ذاكرة الشيشان... لا يزال التهجير حاضراً بعد 75 عاماً

23 فبراير 2019
الصورة
أزهار في ذكرى التهجير (مكسيم مرمور/ فرانس برس)
+ الخط -

شعوب
سوفييتية عدّة رُحّلت في عهد ستالين، لا سيّما خلال الحرب العالمية الثانية، كالشيشان والإنغوش الذين لم ينسَ كبارهم ما عايشوه قبل عقود من ظلم واضطهاد

في مثل هذا اليوم قبل 75 عاماً، بدأ جهاز الاستخبارات السوفييتي عملية تهجير الشيشان والإنغوش من أراضيهم في الجمهورية الشيشانية الإنغوشية السوفييتية الاشتراكية التي تتمتّع بحكم ذاتي، إلى آسيا الوسطى، الأمر الذي اضطر نحو نصف مليون شخص إلى مغادرة منازلهم في غضون ساعات معدودة. اتّخذ الزعيم السوفييتي الراحل، جوزيف ستالين، هذا القرار الذي يُعَدّ "عقاباً" لسكان الجمهورية التي كان الشيشانيون يمثّلون الأغلبية فيها. أمّا التهمة فكانت تعاونهم مع الاحتلال النازي خلال الحرب العالمية الثانية (1939 - 1945) بعد انشقاق بضعة آلاف من الجنود الشيشانيين عن "الجيش الأحمر". وعقب إصدار مسؤول الشؤون الداخلية السوفييتي، لافرينتي بيريا، أمراً بتهجير الشيشان والإنغوش إلى جمهوريتَي كازاخستان وقرغيزستان السوفييتيتين آنذاك، بدأ الجنود السوفييت ليلة 23 فبراير/شباط من عام 1944 بدقّ أبواب المنازل ومنح أصحابها مهلة ساعتَين فقط للاستعداد قبل نقلهم على متن شاحنات إلى أقرب محطة لسكك الحديد. في ظروف بالغة القسوة، جرى ترحيل نحو 334 ألف شخص خلال اليوم الأول من العملية، وبحلول الأوّل من مارس/آذار من العام نفسه، هُجّر 480 ألف شخص تقريباً، 387 ألفاً منهم شيشان و91 ألفاً من الإنغوش.

 



وبحسب الأرقام الرسمية، فإنّ 780 شخصاً قتلوا أثناء عملية الترحيل تلك، في حين اعتُقل أكثر من ألفي عنصر "معاد للسوفييت" ولاذ نحو 6500 بالفرار إلى الجبال. وفي مارس 1944، أصدرت رئاسة المجلس الأعلى للاتحاد السوفييتي مرسوماً يقضي بإنهاء وجود الجمهورية الشيشانية الإنغوشية لتحلّ مكانها دائرة غروزني، بالإضافة إلى تسليم بعض الأراضي لجمهوريتَي جورجيا وأوسيتيا الشمالية.

يقول مدير مركز دراسات آسيا الوسطى والقوقاز في معهد الاستشراق التابع لأكاديمية العلوم الروسية، أليكبير أليكبيروف، لـ"العربي الجديد"، إنّ "ذكرى التهجير لا تزال راسخة كحدث مأساوي في ذاكرة الشيشان، نظراً إلى ما تعرّضوا له في السنوات اللاحقة من ظلم، لا سيّما عند مَن هم حالياً آباء وأجداد تخطّوا السبعين من عمرهم. كذلك، ثمّة عدد لا بأس به من المعمّرين في القوقاز تخطّوا المائة. وهؤلاء يتذكرون أحداث التهجير نفسها أو ولدوا في كازاخستان، ثمّ عادوا إلى أرضهم الأصلية بعد وفاة ستالين".

وحول دوافع السلطات السوفييتية لتهجير هذا العدد الهائل من السكان، يشير أليكبيروف إلى أنّ "المؤرّخين المعاصرين يرون أنّه لم يكن ثمّة سبب لذلك، لكن هناك رواية أخرى تشير إلى أنّ عدداً كبيراً من الخونة كان بين الشيشان، لأنّهم لم يكونوا قد استكملوا في ذلك الوقت عملية اندماجهم ووحدتهم مع روسيا. لكن في جميع الأحوال، لم تكن هذه الخطوة مدروسة، لأنّ نسبة المنشقّين بين الشيشان لم تكن أعلى من النسبة المسجّلة في الشعوب السلافية". ويرى أليكبيروف أنّ تهجير الشيشان حصل "كإجراء استباقي مع تداعيات مأساوية، بينما أدّى تراجع السلطات السوفييتية عن تهجير الداغستانيين إلى ارتفاع نسبة أبطال الحرب بينهم".

بعد وفاة ستالين في عام 1953، تولى الزعيم السوفييتي الراحل نيكيتا خروتشوف زمام السلطة في الاتحاد السوفييتي. وفي المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي في عام 1956، وهو أوّل مؤتمر بعد وفاة ستالين، قدّم تقريراً ندّد فيه بـ"عبادة الفرد وبجرائم ستالين وديكتاتوريّته"، الأمر الذي مهّد الطريق أمام ردّ الاعتبار لمن تعرّضوا للقمع. وفي عام 1957، بدأ الشيشان والإنغوش بالعودة التدريجية إلى أراضيهم، وقد أعيد إحياء الجمهورية الشيشانية الإنغوشية. لكنّ العدالة التاريخية الكاملة لم تتحقق إلا في عام 1989، حين صدر قانون ردّ الاعتبار إلى الشعوب التي تعرضت للقمع.




وبات الشيشان يحيون ذكرى تهجيرهم سنوياً في 23 فبراير/شباط من كل عام، قبل أن تقرّر السلطات الشيشانية بزعامة الرئيس رمضان قديروف تثبيتها في 10 مايو/أيار من كل سنة، ليكون يوماً لإحياء ذكرى كل أحزان الشعب الشيشاني، بما في ذلك وفاة الرئيس أحمد قديروف الذي قُتل في انفجار ضرب العاصمة غروزني أثناء الاحتفالات بعيد النصر في الحرب العالمية الثانية في التاسع من مايو/ أيار 2004.