ذاكرتي عدستي الحميمة

04 يوليو 2020
الصورة

(صفوان داحول)

علاقتي مع الصور غريبة جدا، قبل أن يصبح التصوير بواسطة الهواتف الذكية متاحا لأيٍّ يكن، ولأي معدوم الخبرة، مثلي، في هذا الفن الجميل. كان من النادر جدا أن أتصور، إلا لضرورات الأوراق الرسمية، وغالبا ما كنت في الصور أبدو بائسةً وقبيحة. لا أتذكر أن لي صورة قديمة وأنا مبتسمة، كما يفعل الجميع، لحظة توجيه العدسة إلى وجوههم. ثمّة ما كان يجعلني أخشى هذه العدسة، لم أعرف ما هو إطلاقا. قلت يوما في محاولة للتفسير: أشعر بأن العدسة المسلطة على وجهي تفضحني، تبدي العيوب الجمالية في وجهي. تركز على عينيّ، وعيناي غالبا ما كانتا تكشفان حالتي النفسية، وتفضحانها، مهما حاولت المراوغة في ذلك. لهذا أيضا نادرا ما وافقت على اللقاءات التلفزيونية، بينما كنت أذهب إلى اللقاءات الإذاعية من دون تردّد، لم أخف من صوتي يوما، ولم يخنّي هو يوما.
غير أن ذلك جانب واحد من المسألة، أقصد علاقتي مع الصور، فأنا اكتشفت أخيرا أن ما لدي من الصور التي تخصني أو تخص أحبائي أو تخص الأماكن التي زرتها في حياتي، (قبل أن أمتلك هاتفا ذكيا بكاميرا ذكية)، هي من تصوير الآخرين من دون أن تكون بطلبٍ مني، فما لدي من صور للقاءاتي الشعرية مثلا في العالم هو ما وجد في أرشيف الأصدقاء. ليس لدي أرشيف صور خاص بي، لم أملكه يوما، لا صور عندي لمراحل حياتي، لا وأنا طفلة ولا مراهقة ولا تلميذة ولا طالبة، ولا صور لزواجي، ولا وأنا حامل بابنتي الوحيدة، ولا لما بعد الزواج. صوري الآن حديثة، منذ أعوام لا تتعدّى الخمس سنوات.
وبالطريقة نفسها، لم أكن يوما مهووسة بالمرآة. لم أمتلك مرآة طويلة في البيوت التي سكنتها إلا من مدة قصيرة، لم أرتح يوما في الصالونات المغطاة بالمرايا، ولا أمام الواجهات العاكسة. دائما ما أشعرني ذلك بتوتّر كنت أفسره بشيئين: أنني دائما كنت صاحبة وزن زائد، وهو ما كانت المرايا والواجهات تعكسه بوضوح يجعلني أكره نفسي التي أراها أمامي. أنني كنت أتخيل أن صورة المرآة ليست واقعا، بل هي دلالة على عالم آخر شبية، حد الالتصاق، بالعالم الواقعي، وأن (أنا) التي موجودة في المرآة هي قرينتي في العالم الموازي الموجود خلف قشرة المرآة، العالم المشابه لعالمنا حد التطابق، والذي يحدث فيه في اللحظة نفسها ما يحدث في عالمنا. كانت الفكرة ترعبني، أو لنقل، توترني، على الرغم من أنها فكرة فانتازية شعرية، عزّزتها قراءات الأساطير والخيال العلمي والأدبي، ولاحقا شغل رولان بارت عن الفوتوغرافيا ودلالة الصور. 
ولكن ثمّة شيئاً آخر في علاقتي السيئة مع الصور: حين أدخل بيوت بعض الأقارب والأصدقاء، أول ما يلفتني هو الجدران المغطاة بصور العائلة والأولاد، موزعة هنا وهناك لمختلف مراحل الحياة، كما لو أن أصحاب المنزل يريدون الاحتفاظ بكل لحظة، كما لو أن الصور تلك تثبت التاريخ بلحظاتٍ محدّدة. ثم أفكر وأنا أشاهد هذه الجدران: ليس لدي في بيتي صورة لأي شخص من عائلتي. ليس لدي في بيتي صورة لابنتي الوحيدة البعيدة، ولا لأمي. ليس لدي صورة لوالدي الراحل. ليس لدي على جدران بيتي صورة لي. جدران بيتي مغطاة بلوحاتٍ فنية، رسمها ووقعها أصدقاء. أما صور الأصدقاء وصور العائلة فهي في ذاكرتي، محفوظة هناك بالتفاصيل، أستحضرها متى أشاء، أستحضر منها التفاصيل الجميلة وأجلسها معي على الكنبة، أو أضعها أمامي على الطاولة لوقت ما، ثم أعيدها إلى مكانها في ذاكرتي، بحيث لا تتعرّض للتلف، وأحتفظ بدفء حميميتها في داخلي! ثمّة في الصور "بعد طيفي"، على رأي رولان بارت، هو البعد الذي يراه صاحب الصورة البورتريه. الطيف يرتبط بالاختفاء/ الموت، صورة أحد ما على جدار بيتي تعني بالنسبة لي أنه اختفى، تعني أنه لا توجد مسافة بيني وبينه. الموت يلغي الأبعاد كلها. المسافات نضعها مع الحاضرين، وأنا أتعامل مع من أحبهم بوصفهم حاضرين وأحياء. حتى والدي الراحل، حتى أصدقائي الذين رحلوا في السنوات الماضية، ذاكرتي تبقيهم أحياء، يعيشون في الذاكرة الحية الدافئة المتحركة الرحبة، لا على جدران مصمتة باردة، محبوسين ضمن إطار ضيق. ذاكرتي تستحضر الماضي والحاضر بتقاصيل وأبعاد متداخلة ومركبة، بينما الصورة تستحضر لحظة محدّدة ببعد وحيد. ذاكرتي تحتفظ بأحبائي كما هم، بكل أخطائهم وهشاشتهم. الصورة تحول الشخص إلى أيقونة، والأيقونة منزّهة. تصلح أكثر لجدران الكنائس والمعابد، لا لجدران بيت شاعرة!