ذاكرة البلقان ترفض نوبل هندكه: جائزة تنكأ جروح الماضي

18 أكتوبر 2019
الصورة
(كاريكاتير نُشر على غلاف الملحق الثقافي لجريدة "كوها ديتوره")
+ الخط -

تصادَف وجودي في سراييفو يوم إعلان قرار "الأكاديمية السويدية" بمنح الكاتب النمساوي بيتر هاندكه "جائزة نوبل للآداب"، لألمس ردود الأفعال الفورية والمتناقضة في البوسنة وكرواتيا وصربيا وكوسوفو، فكأنما صُبّ الزيت على جذوة النار التي تتأجج من حين إلى آخر منذ انتهاء آخر حروب يوغسلافيا السابقة في 1999.

ومع أن الانطباع العام في البلقان يوحي بالخروج من الماضي والتوجّه إلى المستقبل، كما هو الأمر مع قمة رؤساء صربيا وألبانيا ومقدونيا الشمالية في نوفي ساد عشية إعلان قرار فوز هاندكه لتأسيس مجال بلقاني مفتوح دونما حدود للأشخاص والبضائع، جاء القرار المفاجئ لينكأ جروح الماضي القريب ويُظهر فوراً مدى التباعد والتضارب في المشاعر المهيّجة للعداء التقليدي.

لا خلاف على استحقاق هاندكه للجائزة ككاتب، وهو ما يقرّ به حتى الروائي والمؤرخ الكوسوفي يوسف بوجوفي الذي يعتبره "من أهم الكتّاب في المجال الثقافي الألماني"، ولكن المشكلة في الجانب السياسي للكاتب الذي لم يتغير طوال ثلاثين عاماً في الانحياز إلى طرف ضدّ الآخر في الحروب الدموية التي عصفت بيوغسلافيا بين 1991 و1999. وقد أثار هذا من جديد سجل "الأكاديمية السويدية" مع هذا النمط من الكتّاب الذين لا تنسجم مواقفهم الفكرية - السياسية مع القيم المطروحة في مؤلفاتهم الأدبية.

ببساطة، كان هاندكه، ولا يزال، مؤيداً لمجرمي الحرب مثل سلوبودان ميلوشيفيتش ورادوفان كاراجيتش، حتى إنه حرص على حضور جنازة الأول في مسقط رأسه عام 2006، وألقى فيها كلمة "مؤثرة". وفي 1996، نشر كتابه "جولة عبر الأنهار: العدالة لصربيا" الذي وصل فيه إلى حد الزعم أنه لم تحدث أية مجزرة في سربرنيتسا (قُتل فيها أكثر من ثمانية آلاف بوسني مسلم خلال أيام في تموز/ يوليو 1995)، وأن حصار سراييفو الذي استمر 43 شهراً من 1992 إلى 1995 كان مدبراً من قبل المسلمين أنفسهم، وغير ذلك من المزاعم.

ومن هنا تلاحقت ردود الفعل في البوسنة وكرواتيا وصربيا وكوسوفو التي شهدت الحروب والمجازر خلال تلك الفترة. ففي سراييفو عبّر عضو مجلس الرئاسة الجماعية، شفيق جعفروفيتش، عن استنكاره قرارَ المؤسسة السويدية لسبب واحد فقط، هو أن هاندكه لم يعبّر قَطّ عن أسفه للمجازر الجماعية التي حصلت في البوسنة بين 1992 و1995، والتي أصبحت موثقة ونال المسؤولون عنها (كاراجيتش وغيره) ما يستحقونه من عقاب. وفي الوقت نفسه، وجّهت "جمعية أمهات سربرنيتسا" رسالة احتجاج إلى "الأكاديمية السويدية" على قرارها، وصرّحت رئيسة الجمعية، منيرة شوباشيتش، بأن مصدر الانزعاج هو "الرسالة الذي يحملها هذا القرار".

