ذاكرة العتمة

19 يوليو 2020
الصورة
... وتستذكر رائحة الكاز المنبعثة من القنديل (حسين بيضون)

 

شائع هو خوف الأطفال من العتمة. حقيقة ليست في حاجة إلى قرائن. والخوف هذا ليس مرتبطاً بالعتمة بحدّ ذاتها، إنّما بمخاطر محتملة أو متخيَّلة يخفيها الظلام. كذلك قد يترجَم فزعاً من العمى. ويشرح هؤلاء الذين يحاولون الغوص في النفس البشريّة أنّ درجة معيّنة من هذا الخوف تُلاحَظ كأمر طبيعيّ في خلال نموّ الطفل عموماً. من جهته، يرى أبو التحليل النفسيّ سيغموند فرويد في الخوف من العتمة تعبيراً عن قلق الانفصال. وهذا الفزع الطفوليّ يطاول أحياناً أشخاصاً بالغين في حالات بحدّ ذاتها، ونادراً ما يكون ذا صلة بصدمة ما، في حين أنّه قد يتحوّل إلى رُهاب. هذه بعض معطيات حول الخوف من العتمة، من دون استرسال لا طائل منه.

الأطفال والعتمة. بعيداً عمّا يوضحه علم النفس - بمذاهبه المختلفة - في سياق متّصل، ثمّة علاقة وثيقة نُسِجت بين اللبنانيّين الصغار والظلام. والمقصودون هنا ليسوا أطفال اليوم إنّما الذين أُطلقت عليهم تسمية "جيل الحرب". هؤلاء صاروا من البالغين، غير أنّ طفولتهم ما زالت تحتلّ حيّزاً كبيراً في ذاكرتهم. صحيح أنّ تلك المرحلة تطبع الإنسان حتى ساعة لفظه أنفاسه الأخيرة، غير أنّ ما خبره هؤلاء يفوق ذلك بحسب ما يبدو.

اليوم، لسنا في حاجة إلى البحث في خبايا نفوسنا لاسترجاع تلك العلاقة التي جمعتنا بالعتمة قبل عقود. يكفي ذلك السواد الذي نغرق فيه أخيراً حتى نستعيد محطّات ومحطّات من زمن مضى... زمن صادقنا فيه الظلام. هو زمن كنّا نستمتع فيه بإطفاء الشموع وقناديل الكاز لنغرق من جديد في سواد مطمئِنٍ وسط دويّ قذائف وأزيز رصاص ورائحة بارود. العتمة كانت ملاذنا، في مفارقة لن يتمكّن من إدراكها من لم يعش بيننا في ذلك الزمن.

 

 

في تلك الليلة، كما في ليالٍ أخرى، عندما انقطع هدير المولّد الكهربائيّ في ذلك الحيّ البيروتيّ مخلّفاً ظلاماً دامساً، غمرتها الغبطة. وراحت تتأمّل العتمة التي احتضنت الفضاء المحيط، في داخل حدود مسكنها وكذلك في خارجه. تلك العتمة أعادتها طفلة في قريتها الجبليّة حفظت طريق الهروب من منزل العائلة إلى منزل الجيران الآمن في ليلة قصف مركّز، والمواقع المناسبة للتلطّي من شظايا قذيفة سقطت في الجوار. تلك العتمة أعادت إليها رائحة الكاز المنبعثة من القنديل عند إطفائه وشجارات لا تنتهي مع الجدّة حتى لا تهشّم زجاجة القنديل التي اسودّت بدورها وقد غطّى السخامُ داخلها. وكمن يخشى تفويت فرصة قد لا تتكرّر، راحت تستذكر أوعية الصفيح الصغيرة التي مُلئت بالرمل وغُرزت في كلّ واحدة منها شمعة ثخينة، وكيف كانت تنتظر انطفاء شعلتها وقد ذابت كليّاً في الرمل الأشقر. وتغرق في العتمة المستجدّة... من دون خوف.