازمة بعد إعلان متشددي بريكست في حزبها استعدادهم للتصويت ضده. وفي حال نجحت ماي في البقاء في منصبها، نظراً لاستعداد عدد متزايد من نواب حزبها للإطاحة بها، إضافة إلى استقالة أربعة وزراء من حكومتها منذ اجتماع الأربعاء، فإنها ستعرض الاتفاق للتصويت أمام البرلمان منتصف الشهر المقبل.

وكانت الحكومة البريطانية قد نشرت نسخة من 600 صفحة عن الاتفاق بعيد الاجتماع الحكومي، حددت فيها ثلاثة محاور أساسية: التزامات بريطانيا المالية مع الاتحاد الأوروبي، حقوق المواطنين الأوروبيين في بريطانيا والبريطانيين في الاتحاد، وآلية لمنع الحدود الصلبة في الجزيرة الأيرلندية. ويضاف إلى ذلك فقرة موجزة عن توقعات الطرفين لشكل العلاقة التجارية المستقبلية بينهما.

لكن ماي تواجه معركة صعبة لإقناع البرلمان البريطاني بجدوى صفقتها، وذلك لضمان كسب التصويت المنتظر في 18 ديسمبر/كانون الأول المقبل. وكانت أولى خطوات ماي في هذا المسار إطلاع البرلمانيين في ويستمنستر على تفاصيل الصفقة والدفاع عنها ضد أسهم المعارضة والتي تتسع مع مرور الوقت. فمع بدء ماي كلمتها، كان قد استقال من الحكومة البريطانية كل من وزير بريكست، دومينيك راب، ووزيرة العمل والتقاعد، إيستر ماكفي، ووزير أيرلندا الشمالية شايلش فارا، قبل أن تعلن وزيرة الدولة لشؤون بريكست، سويلا بريفرمان استقالتها، إضافة إلى مسؤولين آخرين من الصف الثاني.


وقال وزير بريكست، دومينيك راب، في خطاب استقالته من الحكومة، "لا يمكنني التوفيق بين شروط الاتفاق المقترح وبين الوعود التي قطعناها للبلاد في بياننا في الانتخابات الأخيرة". وفي رسالته التي نشر نصها في حسابه على "تويتر"، أضاف أن الحكومة بحاجة "إلى وزير بريكست قادر على الدفاع عن قناعة عن الاتفاق... عليّ أن أستقيل". ولفت إلى أنه لا يمكنه تأييد وضع خاص للحدود الأيرلندية غير محدد المدة، متابعاً "لم توافق دولة ديمقراطية على الإطلاق على الالتزام بمثل هذا النظام الشامل الذي يُفرض بشكل كامل من دون أي سيطرة ديمقراطية على القوانين المطبقة أو القدرة على اتخاذ قرار بشأن الخروج من هذا الترتيب".

من جهته، اعتبر شايلش فارا أن الاتفاق يترك الأمور معلّقة و"لا يضمن أن تكون المملكة المتحدة دولة مستقلة ذات سيادة، دولة مستقلة تتحرر من قيود الاتحاد الأوروبي، مهما كانت التسمية". أما إيستر ماكفي، وهي من أشد مؤيدي بريكست، فكتبت في رسالة استقالتها التي قدّمتها لماي أن "الاتفاق الذي عرضته أمام الحكومة لا يحترم نتيجة الاستفتاء"، مضيفة أن النص يقدّم الكثير من التنازلات للاتحاد الأوروبي و"يهدد سيادة المملكة المتحدة". بينما قالت سويلا بريفرمان، إن "التنازلات" المقدّمة لبروكسل في مسودة الاتفاق "لا تحترم إرادة الشعب".

وكان 11 وزيراً قد أبدوا تحفظات على خطة ماي خلال الاجتماع الحكومي مساء الأربعاء. ويبدو أن عدداً منهم احتاج إلى ليلة كاملة ليحسم أمره. ولكن لا يبدو أن كرة الثلج ستتوقف عند هذا الحد، إذ إن أجواء التمرد السائدة في ويستمنستر قد تصل إلى انهيار حكومة ماي، أو سحب الثقة منها. فقد أبدى عدد من الوزراء مثل وزير الداخلية ساجد جاويد، ووزير البيئة مايكل غوف ووزيرة التنمية الدولية بيني موردونت، وحتى وزير الخارجية جيريمي هانت، تحفّظات على الاتفاق، وقد يسعون للقفز من قارب ماي إذا تبيّن لهم أنه غارق لا محالة، خصوصاً إن كانت لديهم نيّة للمنافسة على زعامة الحزب.

أما مجموعة الأبحاث الأوروبية التي تضم نحو خمسين نائباً محافظاً يدعمون بريكست مشدد، ويتزعمها جاكوب ريس موغ، فتستغل أجواء السخط السائدة للحشد للإطاحة بماي من رئاسة حزب "المحافظين"، وبالتالي رئاسة الوزراء. ووفقاً لقوانين الحزب، يستطيع نوابه التصويت بالثقة على رئيسه في حال وصلت رسائل من 15 في المائة منهم إلى رئيس لجنة 1922 البرلمانية، وهو ما يعادل 48 من نواب الحزب حالياً. إلا أنه ولكي تتم الإطاحة بماي، يجب أن يصوّت أغلبية النواب، أي أكثر من 150، لصالح سحب الثقة، وهو ما لم تتمكن المجموعة من تحقيقه حتى الآن. لكن المتحدث باسم ماي قال أمس إنها ستحارب من أجل منصبها إذا تسبّب نواب في حزبها "المحافظين" في إجراء اقتراع على الثقة فيها. وقال المتحدث للصحافيين إنه ما زال متوقعاً أن تكون ماي رئيسة الوزراء عندما تخرج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي في مارس/آذار من العام المقبل.