وفي اليوم التالي، مع وصولي إلى بريشتينا، كانت ردود الأفعال الكوسوفية تتصاعد، بدءاً بـ "أكاديمية العلوم والفنون" التي خاطبت "الأكاديمية السويدية" مستنكرةً القرار ومطالبة بسحب الجائزة، ووصولاً إلى "رابطة الكتّاب" التي عبّرت عن مشاعر الإحباط لمنح أرفع جائزة أدبية في العالم لكاتب ينكر حدوث مجازر، في الوقت الذي لا تزال فيه آلاف العائلات الكوسوفية تتعلق بخيط من الأمل لاكتشاف جثث ضحاياها الذين دُفنوا في مقابر جماعية في صربيا خلال حرب 1999.


حزن هنا وفرح هناك

في الوقت الذي كانت فيه الاستنكارات تتوالى في البوسنة وكوسوفو على فوز هاندكه بالجائزة، كانت الحالة مختلفة في صربيا المجاورة، إلى حد أنه تشكّل انطباع بأن صربيا وليست النمسا هي التي تحتفل على مستوى الدولة بالجائزة التي منحت لهاندكه. وربما ارتبط هذا بالمكانة التقديرية التي مُنحت له في هذه الدولة، ولم تُمنح له في دولته. فهو مواطن فخري لبلغراد وعضو "أكاديمية العلوم والفنون الصربية"، التي تمثل العضوية فيها لغير الصرب تقديراً استثنائياً.

وسارع وزير الخارجية الصربي إيفيتسا داشيتش إلى توجيه تهنئة إلى هاندكه، قال فيها: "إنها لشجاعة من الأكاديمية السويدية أن تمنح الجائزة له (هاندكه)، لأنه وجد الشجاعة لأن يكتب من زاوية مختلفة عن الحرب الأهلية في يوغسلافيا"، كما أوردت ذلك جريدة "داناس" البلغرادية المعروفة.

ومن ناحية أخرى، صرّح وزير الدفاع الصربي ألكسندر فولين: "إن هذا يؤكد أن الفضيلة والماء دائماً يجدان سبيلهما، وأن الكفاح في سبيل الحرية والحق بالاختيار لم يكن عبثاً". وفي اليوم ذاته، أدان الوزير نفسُه بيانَ وزارة الخارجية الكرواتية الذي استنكرت فيه منح الجائزة لهاندكه، متسائلاً: "هل منح الجائزة لصديق للصرب ذنب لا يغتفر؟"، مذكّراً زغرب بأنها لم تحتجّ على منح الكاتب الألماني غونتر غراس "جائزة نوبل"، على الرغم من ماضيه النازي.

والملاحظ هنا أن وزير الخارجية امتدح هاندكه لأنه "كتب من زاوية مختلفة عن الحرب الأهلية في يوغسلافيا"، بينما أقرّ وزير الدفاع بأن هاندكه "صديق للصرب". ولكن المعروف أن الثلاثي الحاكم في صربيا (ألكسندر فوتيتش وإيفيتسا داشيتش وألكسندر فولين) كان يمثل الدائرة المحيطة بسلوبودان ميلوشيفيتش؛ حيث كان فوتيتش وزيراً للإعلام، وتولى داشيتش رئاسة الحزب بعد اعتقال ميلوشيفيتش في 2001، بينما كان فولين أقرب حليف له. وبعبارة أخرى، إن "الإعجاب بميلوشيفيتش" هو القاسم المشترك بين الوزيرَين والكاتب بيتر هاندكه، وليس "الصداقة للصرب"، لأن الصرب أيضاً كانوا من ضحايا ميلوشيفيتش.

ومن هنا، كان لا بد لكاتب صربي معروف مثل فيليب دافيد أن يرفع صوته استنكاراً لكي يتّضح التمييز بين "صديق الصرب" و"صديق ميلوشيفيتش"؛ فدافيد، الذي كانت أسرته من ضحايا معسكرات الاعتقال في صربيا وكرواتيا خلال السيطرة النازية، سارع إلى التنبيه، في تصريح خاص لجريدة "كوها ديتوره" الكوسوفية، إلى الخطر الكامن في "الرسالة" التي وجّهتها "الأكاديمية السويدية" باختيارها هذا العام، قائلاً إنه يهزّ القيم التي قامت عليها الجائزة.

