ديموقراطيّة التفويض والمناشدة

30 مايو 2014   |  آخر تحديث: 05:45 (توقيت القدس)
+ الخط -
بعد ثلاثة أشهر، خرجت حكومة مهدي جمعة في تونس، بعُدّتها. وجاءها الصحافيّون في يوم الزينة، فأُلقي عليهم قول ثقيل. تحدّث رئيس حكومتنا عن الارهاب والصعوبات الاقتصاديّة، فأحصى إنجازات حكومته، بعد مئة يوم من تسلّمها السلطة، بهبة من الأطراف التي تحاورت، وتناصحت، وتوافقت.
ومن تلك الندوة، خرجنا بثلاث نتائج، أو صواعق مخيفة. الأولى أنّنا مقبلون على أيّام سوداء في المجال الاقتصادي، بعدما شدّد جمعة على صعوبة الوضع، ولوّح بضرورة تخفيف الأعباء عن الدولة، وتقليص نفقات صندوق التعويض. وذلك الإجراء سيرفع الأسعار مثنى وثلاث ورباع، فيفاقم من غلائها، وهي في صعود لا يتوقّف، منذ انتفاضة العاطلين والفقراء. والثانية أنّ الحرب على الإرهاب مستمرّة، والحكومة عازمة على إنشاء قطب لإدارتها. ولا يخفى على التونسيين ما يتّصل بتهم الارهاب من الخلط بين الحقّ والباطل. وقد ألقي القبض أخيراً على نشطاء في جمعيّات خيريّة، ذات مرجعيّات إسلاميّة، بتهمة تمويل الإرهاب، ما يذكّرنا بسياسات قديمة دأب عليها المخلوع بن علي. والثالثة أنّ رئيس الحكومة المؤقّت قد يستمرّ في منصبه، بعد الانتخابات المقبلة، استجابة لأصوات تسانده وتغازله، وتزكّي بقاءه في قصر الضيافة في قرطاج.
وقد أعلنت مؤسّسة سيغما لسبر الآراء، أنّ جمعة تقدّم على قايد السبسي، في نيات التصويت إذا ما ترشّح للرئاسة. والحال أنّه غير معنيّ بالانتخابات المقبلة، ولا يحقّ له الترشّح، بحسب ما نصّت عليه خارطة الطريق. ولكنّ المؤسّسة التي أعلنت ذلك التفوّق، دأبت على تلقين التونسيّين الأسماء التي تصلح دون غيرها لحكمهم، مثل الباجي قايد السبسي الذي أُخرج من طيّات الأرشيف البورقيبيّ، ومهدي جمعة القادم من منعرجات الحوار الوطنيّ التوافقيّ التفويضيّ.
واللافت أنّ صحافيّين ترعرعوا في أحضان النظام السابق ظهروا في مقدّمة السائلين لجمعة، فطلبوا موقفه من الأصوات التي تفوّضه للبقاء في منصبه بعد الانتخابات... وقد لعب الرئيس المُؤقّت، المُنصَّب، دوره جيّداً، فأبقى للمناشدين باب الأمل مفتوحاً، في نفيه أيّة اتصالات معه في ذلك الاتجاه، وكأنّه يوافق ضمنيّاً على ذلك التفويض إذا ألحّت عليه الأحزاب الكبيرة والصغيرة، كما فعلت وسائل الدعاية الأخرى (مؤسّسات الإعلام وسبر الآراء)، وقد بدأت حملتها فعلاً وقولاً، فتحدّثت عن شعبيّة جمعة، ورضا التونسيّين عليه، واستحسانهم عمل الوزراء في حكومته، وفي مقدمتهم وزيرة السياحة التي ملأت صورُها الدنيا وشغلت الناس!
لذلك، نتوقّع أن تتعاظم المناشدات لهؤلاء التكنوقراط، على خلفيّة النجاح المزعوم والكفاءة التي تغنينا بمنطق المناشدين عن حكومة تضمّ سياسيّين منتخبين...
ستجري الانتخابات المقبلة في آجالها، من دون شكّ، لكنّ اليقين أنّ نتائجها ستكون محسومة، هذه المرّة، في الاتجاه الذي "قدّرناه تقديرا". وهذا ما يسمّى الإعداد الجيّد الذي سيحرم أحزاباً بعينها (وهي راضية على الأرجح) من الحصول على أغلبيّة مريحة تمكّنها من "الاستحواذ"، مرّة أخرى، على السلطة. إنّها الثقافة الجديدة التي خرجنا بها من تجربة الترويكا المُقالة، فقد هوجمت، في وقت مبكّر، من حصولها على المناصب القياديّة للدولة، واتُّهمت بالدكتاتوريّة، وشُكّك في شرعيّتها، وأجبرت على الرحيل من دون انتخابات، وطُلب من الحكومة الحاليّة مراجعة التعيينات التي قُرّرت في عهدها بمنطق التطهير والتعقيم ومحاصرة الدخلاء والغرباء الذين لا يحقّ لهم دخول منطقة أخذ القرار، لضمان "نزاهة الانتخابات" المقبلة.
الديموقراطيّة الجديدة التي يجري التأسيس لها في بلدان الربيع العربيّ تتشكّل بآليّات أخرى، هي التوافق حيناً والتفويض حيناً آخر، وهي البديل الأوحد الذي سيصادر حقّ الشعوب في اختيار حكّامها عبر الصناديق. ولأنّ المشهد قبيح، بالمعايير السليمة لمفهوم الديموقراطيّة، يُسمح لنا بتنظيم انتخابات صوريّة لتجميله، بينما تُسلّم السلطة في النهاية للذين يزكّون أنفسهم، وتزكّيهم القوى العظمى التي تتدخّل في كلّ صغيرة وكبيرة من شؤوننا.
وفي هذا السياق، يصعّد عبد الفتاح السيسي في مصر، ويُزكّى مهدي جمعة في تونس، ليبقى في منصبه بشرعيّة التوافق والتفويض التي تنسخ ما خطّه نوّاب الشعب في الدستور الجديد، وفي القوانين المنظّمة للانتقال الديموقراطيّ.
والمشهد من أقبح ما يظهر الآن في مسار الانتقال الديموقراطيّ في بلدان الربيع العربيّ، لكنّ قبحه يتفاوت من بلد إلى آخر. وكونه ما زال سلميّاً في تونس، لا يحجب الدماء التي تلطّخه في مصر. وعلى الرغم من ضجيج المناشِدين والمناشَدين، تصمد أصوات المطالبين بأن تُحترم عقول الشعوب التي ثارت، لتقرّر مصيرها بنفسها، وتختار حكّامها بمطلق إرادتها. وإنّها لمعركة بين الحقّ والباطل، ولا نصر إلاّ لأهل الحقّ في نهاية المطاف.
 
42AEC1D7-8F5A-4B18-8A1C-9045C7C42C2B
عبد الرزاق قيراط

كاتب وباحث تونسي من مواليد 1965. من مؤلفاته كتاب "قالت لي الثورة" سنة 2011. وكتاب "أيامات الترويكا" سنة 2014. له مقالات متنوعة بصحف ومواقع عربية عديدة.