إلا أن تدهور سلطة ماي بعد الاستقالات المتتابعة، والمعارضة التي تواجهها من نواب حزبها وشريكها الحزب "الاتحادي الديمقراطي" الأيرلندي، قد يدفعان بأعداد متزايدة من نواب المحافظين إلى استخلاص عدم جدوى دعمها والبحث عن خيارات أخرى. ويمكن للتصويت في حال اكتمال النصاب، أن يعقد بأسرع وقت ممكن، إذ عُقد آخر مرة بعد يوم من استلام زعيم لجنة 1922 للعدد الكافي من الرسائل. وفي حال هزيمة ماي، فإن حزبها سيختار زعيماً جديداً ليكون أيضاً رئيساً للوزراء، بينما لا يوجد نصّ قانوني للدعوة إلى انتخابات عامة، لكن عادة، أمام الأزمات الكبرى المماثلة، يتم اللجوء إلى خيار الاقتراع الشعبي العام.

وكانت ماي قد لعبت على التوازنات بين صفوف نواب حزبها المنقسم بين مجموعة تؤيد أوروبا ومجموعة تعارضها، ومجموعة تتبع خط قيادة الحزب. ونجحت ماي حتى وقت قريب في إقناع جميع الأطراف بالامتناع عن عرقلة مسار المفاوضات كلياً، مثيرة مخاوف جميع الأطراف من سيناريو عدم الاتفاق، أو الفوضى، أو حتى انتخابات مبكرة قد تؤدي إلى وصول حزب "العمال" إلى رئاسة الوزراء. ويبدو أن هامش المناورة الذي تمتعت به ماي حتى الآن قد ضاق جداً، وهو ما منح ريس موغ الثقة للتلويح بسحب الثقة منها، في خطوة تجنّب الحديث عنها سابقاً.

أما الحزب "الاتحادي الديمقراطي" الأيرلندي، فقد اتهم ماي على لسان نائب زعيمته نايجل دودز بأنها تراجعت عن وعودها وأنها تدعم خطة ستؤدي إلى تفتت المملكة المتحدة. وفي حال الطلاق التام بين المحافظين و"الاتحادي الديمقراطي"، فإن حكومة ماي ستفتقر للأغلبية التي تمتعت بها سابقاً، بالاعتماد على الأصوات العشرة للحزب الأيرلندي. وهو ما سيصعب على ماي تمرير أي تشريع في ويستمنستر، حتى وإن صوّت كامل حزبها لصالحه مستقبلاً.
وتبقى الخيارات مفتوحة مع عدم حسم السياسيين البريطانيين أمرهم. ففي حال وصول رئيس وزراء جديد، سواء بعد سحب الثقة من ماي أو بعد انتخابات عامة مبكرة، أو حتى في حال انهيار حكومة ماي، سيصعب التنبؤ بالخطوات التالية، والتي قد تكون بالخروج من دون اتفاق، أو تمديد موعد بريكست، والتفاوض من جديد على أسس تحددها الأحزاب في برامجها الانتخابية.

وأما في حال نجت سفينة ماي من هذه العاصفة، فلا يزال بر الأمان بعيداً. فماي ملزمة بالحصول على موافقة البرلمان البريطاني، وستسعى إلى ذلك في 18 ديسمبر/كانون الأول قبل يومين من بدء عطلة البرلمان الشتوية. وفي حال تمرير الصفقة، ينتقل البرلمان البريطاني بداية العام المقبل إلى مرحلة تحويلها إلى تشريع قانوني جاهز بحلول موعد الخروج من الاتحاد الأوروبي مع نهاية مارس/آذار المقبل. أما في حال تصويت البرلمان ضدها، وهو ما تشير الحسابات البرلمانية إليه، فإن ماي ملزمة بأن توضح للبرلمانيين ما تنوي الحكومة فعله بهذا الصدد بحلول 21 يناير/كانون الثاني. وفي هذه الحال، قد تكون الخيارات المرفوضة كلياً حتى الآن مطروحة على الطاولة: إما الانتخابات المبكرة، أو الاستفتاء الثاني على صفقة ماي.
ولا تقتصر متاعب ماي على الداخل، فبعض الدول الأوروبية قد تعترض على تفاصيل في الاتفاق، خصوصاً فرنسا، التي تسعى لملء الفراغ البريطاني في الاتحاد الأوروبي بعد بريكست. ويُنتظر أن يعقد الوزراء الأوروبيون اجتماعاً يوم الاثنين لمناقشة الاتفاق، قبل عقد القمة الأوروبية الإثنين التالي في 25 نوفمبر/تشرين الثاني. وفي حال المصادقة عليها يتم تحويلها إلى البرلمانات الأوروبية للتصويت عليها.

في المقابل، قالت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل إنها سعيدة لأن المفاوضين تمكّنوا من التوصل إلى اتفاق حول خروج بريطانيا من الاتحاد. وقالت ميركل للصحافيين أمس إن الأمر الآن بيد البرلمان البريطاني وبرلمانات الدول السبع والعشرين الباقية في الاتحاد الأوروبي، لتحليل الاتفاق، فيما لم تعلّق على الاستقالات من الحكومة البريطانية.