ومع أن الروائي الكوسوفي يوسف بوجوفي أقرّ بأن هاندكه مُنح الجائزة عن استحقاق لمكانته الأدبية، على الرغم من مواقفه المنحازة إلى طرف ضد آخر في حروب يوغسلافيا السابقة، إلا أن دافيد يرى أنّ الخطورة تكمن في أن الجائزة الأدبية الآن تغطّي المواقف السياسية لأنّ "من الصعب جداً في وقتنا الفصل بين النتاج الأدبي والنشاط السياسي".


المشترك والمختلف

في هذا المحيط الذي توتر فجأة فُتحت ملفات تربط بين هاندكه وشخصيات أخرى فيها ما هو مشترك وفيها ما هو مختلف.

فمن الملفات التي فُتحت، ما يوضّح أن هاندكه ليس استثناءً في ما يتعلق بالانحياز السياسي المتعارض مع القيم الموجودة في مؤلفات من فاز بـ "جائزة نوبل للأدب"؛ فقد فاز بها عام 1961 الروائي الكرواتي الأصل والصربي الهوى إيفو آندريتش، على الرغم من أنه عندما كان نائباً لوزير الخارجية اليوغسلافي في 1938، وقدّم مشروعاً للحكومة للتخلص من المسلمين في جنوب يوغسلافيا من طريق تهجيرهم إلى تركيا. ومع أن الكلّ يُجمع على الفن الرفيع لـ آندريتش، إلا أنه لم تعد له مكانة في يوغسلافيا السابقة إلا لدى الصرب.

ومن ناحية أخرى، فقد حصل الكاتب المسرحي البريطاني هارولد بنتر عام 2005 على الجائزة نفسها، على الرغم من تعبيره العلني عن موقفه المؤيد لميلوشيفيتش، حتى إنه انضم إلى "اللجنة الدولية للدفاع عن سلوبودان ميلوشيفيتش" بعد اعتقاله في لاهاي في 2001 لمحاكمته عن مسؤوليته عن جرائم الحرب في يوغسلافيا السابقة.

الأكثر من ذلك، كانت المقارنة بين هاندكه وبرنتون تارنت الذي ارتكب مجزرة في نيوزلندا خلال آذار/ مارس الماضي. فالعامل المشترك بينهما هو الإعجاب بمجرم الحرب الآخر رادوفان كاراجيتش؛ فقد لفت النظر آنذاك أن تارانت ربطته "صداقة" مع الصرب المتطرفين، وأصبح يعتبر كاراجيتش بطلاً، لأنه سعى إلى التخلص من المسلمين في البوسنة.

وفي شريط الفيديو الذي بثه على الهواء وهو في طريقه لتنفيذ المجزرة، كانت تُسمع في السيارة أغنية صربية تمجد كاراجيتش وتثير الحقد على المسلمين، ولذلك كانت هذه الأغنية تشحن تارانت إلى أن وصل إلى المسجد ليفتح النار على المصلين. ما الفرق هنا بين هاندكه وتارانت؟ لم يخف الأول إعجابه بما فعله كاراجيتش، ولم يسلّم قَطّ بحدوث مجازر في البوسنة، بينما كان الثاني يستلهم كاراجيتش وهو في طريقه إلى تنفيذ مجزرته التي لن يناله بسببها حكم الإعدام مثله في ذلك مثل كاراجيتش الذي اكتفت محكمة لاهاي بالسجن المؤبد له.


لا تعليق ولا سحب للجائزة

على الرغم من الاستنكارات والمطالبات الموجهة إلى "الأكاديمية السويدية" لسحب الجائزة من بيتر هاندكه بسبب "الرسالة السياسية" التي تحملها هذه المرة، إلا أن الأكاديمية استجابت بشكل استثنائي إلى طلب جريدة "كوها ديتوره" للتعليق على هذه المطالبات، لأن من سياسة الأكاديمية الصمت فقط؛ إذ صرّح المسؤول عن العلاقات العامة في الأكاديمية، مايكل أوستلوند بأن الأكاديمية "لا تتدخّل في عمل اللجنة التي تمنح جائزة نوبل، ولا تعلق على خيارات هذه اللجنة"، وأوضح بشكل قاطع أن "لا مجال لسحب الجائزة".


* باحث ومترجم من كوسوفو